إنسانيات - مجتمع

مقهى باريس

حين نفقد الأشياء البسيطة العادية سوف نعرف قيمتها الحقيقية، قال هذه الكلمات، وأضاف، ربَّ ضارة نافعة، إنه صديقي المهندس المعماري الذي جمع بين الأدب والهندسة وتفوَّق فيهما تفوّقا ملحوظا، رحلة الصداقة بيننا باتت تناهز الأربعين عاماً، في بدايتها جمع بيننا الأدب، كنّا لا نفارق بعضنا خاصة في الأمسيات الشعرية والنشاطات الأدبية والفكرية، وكانت لنا رحلة أسبوعية إلى العاصمة، نجوب فيها المواقع ذات الصلة بالثقافة والفنون والفكر.

بدأ صديقي الشاعر المهندس رحلته مع الهندسة طالبا في الجامعة التكنولوجية، واشتهر في هذا المحفل العلمي شاعرا وليس مهندسا، حتى لقّبهُ الطلاب والأساتذة بشاعر الجامعة، وحين أنهى دراسته الأكاديمية، برع في النشاط الهندسي مديرا للعديد من الدوائر الهندسية المهمة، بموازاة ذلك كانت قامته الأدبية تنمو، تتميز، وتبهر القراء والأوساط الثقافية، والسؤال الذي دائما يتكرر عليه، كيف جمعت بين هاتين الموهبتين المتناقضتين، العلم والأدب، الهندسة والشعر.

حين قاربت علاقة الصداقة بيننا الأربعين، التقينا بعد فراق متقطّع بيننا، وصار الاتفاق أن لا نفترق بعد الآن، لاسيما أننا نكاد نصل نهاية الشوط، وتم الاتفاق على أن نلتقي كلّ خميس في (مقهى باريس)، وحدث اللقاء الأول، اسم المقهى له بريق مدهش، وتصميمه مدهش أيضا، المقاعد من طراز حديث والطاولات مرصعة بما يشبه اللؤلؤ، أهم اللوحات العالمية لمشاهير الرسم تتوزع الجدران من حولنا، الأجواء ملوَّنة بالهدوء، حتى الندَّل كانوا دقيقين في تقديم الخدمات.

نظرتُ في وجه صديقي، لقد تغيّر كثيرا، الشيب صبغ شعر رأسه وهكذا فعل معي، لكنّ عينيه لا تزالان تبرقان بذكائه المتوقّد رغم هدوئه، قلتُ له:

- حسنا فعلنا أننا اتفقنا على اللقاء الدوري في مقهى باريس.

قال بشيء من الغبطة:

- يا أخي تكاد العزلة تقتلني، أعظم هدية قدمتها لي أنك اقترحت أن نلتقي أسبوعياً هنا.

كنتُ أظن أنني الوحيد الذي أعاني من العزلة، ولم يخطر في بالي أن صديقي المهندس البارع، المشغول دائما بالخرائط أو التصاميم الهندسية، لن يجد له وقتا أو فرصة لكتابة قصيدة، لكنه تبيّن أنه يعاني مثلي من عزلة محكمة.

في جلستنا الأولى استذكرنا السنوات الأولى من علاقتنا الأدبية الفكرية، كنّا نخصص يوما من كل أسبوع كي نسافر إلى المحافل الأدبية والفنية، وكانت هناك طقوس خاصة ترافق سفرتنا، نفسها تتكرر في كل أسبوع، منها حين نهبط في باب المعظم، ندخل محل بيع الكاهي الشهير، نتناول وجبتنا بشهية، ثم ننطلق إلى مقهى حسن عجمي لنلتقي أصدقاءنا الكتاب والأدباء هناك، ومنها نمضي إلى مقهى الشابندر، نمضي وقتا طيّبا في شارع المتنبي وبين مكتباته ونبحث عن الكتب الممنوعة والحديثة، ثم نمر بمقهى البرازيلية والبرلمان، وفي الطريق تفاجئنا الشورجة بأسواقها وعطورها وكل جديد فيها، نقضي وقتا ممتعا ثم ننطلق إلى قاعة حوار حيث المعارض التشكيلية والأجواء الثقافية الباهرة، بعدها ننطلق إلى غاليري الأروفلي، ثم إلى المسرح الوطني لنحط رحالنا في قاعة إتحاد الأدباء وإحدى أمسياته الغنية بكل جديد من النقد والسرد والأشعار.

كانت تفاصيل يومية نعيشها بشكل معتاد، ومضت بنا السنوات، وفرّقتنا، وجمعتنا، هو أصدر عدة كتب في العراق وخارجه، وأنا كنتُ في ذروة نشاطي الكتابي الأدبي في مدينتي وفي العاصمة، كل شيء كان يمر بنا دون أن نشعر بقيمته الحقيقية، فحين يكون الشيء مباحا لك لن تعرف قيمته، لكنك حين تفقده لأي سبب كان سوف تعطيه مكانته وقيمته التي يستحقها، والمؤسف أننا غالبا ما نقدّر قيمة الأشياء بعد فوات الأوان، ربما هذه علّة أو نقطة ضعف يعاني منها جميع الناس!؟

ومن المفارقات الغريبة أن قانون العرض والطلب (وهو قانون اقتصادي)، يمكن أن ينطبق على الأشياء التي نعيشها بشكل معتاد، فحين يكون الشيء (أي شيء) في متناول يدك، قد تملّهُ وتستصغر قيمته وتنظر له بتعالٍ وسأم، لكن حتى أرخص الأشياء حين تشحّ، أو تغيب عنك وتصبح بعيدة وليس بمقدورك الحصول عليها، فإنك سوف تطلبها بإلحاح وتبحث عنها وتتحول من شيء مستصغَر إلى مهم ومطلوب، وقد لا تحصل عليه رغم بحثك الحثيث عنه؟!!

قال صديقي هذه الكلمات لي ونحنُ نعيش لذّة اللقاء الثاني في مقهى باريس، وأكدّ لي سعادته بأننا عُدنا بعد عشرات السنين لنلتقي في كل أسبوع، وعرض لي ما حققه طيلة سنوات عمره الهندسي والأدبي، وعرضتُ عليه ما حققتهُ في حياتي الكتابية وحتى الاجتماعية، كان صديقي سعيدا وهو يتطلع إلى وجهي، قال لي في نبرة مزاح (لقد أكلت وجهك التجاعيد، وخفتَ بريق عينيك العميقتين)، ولم يستثنِ صديقي نفسه من قوانين العمر، فهذه العلامات ظهرت على وجهه أيضا، لكنني أخبرته بأنه لا يزال حيويا نظِراً وفي عينيه يشعّ بريق الذكاء؟!!

لم نستطع أن نحقق اللقاء الثالث في (مقهى باريس)، لقد بدأت جائحة كورونا، وتم غلق جميع المقاهي والكوفي شوبات والكازينوهات والمطاعم بأنواعها، وتم إصدار سلسلة من الممنوعات المتوالية لاسيما التجمعات بمختلف أشكالها وأسبابها، وها نحن نقضي شهورا متوالية في عزلة إجبارية لم نكن نتوقعها، وبدأنا نشتاقُ ونحنُّ إلى كل التفاصيل اليومية العاديّة التي كنّا نضجرُ منها حين كانت متاحة لنا، لقد حُرمنا من أبسط هذه التفاصيل وباتت قيمتها عالية عندنا جميعا، فهل ستبقى قيمتها كذلك بعد رحيل كورونا؟؟!، هل سينسى الناس هذا الدرس البليغ؟؟

ونحن في ذروة جائحة كورونا اتصلتُ بصديقي المهندس الأديب وطلبتُ منهُ أن نلتقي في مقهى باريس مجدّدا، ناسيا أو متناسيا إغلاقها قسراً، فأجابني باقتضاب:

لقد أُغلِقتْ باريس الفرنسية الأصلية بسبب كورونا، فهل تتوقع أن باريسنا مفتوحة؟؟!

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1