من طبائع الإنسان التكوينية، رغبته الشديدة بأن يكون مصدر اهتمام الآخرين، وهناك أسباب خَلْقية تدفعه بهذا الاتجاه، حتى يُشبع غروره الذاتي، ويشعر مع نفسه بأنه متميز، ومختلف عن الآخرين من ناحية التفوّق، لكن الاهتمام هو شعور أو موقف أو فعل متبادَل، وغالباً ما يأتي كنتيجة أو رد فعل لما يبديه الإنسان من اهتمام بالآخرين.

وفسّر علماء النفس الاهتمام، بأنه اتجاه نفسيّ إلى تركيز الانتباه حول موضوع معيّن، ومصدره اهتمَّ، يهتم اهتماما بشيء أو أمر ما، ويقال في اللغة له اهتمامات فنية، أي أن تركيزه منصبّ على الموضوعات الفنية، ويقال يقع في دائرة اهتمامه، ويستخدم مصطلح إثارة الاهتمام أو إثارة المرء بفكرة ما، بحيث يرغب في التعرُّف على دقائقها، وبناء صورة معرفية بشأنها، ويقال في اللغة أيضا، اهتمَّ فلانٌ بالفقراء واليتامى، أي انشغل بأمرهم واعتنى بهم.

ونقيضه عدم الاهتمام الذي يعني نسيان الشخص وتجاهله وعدم السؤال عنه أو معرفة أخباره، إذ يعدّ أمراً مزعجاً عندما يأتي الإهمال والنسيان والتجاهل من الذين نحبهم، فإذا لم انتفَ الاهتمام ينتفي الحب من الأساس، والحب هو الاهتمام في كل تفاصيل حياتنا الصغيرة والكبيرة منها، وفي حال عدم اهتمامك بالآخر عليك أن لا تتوقع بأنه سيعبأ بك أو ينشغل بأمرك، فالاهتمام بلا مقابل يعني التملق، ويدل على أن من يهتم بك من دون أن تهتم به أن هناك مصلحة له عندك، لذلك يبقى هذا النوع من الاهتمام مزيّفا ووقتياً وغير نابع منبع الصدق والأصالة.

ماذا وراء الاهتمام المفاجئ؟

(الاهتمام المفاجئ غالباً خلفه طلب) هكذا يقول أحد المهتمين بهذه الحالة النفسية الأخلاقية السلوكية، ويضيف، (يخجلني اهتمام شخص لم أصنع له يوماً معروفاً ويؤلمني نكران شخص أشعلت له أصابع يدي شموعاً، ولم يكن يستحق ذلك)، فمن يهتمّ بك بإفراط مفاجئ سوف يحرجك فعلا، لأنك تحتاج إلى المشاعر والمواقع الطبيعية المعتدلة، وكل زيادة ستجعلك في حالة إرباك، وتدفع بك للتساؤل عن هذا الاهتمام الكبير المباغت، على نقيض ذلك حين تأبه للآخر ولا يقدّم المثل لك، فهذا بالطبع يتسبب بآلام نفسية قد لا تزول إلا بعد وقت طويل!.

هناك أسباب تمنع الإنسان عن إبداء الاهتمام بالآخرين، جلّها نابعة من خلل نفسي يحبط الفعل أو الموقف الجيد تجاه الآخرين، من بينها مرض الأنانية الذي يصيب النفوس الهزيلة، ويجعلها في حالة تعالٍ ونرجسية عقيمة، قائمة على فراغ أخلاقي ونفسي.

ليس من شيمة الشخصية المعتدلة المتّزنة، أن تهمل الآخرين وتتنكر لمشاعرهم، وتتعالى على مواساتهم في الأحداث المؤسفة الجسيمة أو مشاركتهم الوقائع السعيدة، مثل هذا الإنسان لا يتوقّع أن يحصل على اهتمام الناس إلا إذا كان ذلك تملّقا تختبئ خلفه مصلحة عاجلة ومهمة للمتملق.

وسبب آخر بحسب المختصين يقف وراء تجاهل أحدهم للآخرين، هو محاولة جلب الانتباه، ولا ندري هل يتحقق الاهتمام مقابل التجاهل؟، فهذا المبدأ أو السلوك يثير الاستغراب حقاً وينمّ عن خلل في من يلجأ إليه، إذ كيف لإنسان تتجاهله سيعبأ بك؟، هذا التوقّع يخالف المنطق إلا إذا كان التعامل (التجاهل) يُتَّخَذ تجاه أناس ناقصي التفكير والعقل، لذا يتم تفنيد هذا الرأي ولا يصلح أن يكون قاعدة في سلوكنا إزاء الآخرين.

وقد تكمن وراء أسلوب عدم الاهتمام، ثقافة مجتمعية، تعمّقها بيئة مريضة، وهذا ما يجب الانتباه له، فالتنشئة الصحيحة والبيئة السليمة ستحدّ من مثل هذه الثقافة السلوكية أو الفكرية المنحرفة.

بادر ولا تتجاهل الآخرين

ماذا نستنتج مما مرّ من كلام؟، وهل توجد مبررات مقنعة كي نلجأ إلى تجاهل الآخرين؟، إنه مرض نفسيّ مؤذٍ، لا يمكن أن نتركه كي يرسخ في تفكير وسلوك الفرد والمجتمع، كونه يرتكز أساساً إلى عُقَد نفسية وعلامات نرجسية وأنانية، لا يجب أن تستمر وتتوسع وتمتد إلى نفوس أطفالنا، فنكون قد أسأنا توجيههم وتعليمهم وضبط سلوكهم الأخلاقي الذي يقوم على رفض الاهتمام بالآخرين.

بالتالي ستتبلور دوّامة من الأفعال المريضة في إطار الفعل ورد الفعل الخاطئ، والغريب أنّ هناك من يضع احتمالا بأن (تجاهل الآخرين لك قد يكون نوعاً من أنواع لفت انتباهك إليهم، فالبعض يظنون أنّ التجاهل وعدم الاهتمام، من طرق التعبير عن الحب وجذب النظر!).

ماذا يمكن أن نتوقع في حال رسخ هذا النوع السلوكي، بين أفراد المجتمع، أو حتى الأسرة ودائرة العمل وسواها؟، وكيف لنا حماية المستقبل الأخلاقي لمجتمعنا وأجيالنا، من الأخطار النفسية لهذا السلوك المشوّه؟، في حال استمر تجاهلنا للآخرين لأي سبب كان، أناني أو نرجسي أو سواه، فإن علينا أن نتهيّأ من عدم الاهتمام بنا، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هذا السلوك والتفكير المريض سوف يتضاعف ويتخذ الشكل الأخطبوطي، ويتمدّد ليصبح مشكلة أخلاقية سلوكية سنعاني من تبعاتها كثيرا.

هذا يعني أننا جميعاً، بالأخص الجهات والشخصيات الفكرية والدينية والثقافية، وكل من هو معني بحماية وتشذيب السلوك المجتمعي، ملزمون بالتصدي العلمي المدروس لهذا المرض، الذي قد يصبح مستعصيا مع قابل الأيام والسنوات، ولا طريق أمامنا غير نشر وتمرير النصائح السليم عبر المدارس بمراحلها، والعائلات عبر الإعلام والندوات.

مع تثبيت الأهمية القصوى لدور أطباء النفس في شرح أبعاد عدم الاهتمام بالآخرين والتحذير من نتائجها الوخيمة على من يترّفع عن الاهتمام بمن يستحق الاهتمام، بل حتى من لا يستحق، علينا أن نشعره بذلك حتى يندمج مع أخلاقيات المجتمع في منظومة متقنة لا تشوبها منقصة أو علّة أخلاقية أو سلوكية.

الإجابة بشكل مباشر عن سؤال المقال، سوف يهتم بك الآخرون حين تهتم بمشاعرهم وأعمالهم وكل ما يظهرونه لك من إنجازات، كبيرها وصغير، وليكن ديدنك أو شعارك الأبدي، باشر اهتمامك بالآخر، أنت أولا، ولا تنتظر حتى يهتم بك الآخرون، هكذا ستكون النتائج باهرة ومفاجئة لك. 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2