بقلم: الشيخ جعفر الهادي-مقتبس من كتاب الله خالق الكون

هناك من يتساءل مشككاً أو مستفهماً: لماذا يجب البحث عن «الله» ولماذا نبحث في المسائل الاعتقادية؟

أليس من الاجدر بنا أن نبحث فيما يتصل بحياتنا اليومية، ويعالج مشاكلها ويكون مؤثراً في تحسين أحوالنا المعاشية؟

أليس الحديث عن الموجود أو الموجودات الخارجة عن نطاق الحس والتجربة، والتي لا يكون لها أي أثر في حياتنا وجوداً أو عدماً غير نافع ولا مفيد؟

هذا هو ما يدعيه البعض ويردده خاصة بعد ظهور وانتشار المادية المتفلسفة لنفي الحاجة الى طرح المسائل الاعتقادية ودراسة العقيدة.

ان المتسائل أو المشكك يعتقد أن القضايا الاعتقادية لا أثر لها في تحسين الأحوال المعيشية ويرى أن العقيدة لا ربط لها بالحياة ولا أثر لها في اسعاد الانسان بل هي أمور لا تتجاوز حدود الذهن.

ولكننا سنعرف ـ من خلال الجهات التي سنستعرضها ـ أن للعقيدة صلة عميقة بالحياة الانسانية وان لها آثاراً هامة ومباشرة في جميع حقولها ومناحيها

وسنعرف ان الادعاء المذكور ناشئ عن عدم وقوف المدّعي على مبادئ الدين وتعاليمه، وقضايا العقيدة وآثارها البناءة في الحياة البشرية وذلك لاحد أمرين:

اما لعدم اتصاله بأصحاب العقول النيرة من العارفين بشؤون العقيدة، العالمين بمسائلها وقضاياها ليشرحوا لهم ما ألتبس عليهم منها، أو خفي عليهم من آثارها وفوائدها في حياة الناس أفراداً وجماعات.

واما لأنهم لم يجشموا أنفسهم عناء البحث والفحص والتحقيق.

واليك بعض هذه النواحي والاثار الجمة للعقيدة الدينية التي غفل عنها أصحاب النظرة المادية نذكرها واحدة تلو الأخرى تحت أرقام متسلسلة ليقف القارئ بنفسه على بطلان الزعم المذكور بعد أن يعرف كيف إن العقيدة الدينية تتصل بصميم الحياة لا بهامشها.

١ ـ البحث في العقيدة يساعد على فهم الحياة:

لم يزل الانسان منذ أقدم العصور يطرح على نفسه هذه الأسئلة الثلاثة:

من أين أتيت؟

لماذا أتيت؟

الى أين أذهب؟

ولم تزل هذه الأسئلة تطالبه بالجواب بإلحاح شديد.. انه لا يمكنه أن يمرّ على هذه الاسئلة دون اكتراث، وهو يرى لكل ظاهرة حياتية سبباً، فكيف بهذا الكون العظيم وهذا الفضاء الواسع العريض وما يتسمان به من جلال وابداع؟

كيف يمكنه أن يصدّق بان كل ذلك قد وجد صدفة دون خالق مبدع حكيم، اليس لكل بناء بان، ولكل كتاب مؤلف، ولكل مصنوع صانع؟

كما لا يمكنه أيضاً بان يصدّق بان هذا الوجود لا ينطوي على هدف، وان هذه الحياة لا ترمي الى غاية وهل يقبل العقل السليم ذلك ويرتضيه؟

ولقد انقسم الناس تجاه هذه الاسئلة الملحة إلى صنفين:

أ ـ من بقي في حالة الشك والحيرة لأنه لم يجشم نفسه عناء البحث والتحقيق.

ب ـ من بحث وحقق وفحص ولاحق فاهتدى إلى الحقيقة، وعرف بان لهذا الكون خالقاً وان لهذا الوجود غاية، وان لهذه الحياة هدفاً، وانه ما من شيء في صفحة هذا العالم الفسيح الا ويجري وفق تخطيط حكيم، وقصد صحيح فلا صدفة ولا فوضى ولا عبثية.

ولقد كان طبيعياً أن يحظى هذا الفريق بالارتياح ودعة الضمير لأنه عرف مبدأه ومنتهاه، وابصر مسيره ومصيره، فلم يكن كالسائر في متاهة، العايش في الفراغ.

كما كان من الطبيعي والبديهي أن يعاني الفريق الأول من القلق النفسي والاضطراب الروحي بسبب شكه، وحيرته، فالشك والجهل بالماضي والحاضر والمستقبل حالة قاتلة وقاسية تعكر صفو الحياة، وتقضي على كل بهجة وتجعل المرء كمن يمشي في تيه.

ولما كانت هذه الاسئلة الملحة لا تختص بمن مضى من البشر بل تراود كل أحد حتى في هذا العصر ولما كان البقاء في حالة الشك والحيرة أمراً مضنياً، بل وخطراً للغاية على حياة الانسان، لزم البحث عن الأجوبة الشاقية على هذه الأسئلة للتخلص من جحيم الشك القاسي، والحيرة القاتلة.

الا يجدر بالإنسان وهو ينشد راحة الضمير أن يسعى لمعرفة حقائق هذا الوجود، وأسرار هذا الكون وأهداف هذه الحياة، وكلنا نعلم أن تحقيق مثل هذه الحالة للنفس والضمير منوط بهذه المعرفة، ومتوقف عليها؟

هل من الجائز والصحيح أن يترك الشك ينخر كيانه وتعكر الحيرة صفو الحياة عليه بسبب انه يجهل كل شيء عن ماضيه وحاضره وعن المستقبل الذي ينتظره؟

آن البحث في العقيدة طريق الى تحصيل كل الاجابات الصحيحة الشافية على هذه الأسئلة الخالدة التي ظلّت تراود الذهن البشري منذ أن حط قدمه على هذا الكوكب ولا تزال تخالجه إلى هذا الحين.

ان دراسة العقيدة الدينية تساعدنا على أن نفهم الحياة، وندرك أهدافها، ومصيرها فلا نبقى في الشك والحيرة، والى هذه النتيجة القيمة أشار الحديث المعروف:

«رحم الله امرءاً عرف من این وفي این والی این؟».

هذه هي الناحية أو الفائدة الأولى من فوائد البحث في العقيدة الدينية، ولنستعرض معاً الفائدة الثانية التي تترتب على مثل هذا البحث والتحقيق.

2 ـ البحث في العقيدة يطرد القلق

عندما نراجع التاريخ البشري نواجه مجموعة كبيرة ممن يطلق عليهم «الانبياء» قد أخبروا بوجود الله خالق لهذا الكون، وأنهم رسله إلى البشرية، جاؤوا ليخبروهم بأن ثمة واجبات وتكالیف، وأن هناك حياة أخرى وحشراً ونشراً وحساباً وعقاباً، وجنة وناراً، وان الناس جميعهم مسئولون محاسبون شاؤوا أم أبوا.

ولم يكن هؤلاء من مجاهيل الناس فقد عرفت سوابقهم الناصعة وتاريخهم النقي من كل شائبة، كما ولم ينشد هؤلاء من وراء دعوتهم كسب سمعة، أو جلب منفعة، فقد واجهوا في سبيلها الصعاب وتحملوا المتاعب، وضحوا بكل غال ورخيص، وعرضوا أنفسهم لكل حادث خطير بشهادة التاريخ.

ثم انا نجد أيضا جمهورا كبيرا من الفلاسفة وأصحاب النبوغ، ورواد العلوم الطبيعية ممن يعبأ الناس بآرائهم امثال ارسطو وافلاطون وسقراط وغيرهم قد أخبروا كذلك بتلك الحقائق وأكدوها بما توصلوا اليه نتيجة التأمل في الطبيعة والنظرة الفاحصة في الكون والوجود.

فهم أخبروا بأن ما يتمتع به هذا الكون من نظام متقن ودقيق وحركة منتظمة ومتسقة، وما يتجلى في كل جزء من أجزائه من آثار الحكمة والتدبير كل ذلك يدل على صدور هذا الخلق عن مبدأ قادر حكيم، قد أعطى كل شيء خلقه، واتقن كل شيء صنعه.

كما أخبروا بأن الحكمة تقتضي أن لا تخلو حياة البشر من هدف معقول فلابد أن تكون هناك حياة خالدة يسعد فيها الانسان وتتحقق فيها كل تطلعاته وطموحاته وأمانيه اذ لا يمكن أن تكون هذه الحياة المحاطة بالحرمان والموت هي غاية الحياة الانسانية، وهي كل الهدف من وجوده.

ولقد آمن هذا الجمهور الكبير من الفلاسفة والعلماء بهذه الحقائق ومضوا عليها داعين شعوبهم الى الايمان بها ومؤكدين بذلك ما أخبر به الأنبياء، وصدعت به الرسل.

بعد الوقوف على هذه الحقيقة التاريخية الساطعة، واخبار هذا الجم الغفير بهذه الأمور عن مبدأ الكون ومصير الانسان، وما عليه من واجبات، وما ينتظره من تبعات جسيمة اذا هو أهملها، الا نحتمل أن يكون الأمر كما أخبروا، والا نحتمل صدقهم في مقالتهم، وألا يستوجب ذلك أن نبحث فيما أخبروا به ونتحقق منه، ونحن نهتم بأبسط الأمور، ونحسب لأضعف الاحتمالات حسابها؟

أجل، أن مجرد هذه الاحتمالات تؤرق كل عاقل يحب سعادته وأمنه واستقراره.

ألا ترى لو ان أحداً أخبره بوجود حيوان كاسر في طريق ينوى سلوكه، فاحتمل صدقه عمد إلى التحقيق وتجنب الطيش والاهمال، والتهور.

أن مجرد احتمال أن ينتظرنا حساب عادل ودقيق لكل تصرفاتنا جدير بأن يحملنا على البحث في العقيدة الدينية خشية أن نخسر الثواب الأبدي أو نواجه العذاب الخالد اذا كذبنا بهذه الحقائق وهذا هو حكم العقل الذي يقضي بوجوب دفع الضرر ولو كان محتملا.

أجل هذه هي الجهة الثانية الباعثة على دراسة العقيدة والبحث عن «الله» وما يتبع ذلك من قضايا الاعتقاد، وقد أشار بعض علماء الكلام القدامى الى هذه الجهة اذ قال بتقريب يقارب ما قررناه:

انها (أي دراسة العقيدة وما ينجم عنها من معرفة) دافعة للخوف الحاصل، للإنسان من الاختلاف (الواقع بين البشر في أمر العقيدة فهناك جماهير غفيرة مؤمنة، وثمة جماعات قليلة كافرة) ودفع الخوف واجب لأنه ألم نفساني يمكن دفعه فيحكم العقل بوجوب دفعه، فيجب دفعه (1).

اذا عرفت هذا فلننتقل الى الناحية الثالثة التي توجب علينا أن نتناول العقيدة بالبحث والدرس والتحقيق الا وهي الآثار الروحية والاخلاقية والاجتماعية التي تلازم الاعتقاد بالله والايمان بالآخرة، وسنذكر هذه الاثار تحت اربعة عناوین هي:

٣ ـ الاعتقاد بـ «الله» مبعث الطمأنينة:

يواجه الانسان في حياته أموراً عديدة تنص عليه عیشه وتسبب له ازمة روحية مستعصية كلما تذكرها ولم يجد لها تفسیراً مقنعاً ومعقولا، وهذه الأمور هي:

أ ـ هاجس الفناء.

ب ـ المصائب والنكبات.

ج ـ المادية المفرطة.

صحيح أن البشرية قد استطاعت بفضل ما أحرزت من التقدم العلمي والتقني أن تتغلب على جانب كبير من الطبيعة حتى أنه ادعى انه قهرها بعد ان وقف على الكثير من قوانينها، ولكن كل ذلك لم يساعدها على الحصول على تفسیر صحیح وبیان مقنع وواضح في هذه المجالات.

وحتى نعرف أولا كیف تسلب هذه الامور الثلاثة الطمأنينة من الانسان وتنغص حياته لا بد من الوقوف عندها قليلا واليك هذا التوضيح:

أ ـ هاجس الغناء:

لقد أحب الإنسان حياته وعشقها بحكم ما أودع في كيانه من غريزة حب الذات وحب البقاء، ولذلك فهو يحافظ عليها اشد المحافظة ويحرص على حمايتها

بكل ما أوتي من قوة، فاذا تذكر الموت اعتراه أسى عميق لانه يعتبر الموت نهاية لهذه الحياة العزيزة عليه، الاثيرة لديه. أنه يعتبر الموت فناء مطلقاً يأتي على حياته وكل ما جمعه وشيّده طيلة عمره. ومن هنا يظل الموت كشبح مخيف وكریه يلاحقه ويؤرقه وربما حاول التخلص منه باللهو والتسلية دون جدوى، لانه سرعان ما يشبع منهما ويملهما.

ب ـ المصائب والنكبات

الحياة التي يمر بها الانسان مليئة بالمصائب مشحونة بالكوارث، وكأن ذلك هو قانونها المحكّم، وسنتها الثابتة، فمن مرض الى فقد عزيز الى ضياع مال وغيره.

وهذه المصائب هي من أشد ما يعاني منها الانسان في حياته، بل وقد تقضي عليه كمداً وحزناً اذا لم يجد لها تفسيراً معقولاً أولم يؤمن بعالم آخر يعوّض فيه عليها ويثاب، فرب من أهلكه جزعه، ورب من أردته أحزانه، ممن فقدوا الصبر والاستقامة، وحرموا الوعي الكافي، والايمان الواقي، والأمل في المثوبة والاجر.

ج ـ المادية المفرطة:

لقد جبل الانسان على حب المال والميل الى ملاذ الحياة والتمتع بها لان في ذلك قوام حياته واستمرار وجوده ولكن قد تتحول هذه الغريزة الى حرص بالغ وجشع عريض، ولما كان يتعذر عليه أن يحقق كل مطامحه وكل امانيه في هذه الحياة بسبب عجزه عن ذلك دخله همّ عظيم لهذا الاخفاق وأحس بمرارة كبيرة تستتبع بدورها آلاماً نفسية كما اصابه حزن شديد على مصير ما اجتهاد في جمعه وتحصيله لانه يتصور أن هذه الحياة هي كل شيء.

كل هذه المخاوف والأزمات الروحية لا يملك أي توضیح مقنع في هذه المجالات.

انها عقد وأزمات روحية يرجع اليها أكثر ما تعاني منه البشرية الحاضرة (وخاصة في المجتمعات غير المتدينة) من حالات الجنون والهستيريا والاقبال على الانتحار، وتعاطي المسكرات والمخدرات، كما تشهد بذلك تقارير وكتب ودراسات تتناول الأوضاع السائدة الان في المجتمعات المادية.

والسؤال المطروح الان هو: ما هو الطريق للتخلص من هذه الأزمات والالام الروحية وما يترتب عليها من مضاعفات، وذيول.

الجواب هو: ان العقيدة الدينية الصحيحة هي وحدها الكفيلة بتوضيح هذه الأمور وازالة موجبات هذه الأزمات الروحية والبك تفصيل ذلك:

كيف تعالج العقيدة الدينية عوامل الأزمات الروحية؟

قلنا: ان العقيدة الصحيحة هي وحدها القادرة على مواجهة عوامل الاضطراب المذكورة، وتحقيق السكینة للانسان والتخفيف من الأزمات الروحية التي يتعرض لها وذلك:

اولا: لان العقيدة الدينية الصحيحة بما تثبته من حياة اخرى تعطى للموت مفهوماً آخراً، فترفض أن يكون الموت فناء مطلقاً للانسان، ونهاية لحياته وضياعاً لآماله وجهوده وطموحاته، بل تعتبره عملية انتقال من عالم ضيق الى عالم أوسع، ونقلة من حياة زائلة إلى حياة أبدية، مستقرة حقيقية.

وبهذا يتغير طعم الموت ما دام يعني التحليق الى عالم أفضل بالنسبة إلى المؤمنين الصالحين العاملين ولا يعود كابوساً يؤرّق الانسان، ويعذّب الكهول والشيوخ خاصة.

ثانياً: لان العقيدة الدينية بما تقدمه من تفسيرات واقعية للمصائب والنكبات والمحن والالام الطارئة التي تنتاب الانسان في هذه الحياة تغيّر من معنى، ومدلول هذه الامور:

فاذا عرف الانسان ـ حسب هذه التفسيرات ـ أن بعض المصائب والنكبات اختبار ولذا فهي لا تمر دون عوض مناسب وثواب لائق اذا صبر عليها ما دام اله الكون عادلاً رؤفاً، أو أنها لا تخلو من مصلحة وحكمة ما دام خالق الكون عالماً حكيماً، هذا إذا لم يكن ما أصابه من المحن والنكبات بسبب فعله.

أقول اذا عرف الانسان كل ذلك وغيره مما تبينه العقيدة الدينية في هذا المجال لم يأس على ما فاته ولم يحزن لما دهاه بل ازداد صلابة واستقامة، وصبراً وجلداً.

ثالثاً: لان العقيدة الدينية بما تقدمه من تعاليم اخلاقية تحدّ من سورة الحرص الذي يسبب الاضطراب الناشئ عن الاخفاق ومن فورة الهلع الذي يسبب الغم نتيجة العجز عن تحقيق كل الطموحات المادية العريضة وأيضاً بما تقرره من برامج لتقوية السجايا والصفات الانسانية والمعنوية، تقضي على أهم أسباب الإفراط في المادية، فهي من جانب تشجع على البذل والعطاء، مع التلويح والوعد بالثواب الجزيل والاجر الجميل، ومن جانب آخر تقلل من أهمية هذه الحياة المادية اذ تعتبرها وسيلة لا هدفاً، وممراً لا مقراً، وزائلة غير باقية.

هكذا تعالج العقيدة الدينية الصحيحة الازمات الروحية وتخفف من شدتها ووطأتها. فلو أن الإنسان نظر الى الحياة من هذا المنظار الديني لم يعد يشعر بأي قلق، ولا يتعرض لأية أزمة روحية.

تلك هي بعض الاثار البناءة والثمار الروحية الطيبة التي تترتب على الاعتقاد بالله سبحانه.

ولنستمع الى القرآن الكريم وهو يعلن بصراحة بان ما يدعو اليه من ایمان بالله واليوم الآخر هو وحده القادر على توفير ما ينشده الانسان من السكينة والطمأنينة والأمن والدعة اذ يقول سبحانه:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾(الانعام ـ 82)

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(يونس ـ 62)

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد ـ 28)

﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ (الفتح ـ 3)

فاذا كان للعقيدة الدينية مثل هذا الأثر العظيم في صميم حياتنا من تخفيف الالام النفسية، وطرد الهواجس، فهل من الصحيح أن نعرض عن البحث فيها ودراستها، أم أن العقل يحتم علينا أن نولي العقيدة ودراستها اهتماماً جدياً لما ينطوي عليه ذلك من هذا الأثر النفسي والروحي الخطير؟؟

4) الاعتقاد بالله دعامة الأخلاق:

الانسان كتلة هائلة من الغرائز التي لا تعرف الحدود، ومجموعة من الشهوات والمطامع والطموحات التي لا تعرف نهاية، فاذا ترك وشأنه لينال ما تدفعه اليه شهواته وغرائزه جر على نفسه وعلى مجتمعه الفساد والفناء، لتضارب المصالح والمطامع والطموحات، وعجز الانسان عن الوصول إلى كل ما يريده الا على حساب صحته وسلامته، وانسانيته، وقيمه، ومنع الاخرين من الوصول إلى مطامحهم وأهدافهم.

ان ما يعانيه العالم المعاصر من ويلات ومصائب ليس الا من اطلاق العنان لهذه الغرائز مثل حب الذات والمال والجاه، وغريزة الغضب والجنس، والافراط في استخدامها، والانسياق وراءها.

من هنا طرح المصلحون الاجتماعيون مسألة «الأخلاق» التي تهتم بتعديل هذه الغرائز وقولبتها ووضعها في المسار الصحيح، والحد من جموحها وغليانها.

الا ان التقيد بالأخلاق لما كان يلازم التنازل عن بعض الطموحات والحرمان عن بعض المكاسب غالباً، لم تستطع التوصيات الأخلاقية وحدها من السيطرة على الغرائز وتعديلها فكان لابد من شيء يعزز مكانة الأخلاق، وأفضل شيء في هذا المجال هو أن يشعر الأفراد بأن هناك ثواباً وعقاباً: الثواب لمن التزم طریق العدالة والاعتدال واحترم حقوق الاخرين وحدودهم، والعقاب لمن خالف ذلك، وهذا لا يأتي الا عن طريق العقيدة الدينية، والايمان بالله واليوم الاخر وما يلازم ذلك من رقابة وحساب دقيق.

اذا عرف الفرد أن السعادة الاخروية منوطة بحسن استخدامه للغرائز وأن تجاوز الحدود المعقولة المرسومة لها لا يخلو عن عقاب وحرمان في الاخرة، فان مثل هذا الاعتقاد كاف لدفعه، وحمله علی مراعات الحدود والبقاء ضمن الاطار الاخلاقي في جميع الحالات.

على أن تأثير الاعتقاد بالله واليوم الآخر لا ينحصر في تعديل الغرائز بل يتعداه الى تنمية الفضائل والسجايا في الانسان، فالانسان لم يزود بالغرائز فقط بل زود بخمائر الفضيلة وبذور السجايا الكريمة.

وبعبارة أخرى أن الفضائل والسجايا الكريمة جزء من فطرة كل انسان، وان الميل إلى الخير وكراهة الشر أمران مغروسان في جبلة البشر فهم يحبون الخير وأهله ويكرهون الشر وأهله ولكن هذه البذور والخمائر لا تستطيع مقاومة الغرائز ومزاحمة الشهوات الا اذا قویت ونمت، وهي لا تنمو الا في ظل الدين الذي ينطوي على الاعتقاد بالله واليوم الآخر وما وعد فيه من مثوبات عظيمة على الخيرات، أو عقوبات شديدة على ارتكاب الشرور والاثام وبهذا تكون العقيدة خير وسيلة لتنمية السجايا النبيلة في الكيان الانساني وخير سبيل الي تقويتها ودعمها.

ولنستمع الى القرآن وهو يقرر هذه الحقيقة اذ يقول:

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (التوبه 1۰۹)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّـهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾(النساء 135)

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الماعون 1 ـ 3)

فالآية الأولى تفيد ان أي بناء اخلاقي لا يقوم على أساس الايمان بالله، واليوم الآخر فهو بناء منهار لا محالة.

والآية الثانية تفيد أن القيام بالعدل والقسط رهن بالايمان بالله واليوم الاخر ولذلك وجه الخطاب فيها الى (الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وتفيد الآيات الأخيرة بل تصرح بأن ردع اليتيم والامتناع عن اطعامه نتيجة التكذيب بالآخرة.

هذا هو الأثر الأخلاقي للاعتقاد بالله واليوم الآخر وهو جدير بأن يجعل دراسة العقيدة والتحقيق فيها في غاية الأهمية لمعالجة ما حل ويحل بالبشرية من أزمات أخلاقية خطيرة وما ينشأ على أثر ذلك من الويلات والمآسي الاجتماعية.

أن الأثر الأخلاقي للعقيدة حدا بعلماء الاجتماع الى أن يعتبروا «الدين» أفضل دعامة للاخلاق وان يعتبروا الأخلاق منزوعة عن العنصر الاعتقادي فاشلة في تأدية رسالتها ومهمتها.

5 ـ الاعتقاد بالله ضمان لتنفيذ القوانين:

لقد تميز البشر عن غيره من الاحياء بكونه مدنيا بالطبع ميالا الى الحياة الاجتماعية، ولتعدد حاجاته وعجزه عن القيام بها دون معونة الأخرين. وهذه حقيقة أكدها الواقع بعد أن أشار اليها علماء الاجتماع بعد سلسلة من الدراسات التاريخية في حياة الأفراد والشعوب.

بيد أن هذا النمط الاجتماعي للحياة لم يخل من التراحم والتنازع لسيبين:

1) وجود الأقوياء والضعفاء في المجتمعات.

2) تعارض المصالح وتصادمها.

فكان لابد من وجود قانون ينظم العلاقات، ويرسم الحدود، ويحدد الحقوق والواجبات، ليعيش الجميع في سلام، ويصل الجميع الى حقوقهم الطبيعية في الحياة دون صراع.

غير أن وجود القانون وحده لم يكن كافياً وان كانت مزوداً بالبوليس والغرامة والسجن، بل لابد من وجود رادع نفساني.

وبعبارة أخرى: لا يكون وجود القانون مفيداً بمفرده إذا لم تكن معه قوة منفذة، بيد ان القوة المنفذة الظاهرية وحدها لم تكن كافية ايضا لضمان تنفيذ القانون اذ ان مثل هذه القوة يمكنها أن تضبط الجرائم والتخلفات المكشوفة اما التخلفات الخفية والآثام التي ترتكب في الخفاء فهي بحاجة الى رقابة باطنية وبوليس داخلي ليردع الأفراد عن الجريمة حتى بعيدا عن أعين الدولة وفي غياب من البوليس.

وليس هناك بوليس داخلي أفضل من العقيدة الدينية التي تتمثل في الايمان بالله واليوم الاخر ومخافة الحساب والعقاب، وخشية المؤاخذة والمجازاة فقد أثبتت العقيدة انها قادرة على ردع الأفراد في جميع الحالات وحفظهم من المعصية حتى في مواجهة أشد المغريات.

فهذا هو النبي العظيم يوسف الصديق (عليه‌ السلام) يتجنب المعصية وهو يواجه اغراء ليس فوقه اغراء في قصته مع زلیخا زوجة العزيز التي راودته، ولا يفعل ذلك الا خشية الله ومخافة منه اذ قال سبحانه واصفاً ما جرى ليوسف ـ عليه ‌السلام ـ:

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّـهِ﴾. (یوسف ـ 23)

ثم أن مثل هذا الايمان يفيض على القانون قداسة تحمل الناس على مراعاته اذا عرفوا بانه صادر عن الله الخالق العالم الحكيم والرب الكريم وبمثل هذا الاحساس وبالشعور بانهم يعيشون في حضرة ذي الجلال الذي يراهم ويراقبهم وبالخشية من حسابه وعقابه آن عصوه والطمع في ثوابه أن أطاعوه يحظى القانون بضمانات قوية لتنفيذه بحذافيره.

تلك أهم الاثار الروحية والاخلاقية والاجتماعية للعقيدة، وما هي الا قليل من كثير.

ثم ان هناك جهات أخرى نذكرها بايجاز لنعرف كيف أن العقيدة تتصل بصميم الحياة البشرية.

٦ ـ التكامل في جميع الحقول رهن الاعتقاد بالله

لم يزل الانسان منذ أن جاء الى هذه الحياة ينشد الكمال ويسعى اليه بخطى حثيثة، ويبحث عنه في كل زمان ومكان.

ان میل الانسان نحو الكمال یكاد یكون امراً مسلماً به ومتفقاً عليه عند الجميع بل ذهب البعض الى تعميمه على بقية الأحياء انما الاختلاف هو في تعيين الطريق الموصل إلى الكمال المطلوب، فلابد من معرفة هذا الطريق.

اننا اليوم أمام نهجين يجب أن نرى أيهما يبعث على الكمال ويهدي اليه بغض النظر عن صحته وعدمها. والمذهبان هما:

1 / المنهج المادي (الالحادي) الذي يرجع الكون الى الصدفة، وينكر وجود عالم آخر ينتظر الإنسان، وينكر أية هدفية لهذه الحياة.

2 / المنهج الديني الذي يرى ـ بأن للعالم خالقاً حكيماً ابدعه لحكمة وانشأه لهدف وأن هناك حياة أخرى عليه أن يهيئ نفسه لها عن طريق التربية، وانه لم يخلق سدی، وان حياته مستمرة بعد الموت، فلا صدفة ولا عبثية ولا فوضى ولا ضياع، بل رقابة وحساب، وثواب او عقاب، وجنة او نار، سعادة ابدية أو شقاء دائم في العالم الآخر.

ترى أيهما يدعو الى التحرك ويسوق الانسان نحو الكمال اللائق به الأول أم الثاني؟ الا يستحق هذا الأمر أن يدفعنا إلى البحث في هذين المذهبين لمعرفة الحقيقة؟

انه لاشك أن الرؤية الدينية هي التي تقود نحو الكمال، وحينئذ ألا يجدر بنا أن نبحث عنها، ونتدارسها، لنصل الى الكمال خلقيا كان أم فكريا أم اجتماعيا؟

وفي الختام نذكر القارئ بأن هناك جهة سابعة توجب البحث في قضايا العقيدة وهي أن المعرفة التي يدعيها المادي عن هذا الكون معرفة ناقصة لأنه يرى الكون وكأنه مصنف قدیم سقطت أوراقه الاولى والاخيرة، فهو لا يدري من خلق الكون كما لا يعرف شيئاً عن مصيره، ولكن صاحب العقيدة الدينية يعرف مبدأ الكون ومنتهاه بفضل ما اتاحت له العقيدة من معلومات مبرهنة ولذلك فهو يمتلك معرفة كاملة، أو انها أكمل من معرفة المادي على الاقل وهذه الجهة جديرة بأن تجعل دراسة العقيدة الدينية ذات أهمية بالغة اذ بسبها يحصل الانسان على معرفة اكمل، واشمل.

.....................................
(1) راجع الباب الحادي عشر للعلامة الحلي، شرح الفاضل المقداد.

اضف تعليق