لكي نفهم المخاطر الاقتصادية لأزمة اللاجئين في اوربا، سننظر في مثال من مكان بعيد وهو جزيرة تونغو في جنوب المحيط الهادي. في عام 2006، رتّب البنك الدولي اتفاقا بين هذا البلد الفقير والصغير جدا ونيوزيلندا المجاورة. الاتفاق يقضي بان تلبّي تونغو حاجات نيوزيلاند من عمال قطف الفواكه وذلك بإرسال بعض مواطنيها لجارتها الغنية. نيوزيلاند من جهتها توفر الوظائف لأولئك المواطنين. الاتفاق ادّى الى زيادة في دخل عمال تونغو بمقدار العامل (10)، وهو التأثير الذي فاق الفوائد المحتملة من اي برنامج مساعدات محتمل. مع هذه القفزة في الدخل حصل تحسن في كل شيء في تونغو من نوعية العمال، الى البيوت الى أداء التلاميذ في المدارس، بينما لم يكلف البرنامج نيوزلندا اي شيء.

وكما في تونغو، كذلك في اوربا وفي العالم: حركة الناس عبر الحدود يمكن ان ترفع معدلات النمو اكثر مما تفعله الأشكال الاخرى للعولمة. تحرير التجارة مثلا يمكنه توسيع مخرجات الدول بنسبة مئوية قليلة من النقاط – مع انها هامة لكنها بالتأكيد لن تُحدث تغييراً. كذلك، تدفق رأس المال العالمي يمكنه من حيث المبدأ تحسين توزيع الادخارات العالمية لكنه ايضا قد يخطئ الهدف فيعمّق الازمات. اما هجرة الناس فهي عكس ذلك حيث يمكنها خلق زيادة هائلة في مستويات المعيشة. "المنافع المكتسبة من الغاء عوائق الهجرة تصل الى نسبة كبيرة من الناتج المحلي الاجمالي العالمي". يرى خبير التنمية مايكل كليمينتس بان منافع الهجرة تفوق المنافع المكتسبة من رفع جميع القيود على التدفق العالمي للبضائع ورأس المال.

اذا كانت المنافع من الهجرة بهذا الحجم الكبير، فلماذا يرفض القادة السياسيون استقبال القادمين الجدد؟ ان الجواب يكمن في توزيع هذه المكاسب، حيث ان حصة الاسد فيها تعود الى المهاجرين. اذا كان سائق التكسي من ليما (في بيرو) ينتقل الى نيويورك، مثلا، فان مهاراته ستبقى ثابتة بلا تغيير، لكن دخله سيزداد بشكل دراماتيكي. غير ان الآثار الاقتصادية لسائقي التاكسي على نيويورك ومواطنيها ليست واضحة تماما، كما ان تأثير المهنة الجديدة للمهاجر على اقتصاد بيرو هي ايضا يصعب تقييمها.

وبكلمة اخرى، توفر الهجرة ربحا واضحا لو نظرنا اليها من زاوية الرفاهية العالمية. لكن السياسيين يتحدثون من اجل المصالح الوطنية واحيانا المناطقية وليس من اجل شعوب العالم. ولهذا السبب يكافح القادة الاوربيون في الاستجابة للأزمة، التي لو اديرت بنجاح ستزيد وبشكل كبير الرفاهية الكلية للعالم.

مساهمات هامة

حاول الاقتصاديون فهم التأثيرات القومية والمناطقية للهجرة. فكانت الاستنتاجات من وجهة نظر الدول التي ينطلق منها المهاجرون مزدوجة، لكنها اكثر ايجابية مما يتصوره اغلب الناس. المهاجرون من الدول النامية يرسلون ما يقارب 440 بليون دولار من النقود سنويا لعوائلهم في بلدانهم، وهو ما يعادل ثلاث مرات حجم مساعدات التنمية الرسمية في العالم. كذلك، ان خسارة العمال المنتجين ربما هي اقل ضررا للبلدان الاصلية مما كان يُفترض دائما. عادة يُعلن، على سبيل المثال، ان الخدمات الصحية الافريقية عانت بشدة من رحيل الممرضات المدربات والاطباء من القارة. لكن الدول الافريقية ذات النزوح الخارجي الكبير للفيزيائيين كنسبة من السكان، مثل الجزائر وغانا وجنوب افريقيا، تميل لامتلاك اقل نسبة من وفيات الاطفال، وكما يبدو، يبقى فيها عدد يكفي من الممرضات والاطباء لمنع الانهيار.

وبالمثل، من السهل الشكوى بان الاقتصاد اليوناني المفلس اصابه الضرر كثيرا عبر استنزاف العقول المدربة من الشباب بعمر العشرين. لكن اليونان فيها نسبة بطالة حوالي 25%، وان اقتصادها لا ينتفع كثيرا من الشباب العاطلين عن العمل. المهاجرون، بكلمة اخرى، يميلون لمغادرة الاماكن التي تكون فيها الفرص الانتاجية قليلة، وحتى عندما يغادرون، يبقى في الخلف عدد كافي من العمال لسد الوظائف المتبقية. من الواضح، انه من الغريب معارضة تدفق السوريين الى اوربا بحجة الخسارة المفترضة للاقتصاد السوري.

موقف الدول المضيفة

بالنسبة للدول المتلقية للمهاجرين، يُعتبر الموقف من الهجرة اكثر ايجابيةً. مثال جيد على منافع المهاجرين للدول المضيفة يمكن العثور عليه في المملكة المتحدة – رغم حقيقة ان العديد من البريطانيين يمقتون المهاجرين. لكن على عكس الميثولوجيا الشائعة، المهاجرون الى المملكة المتحدة هم كمعدل افضل تعليما واكثر انتاجية واقل تحفظا في اداء الخدمات العامة قياسا بأبناء البلد الاصليين. تقريبا نصف قوة العمل المولودة في بريطانيا يتركون المدرسة في عمر الـ 16 سنة، بينما اقل من واحد الى خمسة من العمال المولودين في الخارج يتركون الدراسة مبكرا.

وعلى الجانب الاخر من القصة، هناك 46% من المهاجرين الجدد للملكة المتحدة في عام 2005 استمروا في التعليم حتى عمر 21 سنة او اكثر. فقط 16% من البريطانيين الاصليين كانوا متعلمين جيدا. في هذه الاثناء، هناك فقط اكثر من ثلث البريطانيين المقيمين هم اما صغار في السن او كبار جدا يتعذر عليهم العمل ودفع الضرائب، بينما غالبية المهاجرين هم في اوج سنوات الانتاجية. في لندن، هناك 37% من المقيمين هم من المولودين في الخارج، بينما يشكل المهاجرون 60% من قوة العمل في اجزاء من المدينة.

المهاجرون اذاً يشكلون سببا لزيادة المخرجات وخلق مساهمات صافية للتمويل العام في المملكة المتحدة. ولكن هل انهم يؤذون اصحاب المهارات من المواطنين الاصليين عبر تدفقهم الكثيف الى سوق العمل وتسببهم بخفض الاجور؟ لابد من الاشارة الى ان المهاجرين عادة يتنافسون على الوظائف القليلة المهارة رغم امتلاكهم شهادات علمية جيدة. لكن الدراسات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة كشفت بان المهاجرين ليس لهم تأثير كبير على خفض اجور العمال القليلي المهارة من المواطنين الاصليين. احد الاسباب هو ان المواطنين الاصليين قليلي المهارات يمكنهم التحول الى وظائف تمنح زيادات لأصحاب المهارة في اللغة الانجليزية، والتي لا يستطيع المهاجرون المنافسة فيها بقوة. سبب آخر هو ان العمال يتنافسون ليس فقط مع اشخاص وانما ايضا مع المكائن، لذا عندما يكتسح المهاجرون قوة العمل، فان الشركات ستنفق القليل من النقود على مكننة الانتاج وستوظّف المزيد من العمال. العرض من الوظائف سيرتفع لمجاراة العدد المتزايد من الباحثين عن عمل، وستبقى الاجور بشكل او بآخر بلا تغيير.

ان التأثير الايجابي للهجرة في دعم الاقتصادات المضيفة، يُواجه عادة بالتجاهل لأنه يصعب قياسه. وكما يرى الاقتصادي جوناثن بورتر، ان المهاجرين يجلبون معهم طرقا وافكارا جديدة، ويقدّمون فرصا للعمال من المواطنين الاصليين للتعلم والتكيف. هم يزيدون حدة المنافسة في البحث عن اعمال، ويحفزون المواطنين على اكتساب مهارات جديدة والبقاء في النظام التعليمي لفترة اطول. الدليل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة يشير الى ان المهاجرين يُحتمل جدا ان يسجلوا براءات اختراع اكثر مما يسجلهُ المواطنون الاصليون، والملفت اكثر، ان نجاح المهاجرين في هذا المجال يشجع المواطنين على تسجيل المزيد من براءات الاختراع ايضا. ان عملية إثراء وتنويع عرض العمل وتكثيف حوافز المنافسة، تعني ان الهجرة سترفع الانتاجية في عموم الاقتصادات المضيفة.

مكتسبات اللاجئين

من الصواب ان نشكك بمدى ملائمة هذا الاستنتاج في ازمة اوربا الحالية، لأن المهاجرين الاقتصاديين واللاجئين يختلفون عن بعضهما في مظاهر هامة. المهاجرون الاقتصاديون يأتون خصيصا للعمل ويتم استيعابهم من جانب الدول المضيفة بسبب الحاجة لمهاراتهم، لذا يُتوقع ان يساهموا بشكل كبير في اقتصاديات الدول المضيفة. بالمقابل، الدول التي تأخذ اللاجئين هي انما تقوم بذلك لتحقيق اهداف انسانية وليست اقتصادية. غير انه، رغم وجود هذه الاسباب للتشكيك بعبء اللاجئين على الاقتصاديات، لكن افضل دليل يشير الى انهم كما المهاجرين الاقتصاديين، يشكلون مكسبا للدول المضيفة – حتى لو ان الرأي المحلي لا ينظر اليهم دائما بهذه الطريقة.

لننظر في تجربة الدانيمارك منذ بداية التسعينات، حيث انها استقبلت لاجئين من دول مثل البوسنة والعراق والصومال، فارتفعت نسبة المهاجرين غير الاوربيين من السكان من 1.5% عام 1994 الى 4.7% عام 2008. المسؤولون عن برنامج اللاجئين هذا لم ينظروا باهتمام الى مهارات وتعليم المهاجرين ولا الى افضلياتهم في العمل. كما لم يأخذوا بالاعتبار فجوة المهارات في المناطق الدانماركية التي اقام فيها اللاجئون. بدلا من ذلك، هم اسكنوا الناس طبقا لوفرة السكن ولاحقا طبقا لأماكن تواجد اقاربهم. هناك حوالي خمسي القادمين الجدد يفتقرون الى التعليم ما بعد المتوسط، والقليل منهم يتحدث الدانيماركية، ومعظمهم جاؤوا من ثقافات بعيدة جدا عن شمال اوربا.

ولمعرفة اضرار اللاجئين على اقتصاديات البلدان المضيفة نأتي الى ورقة بحثية نُشرت عام 2013 لكل من Mette Foged من جامعة كوبنهاكن وGiovanni Peri من جامعة كاليفورنيا، ركزت على دراسة تأثير تدفق اللاجئين على احدى الجماعات الاكثر حساسية في الدانيمارك: وهي مجموعة العمال غير الماهرين من ابناء البلد الاصليين. الباحثان وجدا في دراستهما ان تدفق المهاجرين الى الدانيمارك ليس له تأثير سلبي على الاجور. بدلا من ذلك، حينما جاء اللاجئون، انتقل العمال القليلو المهارة المولودون في الدانمارك الى وظائف مختلفة، احيانا يستخدمون مقدرتهم على اللغة الدانيماركية ليميزوا انفسهم عن القادمين الجدد. والاكثر من ذلك، ان عدد الوظائف القليلة المهارة في الاقتصاد قد تزايد: وهو دليل على ان الانسان يمكنه احيانا استبدال الماكنة، على عكس ما متعارف عليه. وبسبب هذه التكيفات، فان اجور العمال الاصليين قليلي المهارة ومستقبلهم المهني اما تحسّن او بقي على حاله.

الدراسة الدانماركية هذه هي بشكل خاص مثيرة للدهشة لأنها تتجاهل رأي المعارضين للرؤية المتفائلة للتأثير الاقتصادي للهجرة، والتي تشير الى ان المهاجرين يؤذون العمال الاصليين بطرق غير مرئية للباحثين. الدراسات المبكرة من الولايات المتحدة ركزت على معرفة مدى تأثر اجور العمال من المواطنين الاصليين بحركة المهاجرين في مدن معينة، فوجدت ان اجور العمال غير الماهرين في اماكن الهجرة العالية ارتفعت بنفس سرعة اجور المناطق قليلة الهجرة. منتقدو تلك الدراسات، رفضوا فكرة احتمال انتقال المواطنين الذين عانوا من خسارة الوظائف الى اماكن اخرى وبالتالي اختفائهم من العينة. لكن العمال الدانماركيين الذين شملتهم الدراسة كانوا من عموم البلاد وليسوا محليين، لا يهم اين يذهبون حيث المعروف ان حركة العمال عموما تخضع لتقلبات العمل. النتيجة الايجابية من الدراسة الدانيماركية هي الاكثر قوة لأنها تصمد حتى في ظل هذا الاستبيان الشامل.

في ضوء هذه الدراسة، هل يمكن للاتحاد الاوربي ان يقبل اعدادا كبيرة من اللاجئين بدون دفع ثمن اقتصادي للقيام بهذا؟ بمعنى معين، الجواب نعم: تدفق اللاجئين لدى الدانيمارك بلغ 3% من نفوسها وهو يعادل 15 مليون لاجئ من مجموع سكان الاتحاد الاوربي البالغ 500 مليون شخص، وهو اكبر من اي رقم حالي تحت الدراسة.

يجب الاعتراف ان التراكم الحالي في الدانيمارك من اللاجئين حدث خلال اكثر من 14 سنة، لكن الموازي لهم في الاتحاد الاوربي لا يزال اكثر من مليون قادم كل سنة، وهو اكبر من التدفق الحالي المثير للخوف. ان عدد اللاجئين الحاليين القادمين هو غير واضح، لكن المفوض الاعلى في الامم المتحدة يؤكد ان هناك 437 آلف طلب لجوء في الاتحاد الاوربي خلال الاشهر السبعة الاولى من هذه السنة، هؤلاء سوف لن يُقبلوا جميعهم. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من جهتها، تقدر عدد الناس الذي سيتقدمون للجوء في الاتحاد الاوربي خلال سنة 2015 بمليون شخص، يُحتمل ان يُقبل منهم 450 آلف شخص. وفي ضوء الشيخوخة العالية في الاتحاد الاوربي فان تدفق الشباب من الاجانب سيكون ثروة عظيمة.

لكن اوربا تواجه حاليا ثلاث مشاكل مرعبة وهي البطالة العالية وضعف النمو وعدم مرونة سوق العمل. الدانيمارك والمملكة المتحدة والولايات المتحدة يشتركون نسبيا بقلة العوائق امام التوظيف والتسريح من العمل، وهو ما يسهّل حركة قوة العمل: اذا كان المهاجرون يتمتعون بمزايا نسبية في قطاع البناء او في خدمات التكسي، فان المواطنين الاصليين ينتقلون بسرعة الى الاعمال المكتبية واعمال البيع. لكن العديد من الدول الاوربية مثل ايطاليا وفرنسا تفتقر الى هذه القدرة من التكيف بسبب مجموعة من القواعد القانونية المقيدة للاستخدام. وبالتالي، تكون هذه الدول مجبرة للكفاح ضد التحول المفاجئ في تركيب قوة العمل لديها. ان تردد اوربا امام تحدي المهاجرين انما يعكس ضعفها الاقتصادي الكبير.

* Foreign Affairs, September 28, 2015

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1