لايزال النظام المالي العالمي يكتسب قوة متزايدة في استجابة للدعم الاستثنائي المستمد من السياسات والتعزيزات التنظيمية والصعود الدوري الذي يشهده النمو. ولا تزال صحة البنوك تحقق تحسنا مستمرا في كثير من الاقتصادات المتقدمة، حيث أُحرِز تقدم في تسوية أوضاع بعض البنوك الأضعف، بينما تعكف معظم المؤسسات المؤثرة على النظام المالي على تعديل نماذج عملها واستعادة ربحيتها. وكان انتعاش النشاط الاقتصادي العالمي قد أعطى دفعة لثقة السوق مع وضع حد للمخاطر التي تهدد الاستقرار المالي على المدى القصير.

ولكن بخلاف هذه التحسينات الأخيرة، فإن بيئة التيسير النقدي المستمر – الضرورية لدعم النشاط ودفع التضخم – تؤدي أيضا إلى رفع تقييمات الأصول وزيادة نسب الرفع المالي. وقد بدأت المخاطر المحيطة بالاستقرار المالي تتحول من الجهاز المصرفي إلى القطاعات غير المصرفية والسوقية في النظام المالي. وتدعو هذه التطورات والمخاطر إلى تحقيق توازن دقيق في المسار نحو عودة السياسات النقدية العادية، مع تجنب تراكم المزيد من المخاطر المالية خارج القطاع المصرفي ومعالجة ما تبقى من مشكلات موروثة.

يشيع الاعتقاد بأن التمويل يساهم في زيادة النمو الاقتصادي على المدى الطويل، لكن أحدث الدراسات تشير إلى أن مكاسب النمو تبدأ في الانحسار مع زيادة نسب الرفع المالي الكلية. ففي ظل معدلات تواتر الدورات الاقتصادية، قد تؤدي زيادة الائتمان المقدم للقطاع الخاص، بما في ذلك ديون الأسر، إلى زيادة احتمالات الأزمات المالية وتراجع النمو، وفقا للدراسات التجريبية الجديدة - والخبرات الأخيرة المكتسبة من الأزمة المالية العالمية.

مستوى الديون والاستقرار المالي

ثمة هناك مفاضلة بين مكاسب النمو قصيرة الأجل التي يحققها ارتفاع ديون قطاع الأسر من ناحية، وما ينشأ عن هذا الارتفاع من تكاليف متوسطة الأجل على الاقتصاد الكلي والاستقرار المالي من ناحية أخرى. فعادة ما يرتفع النمو الاقتصادي وتنخفض البطالة على المدى القصير كلما زادت نسبة دين الأسر إلى إجمالي الناتج المحلي، ولكن هذه الآثار تزول خلال ثلاث إلى خمس سنوات. كذلك يساهم ارتفاع نمو دين الأسر في زيادة احتمالات الأزمات المصرفية. وتشتد وطأة هذه الآثار السلبية كلما ارتفعت ديون الأسر، ولذلك فهي أكثر وضوحا في الاقتصادات المتقدمة منها في اقتصادات الأسواق الصاعدة حيث نجد ديون الأسر أقل حجما والمشاركة في سوق الائتمان أكثر انخفاضا.

غير أن خصائص البلدان ومؤسساتها يمكن أن تخفف حدة المخاطر المصاحبة لارتفاع ديون الأسر. فحتى في البلدان التي تتسم بارتفاع الدين في هذا القطاع، يمكن تخفيف حدة المفاضلة بين النمو والاستقرار إلى حد كبير باستخدام المزيج السليم من المؤسسات والقواعد التنظيمية والسياسات. وعلى سبيل المثال، يمكن تخفيف أثر تزايد دين الأسر على المخاطر المحيطة بالنمو إذا تم تحسين التنظيم والرقابة في القطاع المالي، وتخفيض الاعتماد على التمويل الخارجي، واعتماد أسعار صرف مرنة، والحد من عدم المساواة في توزيع الدخول، وبوجه عام، ينبغي لصناع السياسات تحقيق توازن دقيق بين المنافع والمخاطر المصاحبة لديون الأسر عبر الآفاق الزمنية المختلفة، مع الاستفادة من منافع الشمول والتطور الماليين.

المخاطر على النمو الاقتصادي

التغيرات التي تطرأ على حالة النظام المالي يمكن أن تصدر إشارات قوية للمخاطر التي سيتعرض لها النشاط الاقتصادي في المستقبل. ومثلما حدث في الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية، غالبا ما تزداد مواطن الضعف المالي - أي مدى مساهمة الاحتكاكات المالية في تضخيم الأثر السلبي للصدمات على النشاط الاقتصادي - في ظل الأوضاع الاقتصادية القوية عندما يتوافر التمويل على نطاق واسع وتبدو المخاطر القائمة محدودة. وإذا ارتفعت مواطن الضعف المذكورة إلى مستوى كافٍ، تتولد عنها مخاطر سلبية كبيرة تهدد الاقتصاد. وعلى ذلك، فإن تتبُّع تطورات الأوضاع المالية يمكن أن يوفر لصناع السياسات معلومات قيمة عن المخاطر التي تواجه النمو المستقبلي، وهو ما يشكل أساسا لاتخاذ إجراءات وقائية موجَّهة.

ويضع هذا التقرير مقياسا اقتصاديا جديدا للاستقرار المالي يربط بين الأوضاع المالية وتوزيع احتمالات نمو إجمالي الناتج المحلي المستقبلي، مع تطبيق المقياس على مجموعة من كبرى الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة.

وقد وضع هذا التقرير منهجا تحليليا يمكن أن يكون إضافة مفيدة إلى مجموعة الأدوات التي يستخدمها صناع السياسات في أعمال الرقابة الاقتصادية الكلية/المالية. ويوضح الفصل أن التغيرات في الأوضاع المالية تُحْدِث تحولا في توزيع نمو إجمالي الناتج المحلي في المستقبل. وفي حين أن اتساع فروق العائد المرتبطة بالمخاطر، وزيادة التقلب في أسعار الأصول، وتراجع الإقبال على المخاطر تمثل جميعا أدوات مهمة للتنبؤ بفترات الهبوط الاقتصادي الكلي الكبير في الأجل القريب، فإن زيادة الرفع المالي ونمو الائتمان يصدران إشارة أهم لما يواجه نمو إجمالي الناتج المحلي من احتمالات سلبية على المدى المتوسط.

ومن ثم، فإن انخفاض تكاليف التمويل وتَراجُع درجة التقلب في الأسواق المالية في هذه الآونة يدعمان النظرة المتفائلة للمخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي على المدى القصير. ولكن زيادة نسب الرفع المالي ترسل إشارة للمخاطر المحتملة في المستقبل. أما سيناريو اتساع فروق العائد بوتيرة سريعة وزيادة تقلب الأسواق المالية فيمكن أن يفضي إلى تفاقم شديد في المخاطر المحيطة بآفاق النمو العالمي. وتؤكد هذه النتائج أهمية استمرار صناع السياسات في توخي اليقظة البالغة لأي مخاطر تواجه النمو في ظل الأوضاع المالية المواتية التي قد تتيح أرضا خصبة لتراكم مواطن الضعف المالي.

وبإجراء تحليل استرجاعي في الوقت الحقيقي لأحداث الأزمة المالية العالمية، يتبين أن نماذج التنبؤ المعززة بالأوضاع المالية كان يمكن أن تشير إلى احتمالات أكبر للانكماش الاقتصادي اللاحق مقارنةً بالنماذج التي تعتمد بشكل حصري على أداء النمو في الآونة الأخيرة، ويمكن أن يكون تحسين القدرة على التنبؤ بالانكماش الاقتصادي الحاد، حتى وإن شمل آفاقا زمنية قصيرة، عاملا مهما في وضع سياسات نقدية وسياسات لإدارة الأزمات في الوقت المناسب. ومما يمكن أن يساعد في تصميم قواعد السياسة اللازمة لمعالجة مواطن الضعف المالي أولاً بأول أن تتوافر القدرة على اشتقاق معلومات تغطي أفقا زمنيا أطول من خلال أسعار الأصول ومجملات الائتمان. ويدل ثراء النتائج التي استخلصها التحليل من مختلف البلدان على وجود مجال واسع أمام صناع السياسات لزيادة تطويع المنهج العام المستخدم في هذا الفصل بما يتلاءم مع الظروف القُطْرية الخاصة، ومن أهمها التغيرات الهيكلية في الأسواق المالية والاقتصاد العيني.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1