يرى الاقتصادي (بورتر)، أنه مازالت التنافسية لم تعرف بشكل جيد، ويختلف الكتاب حتى في المجلد الواحد حول مضمونها، في حين يرى البعض فيها بأنها فكرة واسعة تضم الانتاجية الكلية ومستويات المعيشة والنمو الاقتصادي. فأن أخرين يستعملون لها مفهوماً ضيقاً يتركز على تنافسية السعر والتجارة. وهذا مادفع معهد التنافسية الدولي الى محاولة صياغة تعريف موحد لها انطلاقاً من التطورات الحاصلة في طبيعة هذا المفهوم، ويرى فيها بأنها الاداء الحالي والكامن للأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالتنافس مع الدول الأخرى.

أما القدرة التنافسية فهي قدرة الشركات أو القطاعات الإنتاجية أو الدولة على تسويق منتجاتها وزيادة مبيعاتها، في ظل المنافسة مع السلع الأجنبية في الأسواق الداخلية والخارجية (اقتحام الأسواق الدولية). ويمكن أن ترجع هذه القدرة إلى الأسعار المنخفضة (التنافسية السعرية)، أو إلى عوامل أخرى خارجة عن السعر (الجودة، الابتكار، العلامة التجارية... إلخ).

ويحيل مفهوم القدرة التنافسية على أبعاد مختلفة وحقل واسع من السياسات الاقتصادية بسبب تعدد العوامل المؤثرة في بناء التنافسية وتنوعها. وتعد القدرة التنافسية من القضايا التي تكتسي أهمية قصوى عند الاقتصاديين ورجال الأعمال وصناع السياسات الاقتصادية على حد سواء، ومرد ذلك أن عولمة الاقتصاد وسياسات الانفتاح التجاري التي انتهجتها أغلبية بلدان العالم (راضية أو راغمة) طوال العقود الأخيرة وبتشجيع من منظمة التجارة العالمية؛ أفضت إلى احتدام المنافسة في الأسواق الدولية، وألغت كل حماية للأنشطة الإنتاجية المحلية من مزاحمة السلع الأجنبية.

ومن الطبيعي في هذا السياق المتسم بحدة المنافسة- أن يسعى كل بلد إلى تعزيز قدرته التنافسية أمام الآخرين، من أجل أن يضمن نموه الاقتصادي الضروري لتنميته ولخلق فرص العمل لمواطنيه، وتمويل سياساته الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة وغيرهما.

العوامل المؤثرة في القدرة التنافسية

تذكر الأدبيات الاقتصادية المتخصصة عدة محددات تؤثر في بناء القدرة التنافسية، وهي بشكل عام ما يلي:

- وفرة عوامل الإنتاج (الموارد الطبيعية والعمالة والتكنولوجيا) وانخفاض تكلفتها.

- توفر البنيات التحتية المحفزة للاستثمار كالمناطق الصناعية المجهزة وشبكات الطرق والموانئ والمطارات ووسائل الاتصالات... إلخ.

- جودة المنظومة التعليمية وتوفر عمالة محلية ماهرة ومؤهلة للتعاطي مع التكنولوجيات الحديثة وإتقان العمل بها.

- السياسات الاقتصادية الداعمة كالسياسة النقدية التي تقضي بخفض أسعار الفائدة وتؤدي بالتالي إلى تراجع تكلفة التمويل بالنسبة للشركات، وخفض مستوى سعر الصرف الفعلي الحقيقي، إضافة إلى السياسة الإنفاقية والسياسة الصناعية اللتين تشجعان البحث العلمي والابتكار، وتتيحان مخرجاتهما للشركات مجانا أو مقابل أسعار منخفضة.

- الحوكمة الرشيدة وفعالية المؤسسات وسيادة القانون والعدالة، مما يؤدي إلى تجويد مناخ الأعمال والحد من البيروقراطية، وجعل الإدارة في خدمة المقاولة وليست عبئا عليها (كما يكون عليه الحال إذا استشرى الفساد في أي بلد).

- القدرة على الإبداع والابتكار ومستوى التكنولوجيات المتاحة للشركات.

- جاذبية البلد للاستثمارات المباشرة الأجنبية، خصوصا تلك التي يكون مصدرها هو الشركات العالمية التي تملك حصصا هامة من السوق الدولية.

- تطور أسواق الأوراق المالية ومدى عمقها وقدرتها على استقطاب الرساميل الأجنبية، وهو ما من شأنه أن يتيح للشركات فرصا تمويلية بديلة عن التمويل المصرفي، ويخفض تكلفة تمويل مشاريعها التوسعية.

- سياسات التسويق الخلاقة والمبدعة التي تستعين بدراسة الأسواق لتطوير منتجات متميزة عن منافسيها وتستجيب لتطلعات المستهلكين، علاوة على بناء علامات تجارية ذائعة الصيت وقريبة من المستهلكين والترويج لها.

مؤشر التنافسية العالمي

يرى المنتدى الاقتصادي العالمي أن بناء القدرة التنافسية عملية معقدة تستند إلى 12 عاملا مؤثرا تدخل كلها في بناء مؤشر المنتدى المركب لقياس القدرة التنافسية. وتصنف العوامل المؤثرة إلى ثلاث مجموعات هي:

1- المتطلبات الأساسية: المؤسسات، البنية التحتية، الاستقرار الاقتصادي الكلي، الصحة والتعليم الأساسي.

2- معززات الكفاءة: التعليم العالي والتدريب، كفاءة أسواق السلع، كفاءة سوق العمل، تطور السوق المالية، الجاهزية التكنولوجية، وحجم السوق المحلية.

3- عوامل التطور والابتكار: تطور بنية الأعمال والقدرة على الابتكار. ويقوم المنتدى اعتمادا على المعطيات المتوفرة بخصوص العوامل السالفة الذكر بقياس مؤشر القدرة التنافسية لـ140 دولة، ويتم تصنيفها في تقرير للتنافسية العالمية يصدره المنتدى سنويا.

آليات تطوير القدرات التنافسية

إن اهمية القدرة التنافسية تأتي من كونها تعمل على توفير البيئة التنافسية الملائمة لتحقيق كفاءة تخصيص الموارد واستخدامها وتشجيع الابداع والابتكار وإدخال التكنولوجيا بما يؤدي الى تحسن وتعزيز الانتاجية والارتقاء بنوعية الانتاج ورفع مستوى الاداء وتحسين مستوى معيشة المستهلكين من خلال خفض التكاليف والأسعار ولتحقيق هذه النتائج من الضروري العمل على :

- مراجعة شاملة لإدارات المؤسسات الحكومية واستبدال الادارات الفاشلة بإدارات تتحلى بالكفاءة والنزاهة ، قادرة على تطوير مؤسساتها الانتاجية والإلمام بالتجربة وإتباع الطرق العلمية في العملية الانتاجية .

- اعتماد المعايير الاقتصادية العلمية في انتقاء المشاريع القابلة للخصخصة والتي ثبت فشلها في مواكبة العملية الانتاجية وتعرضت الى خسائر لا تستطيع معها الاستمرار ضمن القطاع الحكومي .

- مراجعة اساليب الانتاج في المؤسسات الحكومية وإدخال التقنيات الحديثة في الانتاج من حيث المكائن والمعدات والأساليب الحديثة في الانتاج وإتباع نظام ادارة الجودة من اجل تحسين نوعية الانتاج بما يستطيع المنافسة في السوق المحلية والسوق الخارجية .

- توفير الحماية الكاملة لمنتجات المؤسسات الحكومية من خلال تنفيذ القوانين الحمائية التي تم تشريعها كقانون حماية المنتجات الوطنية وقانون المنافسة وقانون منع الاحتكار.

وبصورة عامة يحتاج أي إقتصاد الى تحول هيكلي للاقتصاد الذي بدوره سيفضي إلى نمو أقوى وإلى خلق الوظائف مجموعة منسقة من السياسات في العديد من المجالات الرئيسية. سيتضمن ذلك الحفاظ على استقرار بيئة الاقتصاد الكلي، وتحسين بيئة أنشطة الأعمال، ووضع سياسة تجارية من شأنها تعزيز قدرة المنتجات المغربية على المنافسة، وتنمية القطاع المالي بحيث يخدم الشركات الأصغر بشكل أفضل، وضمان التدريب الأفضل للقوي العاملة، والحماية الاجتماعية الفعالة، ومؤسسات أسواق العمل.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن التحدي سيكمن في تطبيق وتنسيق كافة السياسات التي تؤثر في تنمية القطاع الخاص، وعلى الاستثمار وخلق الوظائف. وسيتوقف نجاح برامج القطاعات الجاري تنفيذها على القدرة على التنسيق، وتطبيق وتقييم السياسات على مختلف المستويات ومن خلال مختلف الهيئات.وقد ثبتت صعوبة ذلك، لاسيما في الماضي حينما اقتضت التنسيق القوي بين الهيئات، وخاصة من أجل معالجة المعوقات الدائمة في بيئة أنشطة الأعمال بجميع القطاعات، تلك المعوقات التي تقوض وتميع تأثير مختلف الإجراءات التدخلية وتدعم الخطط التي تم إطلاقها. والقواعد واللوائح المنظمة لبيئة أنشطة الأعمال صعبة، وكثيرا ما يتم تطبيقها بشكل متقطع من قبل السلطات المختصة المعنية بفرضها. وتؤثر هذه القضايا المشتركة في أغلب الأحوال على مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة المحلية التي تشكل المصدر الرئيسي لخلق الوظائف.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0