قبل أكثر من ثلاث سنوات، أطلقت الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة لدفع قادة العالم إلى معالجة مشكلات مثل الفقر والجوع وتغير المناخ بحلول عام 2030. بدا ذلك مدعاة للإعجاب وأضحت أهداف التنمية المستدامة هذا اليوم إطارا ناجعا لمناقشة التنمية العالمية. كما أنها أنتجت دبوسا على شكل قوس قزح لافت يثبته المسؤولون الحكوميون وقادة الأعمال في الغالب على طية البدلة، بوصفه شعارا يشير إلى الفضيلة. "أهداف التنمية المستدامة هي خريطة طريق رائعة"، كما يقول بول بولمان، الرئيس التنفيذي السابق لشركة يونيليفر، بلهجة طابعها الحماس.

معوقات القطاع الخاص

ثمة معضلة واحدة كبيرة: المال. منذ إطلاق أهداف التنمية المستدامة، قدر البنك الدولي أن الأمر سيستغرق نحو أربعة تريليونات دولار من الاستثمارات السنوية لإنشاء البنية التحتية اللازمة لتحقيق الأهداف. وحددت هيئات الأمم المتحدة المختلفة مبلغا يراوح بين خمسة تريليونات دولار وسبعة تريليونات سنويا. مع ذلك، يعتقد البنك الدولي أيضا أن الحكومات الغربية لا تقدم سوى 150 مليار دولار سنويا من "المساعدات الإنمائية الخارجية" - أو المعونة. حتى لو تم إدراج التمويل المتعدد الأطراف من هيئات مثل البنك الدولي نفسه، فإن إجمالي المبلغ سيصل إلى نحو تريليون دولار فقط. بالتالي، السؤال الكبير هو: كيف يمكن للأمم المتحدة سد هذه الفجوة؟ في عصر دونالد ترمب، والشعبوية المتزايدة والدين المتصاعد، لن تسارع أي حكومة غربية لتكريس مزيد من ميزانيتها للمساعدة. لكن من دون كثير من السيولة، فإن أهداف التنمية المستدامة هذه مهددة بأن تكون ضربا من الزيف والمراء، أو بالأحرى طموحات وهمية لا تتحقق في الواقع المعيشي.

لذا، في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الأسبوع الماضي، كان بعض أطراف النخبة العالمية يتناقشون حول فكرة مدهشة لسد الفجوة: استخدام تريليونات الدولارات من الأموال الموجودة حاليا داخل صناديق التقاعد الغربية، ومجموعات التأمين، والأوقاف، ومكاتب العائلة لدعم المشاريع الاستثمارية التي تنتج عائدات وتدعم أهداف التنمية المستدامة.

بالنسبة إلى شخص ساخر متشائم، قد تبدو هذه الفكرة جيدة للغاية لدرجة يصعب تصديقها، أو أن تكون أكثر من مجرد خدعة غير مضرة بالعلاقات العامة حاكها نخبة "دافوس" الذين يواجهون ردة فعل عنيفة. على أي حال، التمويل عادة ما وضع الأعمال الخيرية في وعاء فكري مختلف عن أنواع الاستثمار التي تحقق عوائد.

تمويل القطاع الخاص للتنمية المستدامة

إن تمويل القطاع الخاص لأهداف التنمية المستدامة يمكن أن يحدث من خلال المؤسسات الاستثمارية المرموقة، بما في ذلك صناديق المعاشات وصناديق الثروة السيادية وشركات التأمين، والتي تمثل معاً تريليونات الدولارات من «رأس المال الصبور». إلا أن المؤسسات الاستثمارية حالياً لا تخصص سوى جزءٍ صغير من الأصول لما يسمى استثمار التأثير، بينما توجه مبالغ مالية ضخمة لعدد قليل نسبياً من الشركات العامة.

ومن ثمَّ، فإن مفتاح تحقيق أهداف التنمية المستدامة هو حثّ الشركات العامة، لا سيما الشركات الكبيرة التي تتلقى معظم الاستثمار المؤسسي، على أن تضع في الاعتبار العوامل البيئية والاجتماعية والإدارية المتعلقة بأهداف التنمية المستدامة عند اتخاذها لقراراتها. حيث إن هذا النهج يأخذ بعين الاعتبار الحاجة إلى تبني منظور طويل الأمد عند تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، حتى عند الاستجابة للحاجات الملحة. والأخبار السارة هي أن الاستثمار المستند إلى العوامل البيئية والاجتماعية والإدارية آخذ في الارتفاع بالفعل، حيث إن معظم المؤسسات الاستثمارية الكبرى تدمج، على الأقل إلى حد ما، العوامل البيئية والاجتماعية والإدارية في استراتيجياتها الاستثمارية. وقد ذكر الاستعراض العالمي للاستثمار المستدام لعام 2016 أن أصولاً قيمتها 22.89 تريليون دولار «قد جرت إدارتها باحترافية في إطار استراتيجيات الاستثمار المسؤول» على مستوى العالم، وهو ما يزيد على أصول عام 2014 بنسبة 25%. وبلغت قيمة مساهمة أوروبا منها 12 تريليون دولار، بينما بلغت مساهمة الولايات المتحدة 8.7 تريليون دولار، رغم أن أعلى نسب للنمو كانت في اليابان وأوقيانوسيا.

وباعتبار الوعي بالعوامل البيئية والاجتماعية والإدارية وسيلة للتقليل من حدة المخاطر بل ومصدراً للفرص السانحة، تسعى المؤسسات الاستثمارية إلى دمج هذا النهج في أنشطتها الأساسية. ولا شك أن هذا يبشر بالخير بالنسبة لأهداف التنمية المستدامة، إلا أنه لا تزال توجد تحديات مهمة ينبغي التغلب عليها، وأولها عدم الفهم الكافي للرابط بين المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية وأهداف التنمية المستدامة. فقلة فقط من المستثمرين حالياً يجعلون أهداف التنمية المستدامة أساساً لاستراتيجياتهم التي تركز على الاستدامة. لكن الوسيلة الوحيدة أمام الشركات والمستثمرين لتعزيز قيم أسهمهم والمساهمة في الوفاء بأهداف التنمية المستدامة هي أن يحرصوا على التركيز المسبق على المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية التي تعتبر جوهرية في الصناعة أو العمل التجاري وكذلك مفيدة لتعزيز أهداف التنمية المستدامة.

وفي ورقة بحثية نُشرت مؤخراً، وضع كلٌّ من جياني بيتي وكوستانزا كونسولاندي وروبرت ج. إكلس خريطة بالمسائل البيئية والاجتماعية والإدارية ذات الصلة التي حددها مجلس المعايير المحاسبية للاستدامة في 79 صناعة في 10 قطاعات، وتجمعها أهداف التنمية المستدامة. وستتمكن الشركات التي تستخدم هذا النوع من الخرائط من فهم وتحديد أهداف التنمية المستدامة التي ستسهم فيها، إلى المستويات المستهدفة، وذلك بحُسن الأداء في المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية المختارة. وبمراجعة بيانات أداء الشركات بشأن المعايير البيئية والاجتماعية والإدارية، يمكن للمستثمرين أن يروا كيف تسهم أموالهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وبناءً على تلك المعلومات، قد يقررون إعادة تخصيص مواردهم أو مشاركة الشركات ذات الأداء الأفضل.

بصراحة قد لاتبدو مشكلة التمويل والقضايا البيئية والاجتماعية هي العائق الوحيد امام ان يحقق القطاع الخاص اهداف التنمية المستدامة، فكما هو معروف فأن القطاع الخاص او السوق دائما مايفشل في ايجاد وتوفير السلع الاجتماعية او ذات النفع العام حتى وان توفرت بمقابل مادي، كونه يبحث في السلع ذات الربح السريع في حين ان السلع العامة تستهلك الكثير من الوقت ورؤوس الاموال فضلاً عن مشاكل تحويل وتنظيم عقودها مع الحكومات والخوف من التأميم او وضع اليد عليها. وبالتالي نعتقد ان القطاع الخاص لوحده قد لايكون قادر على تحقيق جميع الاهداف التنموية المستدامة وان توفرت له القاعدة والاجواء المناسبة لذلك، وأنه لابد من دور اشرافي او رقابي على عمل القطاع الخاص في تحقيق هذه الاهداف بالسرعة والجودة المطلوبة.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
القطاع الخاص يمثل الملكية الفردية
ومن ينشيء مشروعا خاصا يكون هدفه الربحية
أما التنمية بكل اشكالها فهي مهمة الجهات الحكومية
والحكومات كثيرا ما تنشيء مشروعات تخسر ماديا في سبيل اشباع حاجات اجتماعية
أحبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات... مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-02-04

مواضيع ذات صلة

4