ملفات - حوارات

حوار مع الشاعر الحسيني الرائد عودة ضاحي التميمي

القصيدة الحسينية تأريخ إبداعيّ وإنساني مشرق

في هذا الحوار سوف نقف عند قامة شعرية حسينية كربلائية عدّها نقاد ومؤرخون من رواد هذا الشكل الشعري بشقّيه الفصيح والشعبي، فالشاعر عودة ضاحي التميمي هو أحد رواد الشعر الحسيني الكربلائي العراقي وأحد صحفيي وأدباء كربلاء المقدسة الكبار، لقد أفنى عمره في خدمة القضية الحسينية من خلال قصائد تنضح بالعقائد الثابتة والإيمان الكامل، فسطر واقعة الطف بتصوير شعري لم يكن إلا عبارة عن كتلة من الإبداع المتفاني، فنرى في شعره الإيثار وفي شخصيته المحبة والنقاء، وقد جسد كل تلك القيم في قصائده الحسينية التي أنشدها كبار الرواديد، كما أن أديبنا اللامع قد وُلد مع جيل من الشعراء الحسينيين العظماء من أمثال الشاعر الحسيني الراحل (كاظم المنظور الكربلائي وعبد الحسين أبو شبع)، كما كان كثير اللقاء بالرواديد الكبار، مثل الرادود الحسيني الخالد حمزة الزغير، وملة وطن، وجاسم النويني، وغيرهم الكثير من خدّام الحسين العظماء الخالدين، وأيضا لشاعرنا حصة في الشعر الفصيح الحسيني، فكان على تواصل مع الشاعر الحسيني الرائد محمد زمان، والشاعر الراحل الكبير محمد علي الخفاجي، وهم من أعلام الشعر الحسيني الفصيح في مدينة كربلاء، وما أن تتأسس جمعية للشعراء والرواديد إلا ووجدنا الأستاذ عودة ضاحي التميمي من المؤسسين والقائمين عليها، فهو الذي قضى عمره في خدمة الحسين (ع) والقضية الحسينية وإيصالها دروسها وعبراتها للناس، إنه الصوت الشعري المتميز الذي حفر اسمه في تاريخ الشعر الحسيني بجدارة واكتمال.

(شبكة النبأ المعلوماتية) انتهزت فرصة اللقاء بالشاعر الحسيني الرائد عودة ضاحي التميمي وتوجهت له بمجموعة من الأسئلة، فكان هذا الحوار:

أجواء الحركة الشعرية في كربلاء المقدسة

س: ينظر لك النقاد والمؤرخون على أنك من رواد الشعر الحسيني، كيف تصف لنا أجواء الحركة الشعرية في كربلاء المقدسة آنذاك؟

ج: الحركة الثقافية عموما في تصاعد وتحدي واشتباك مع كل ما هو قبيح ومتخلف في السابق وفي الحاضر، أما الحركة الشعرية الحسينية في كربلاء فهي متنامية وخطوات الشعراء الشباب المبدعين متسارعة لخلق قصيدة حسينية مثقفة تتناسب مع المستجدات الثقافية المعاصرة.

س: من هم رواد الشعر الحسيني، وبماذا تميّز الحراك الشعري وهل انتقد الساسة في العهد الملكي وما تلاه؟

ج: لكل حقبة روادها ومبدعوها وفي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وما حدث من تطور هائل في بنية القصيدة الشعرية بشقيها الفصيح والشعبي، وهذا التطور شمل بشكل جدي القصيدة الحسينية بكل أشكالها الفصيحة والشعبية والمنبرية.

ومن رواد هذا التطور الشاعر المرحوم علي الحائري والمرحوم عباس أبو الطوس والمرحوم الشاعر الكبير محمد علي الخفاجي والشاعر المرحوم علي الفتال ومن الجيل السبعيني الشاعر الدكتور عبود جودي والدكتور خضير درويش والشاعر رضا الخفاجي والشاعر عبد الحسين خلف الدعمي. وحسن الفتال وغيرهم.

ومن الشعراء الشعبيين الشاعر المرحوم كاظم المنظور والمرحوم الشيخ عبد الكريم أبو محفوظ والمرحوم كاظم السلامي والمرحوم الشاعر إبراهيم الهنداوي والمرحوم الشاعر محمد على النصراوي أبو بسمان والمرحوم الشاعر مهدي الاموي والمرحوم سعيد الهر والشاعر المرحوم عزيز الكلكاوي والمرحوم عبد الزهرة أبو خمره وغيرهم الكثير.

ومن الشعراء السبعينيين الشاعر المرحوم جابر الهنداوي والشاعر المرحوم عادل السعيدي وسليم البياتي واحمد الطعان ومهدي الطعان وغيرهم، ومعظم هؤلاء الشعراء كانت قصائدهم تقف بالضد من ظلم الحكام.

الرادود الخالد حمزة الزغير

س: نعرف أنك عاصرت الشاعر كاظم المنظور، بماذا تميز هذا الشاعر الحسيني الكبير؟

ج: لقد رافقت هذا الشاعر العملاق المجدد ما يقارب العقد وكنت قريبا منه جدا وكنت أدون له قصائده... امتازت قصائد المنظور بالمواكبة والعصرية واستخدام الصور الشعرية الجميلة، كما انه كان يكتب بلغة المدينة اللغة التي يعرفها الخاص والعام، والاهم من هذا كان لا يكتب عن التاريخ بل كان يكتب في التاريخ، أي انه لم يقدم لنا الاحداث تاريخيا بشكل موزون مقفى، على انه شعر بل كان يتقصى التاريخ ويقتنص منه ما يضيف للحدث إبداعيا وهذا ما تجده في كل دواوينه.

س: كذلك أنت من معاصري الرادود الراحل (حمزة الزغير)، كيف كان تعاونكما في قصيدة العزاء الحسيني، وبماذا تميز حمزة الزغير رحمه الله؟

ج: نعم كنت قريبا من الرادود الكبير المرحوم حمزة الزغير، وفي بدايات تطوري تعاونت معه وقرأ لي قصيدتين ولكن من سوء حضي أخذتني مشاغل الحياة والعسكرية، وعند نضوجي الشعري انتقل الى رحمة الله...

من أهم شعراء القصيدة الحسينية

س: هل يمكن أن تلقي الضوء على أهم الشعراء الرواد الذين كتبوا القصيدة الحسينية؟

ج: الفترة التي وعيتها هي الفترة الستينية وكان من أهم الشعراء الحسينيين فيها، المرحوم الشاعر كاظم المنظور والمرحوم الشاعر كاظم السلامي والشاعر المرحوم عبد علي خاجي والمرحوم الشاعر جبار دبين والمرحوم الشاعر ستار الاعرجي والشاعر عبد الرسول الخفاجي والشاعر عادل السعيدي والشاعر المرحوم سامي الخفاجي والشاعر جابر الهنداوي، هؤلاء شعراء شعبيون،

أما شعراء الفصيح.. الشاعر المرحوم محمد علي الخفاجي والمرحوم باسم الحمداني والشاعر محمد زمان والشاعر رضا الخفاجي والشاعر عبد الحسين خلف الدعمي وغيرهم، ومن الجيل الذي تلا جيلهم الشاعر علاوي كاظم كشيش والشاعر مهدي السلامي، والشاعر محمد حمزة والشاعر نعمه الياسري وغيرهم.

س: أنت تكتب الشعر الشعبي الحسيني والفصيح منذ بواكير تجربتك الشعرية، إلى أي الشكلين تميل فنيّاً، ولماذا؟

ج: أنا كشاعر حسيني طبيعة اشتغالاتي في هذا المجال تفرض علي طرق عديدة للكتابة، منها الشعر المنبري وهذا النوع من الشعر هو بمجمله شعر شعبي وبعض من الشعر الفصيح، وهناك المناسبات الدينية وهذه تحتاج الة القصيدة الفصيحة العمودية لتصل الى المتلقي، أما الكتابات التأملية فأنا اكتب قصيدة التفعيلة والنص النثري فيها.

منافسة بين الشعري الحسيني الشعبي والفصيح

س: هل يستقبل الجمهور الحسيني الشعر الفصيح مثل استقباله للشعر الحسيني الشعبي ولماذا؟

- استقبال الجمهور للقصيدة الشعبية اكثر من استقبالهم للقصيدة الفصيحة، فالشعر الشعبي مفرداته صوره كلماته هي الأقرب لنفوس الناس البسطاء، ولكن هذا لا يعني مقاطعة الشعر الفصيح فهناك الكثير ممن يفضلون الفصيح على غيره ويتابعونه بشغف ويحرصون على حضور اماسيه ومهرجاناته.

س: كيف تصف لنا أجواء الحركة الشعرية الحسينية في كربلاء في ظل الأنظمة القمعية؟

ج: لأن الحسين وقف وقفته التاريخية ضد سلطة الظلم وانتصر للفقراء وللدين الحقيقي وللمبادئ السامية، ولم يهادن أحدا حتى ضحى بنفسه وآل بيته وأصحابه، ولأن صوته بقي يولد في نفوس الشعوب على مر العصور، فلذا أصبح اسمه مرعبا لكل الظالمين والفاسدين.

وعلى هذا الأساس حورب من يدعوا الى مبادئ الحسين الحقة والتمسك بشكل فاعل وحقيقي بشعاره الرائع (هيهات منا الذلة)، فما بالك بالشاعر الذي يكون الحسين قدوته فيما يكتب. فالشاعر هو المحرّض للوقوف بوجه الحكومات العميلة الفاسدة التي لا تراعي مصالح شعوبها، وعلى الرغم من كل المحاصرة السلطوية، كنا نكتب ونقرأ قصائدنا في البيوت بكل المناسبات الدينية ودفعنا ثمن ذلك كثيرا.

مضايقات السلطات الدكتاتورية

س: هل كنت تتعرض لمضايقات السلطة الدكتاتورية، وما هو أصعب وأخطر موقف تعرضت له؟

ج: كل الشعراء الحسينيين والوطنيين الشرفاء عانوا من سطوة السلطة ومضايقاتها...، أنا كنت أقيم يوما عاشورائيا في بيتي في الثالث عشر من محرم يبدأ من الصباح الى ما بعد منتصف الليل وكان يحضر هذا اليوم العاشورائي، معظم شعراء الفصيح والشعبي وكذلك الرواديد الحسينيون، ووالدك الأستاذ (علي حسين عبيد) كان من الحريصين على الحضور والمشاركة الشعرية فيه، وكنا نكلف أصدقاءنا من الذين يمتلكون سيارات كبيرة (تريلات) فيملأون الشارع بها ويشغلونها حتى لا يسمع من في الشارع صوت الشعراء، ومرة اقتحم الأمن البيت والعناية الربانية وببركة الإمام الحسين خرجنا منها سالمين. وهناك مواقف كثيرة أصبحت الآن من الطرائف.

س: في رأيك، من هو الشاعر الحسيني الذي يستحق الثناء من بين شعراء الجيل الجديد؟

ج: معظم الشعراء هم شعراء مبدعون شيوخا كانوا او شبابا لهم انجازاتهم المعروفة، ويستحقون التعريف بمنجزهم نقديا، ويستحقون الثناء حتى يواصلوا مسيرتهم الإبداعية.

س: هل هناك اختلاف في كتابة القصيدة الحسينية بين الأمس واليوم، ما هي أبرز نقاط التمايز بينهما؟

ج: حين تطور الشعر الحسيني في زمن الرواد، امتد هذا التطور ليومنا هذا، فهناك الكثير من المواضيع الوطنية والاجتماعية والسياسية دخلت على القصيدة الحسينية. كما أن اللغة تغيرت عما قبلها بعض الشيء، وكذلك الصور الشعرية الحديثة والمفردات الحديثة.. فالشعر الحسيني شأنه شأن كل أشكال الشعر ينزع جلده بين الحين والاخر ليواكب التطورات التي تطرأ على العصر.

ملحمة الطف حاضرة في الشعر الحسيني

س: كتبت عن الطف وكربلاء المقدسة، أي القصائد الحسينية الأقرب إليك ولماذا؟

ج: كثير من القصائد الحسينية التي كتبتها هي قريبة من نفسي، ولكن بعض القصائد لها ذكريات مؤلمة على قلبي، منها قصيدة منبرية شعبية كتبتها للقاسم اسمها يا حادي العيس ومطلعها:

(يا حادي العيس... وين العريس

هذا الياس وهاي الحنه وهاي الشمعات

جاسم عريس اتزفونه لو جاسم مات

يا حادي العيس ... وين العريس)

قرأها الرادود علي يوسف، هذه القصيدة كتبتها بعد أن فقدت أحد أبنائي وكان عمره بعمر القاسم، فكانت صورته واضحة في القصيدة.

س: بماذا تفسر استمرارية القصيدة الحسينية في ظل مضايقات ومطاردات الأجهزة الأمنية التابعة للأنظمة الدكتاتورية، كيف كنت تكتب هذا النوع من القصائد رغم التهديد السلطوي؟

ج: القصيدة الحسينية بدأت متحدية من بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وإلى يومنا هذا وكلما ازداد الضغط عليها استطالت رقبتها وتمسكت بـ (لاء) الحسين التي تمنحها القوة والثبات، والتمسك بالمبادئ والقيم الثورية والإنسانية لتقف في وجوه أعداء الجمال.. وأنا وغيري من الشعراء كنا نكتب قصائدنا ونقرأها في العديد من الأماكن التي تحيي ذكرى آل البيت ومنها القصائد المنبرية التي تُقرَأ من قبل الرواديد الحسينيين وتسجَّل على كاسيتات وتوزع داخل وخارج العراق.

س: لو طلبنا منك عقد مقارنة بين ظروف شعراء الأمس الحسينيين وبين شعراء اليوم، كيف تصف لنا الفرق بين ظروفكم وظروفهم؟

ج: الفرق بين الظروف السابقة والظروف الحالية كبير، كان الشاعر في السابق يكتب قصيدته بدم وريده، وكان معرضا للسجن او الموت في كل لحظة، أما الآن فالشاعر يكتب ما يشاء وينشر ما يشاء من دون خوف او حساب.

س: وأخيرا، هل تشعر أنك حققت هدفك في كتابة القصيدة الحسينية، أم أنك لا زلت تحلم بهدف (شعري/ حسيني)، لم تصل إليه بعد؟

ج: أنا منذ نصف قرن أكتب القصيدة الحسينية الشعبية ومنها، القصيدة المنبرية التي كانت وما زالت تُقرأ بأصوات الكثير من الرواديد داخل وخارج العراق. وكذلك القصائد الفصيحة التي بدأتُ أكتبها في نهاية الثمانينيات. إلا أنني أرى نفسي مقصّرا وللآن أحلم بأن اكتب القصيدة المتكاملة.

اضف تعليق