إنسانيات - مجتمع

الخطوط الحمراء

تلاقح الأفكار والآراء تكسب العلم والحكمة والثقافة العالية والمتنوعة، واحد اسباب ازدهار الأمم، تبادل المعارف والحوارات والنقاشات التي تجري بحرية وتحترم الأطراف فيما بينها دون عنصرية او تعصب للرأي وتخلوا من الخطوط الحمراء، تغذي العقول وتنشط رغبة الانتقاء والبحث عن المعلومة الصحيحة.

امطرت ذاكرتي مراحل طرق وضع الخطوط الحمراء وتعصيب العقل وتحويله كجلمود صخرة لا يتبنى رأي ولا يفكر خارج الصندوق في مجتمعاتنا على مر السنين وبطرق مختلفة، وأنا أقرأ كلمة نائب رئيس جامعة (أكسفورد)، البروفيسورة لويز ريجاردسون، أمس الأول، وهي تحذر الجامعات من عدم دعم الحوارات والنقاشات المتنوعة بين الطلبة، داعية الى التنوع الأيديولوجي داخل الحرم الجامعي والى المزيد من تلاقح الآراء حول جميع القضايا التي تهم المجتمع دون استثناء، والى تهيئة الظرف والمناخ المناسبين لكي تنتعش مناقشة الأفكار والآراء بكل حرية ودون تمييز.

وضع النظام السابق خطوط حمراء على الرأي والرأي الأخر والويل ثم الويل لمن يتجاوزها فقد يصل صاحب كلمة انتقاد واحدة لحبل المشنقة فما بالك في الدخول بنقاشات وحوارات تتنقل بين حقوق الانسان والسياسة والحرية. وهذه الطريقة المرتبطة بمبادئ حكمهم حرمت المجتمع العراقي سنين طويلة من حرية الرأي والنقاش البناء الذي يحدد اهداف ويصنع حلول والحوار الواعي المستنير الذي يعلو فوق الانتماءات.

ثم سمحت او تسامحت بالرأي بحرية المجاميع التي نصبت نفسها اصحاب القرار العراقي بدعم من جهات كثيرة منها المواطن العراقي الغشيم والذي صدق اكاذيبهم المنمقة، وكتبت الصحف وتكلمت الفضائيات ولعن وتذمر المواطن على مواقع التواصل الاجتماعي بما يعجبه، ولكن لم يصنعوا عقول تجد حلول أو لم يجدوا حلول فعلية في عقولهم!، وكأن كل ما يقال (هواء في شبك)، لكثرة المتزلفين والمنتفعين والكاذبين والباحثين عن الشهرة على حساب القضية الوطنية، ولأنهم يقولون ما لا يفعلون لضعف ايمانهم بما يقولون، تعامل معهم اصحاب الجيوب المنتفخة كما يقول المثل الشعبي (اذن من طين وأذن من عجين)، وكأنهم متفقين على ان يستمروا بأعمالهم وسرقاتهم وفسادهم، وتباجحوا بالقول ان الكثير من الفاسدين يترأسون المناصب فماذا ستفعلون؟

وقبل العمل على الحوارات والاحاديث والملتقيات التي تعمل على صناعة رأي مستنير لكافة المستويات ومنها السياسي، اشعلت التكتلات المؤدلجة الفتنة والتفرقة والنعرات الطائفية واخذ التحريض اشكالا مختلفة صنعت عقول عنصرية في دينها ومذهبها وعرقها وقبيلتها وجنسيتها، تقولبت عقولهم واصيبوا بالفقر الثقافي والإجتماعي ورفض المختلف.

لقد عملوا على ايقاع العراقي في دهاليز الضياع كي يستمروا في نهبهم وسلطتهم، فالانسان يتعلم ويعمل عندما يعلم، وليس بغريب علينا تكاثر من اصبح مثل الببغاء يردد ما يسمع وما يقال له، وينسخ ويلصق في العالم الافتراضي دون تبين او تدبر او تفكر.

اصبح المواطن البسيط بعد كل ما مر به منهك ماديا ونفسيا، وبدلاً من الانشغال بالصعود على سلم التعليم وتطوير ذاته وتنمية مواهبه وإنشاء مشاريعه الخاصة ويتذوق النجاح يعيش في دوامة البطالة وتوفير لقمة العيش وإيجاد راتب يسد احتياجاته اليومية.

اذا كانت وظيفة العقل التفكير فقد قدمت في الوقت الراهن عقول كثيرة استقالتها من هذه الوظيفة او سمحوا لها بإجازة مفتوحة، وهم يأسون من فكرة تطوير ذاتهم والإسهام بنهضة فكرية حقيقية.

العراق لا يمكن أن يعيش في سلام ونهضة ووعي وعلم ومعرفة مع غياب النقاشات والحوارات الوطنية الحقيقة الهادفة التي تسعى لصناعة العقول، ودعم المشاريع الإنسانية التي تعمل من اجل التغيير، وإيجاد الحلول التنموية لتصحيح المسارات المخالفة وفرضها على الحكومة لتطبيقها.

اضف تعليق