التفكير نشاط عقلي تميز به الكائن البشري عن غيره من المخلوقات، وهو السبب في ارتقائه إلى درجات جعلته سيداً للكائنات الأخرى بسبب قصورها في التفكير أو عجزها الكلي عن مزاولته، والتفكير بحسب مختصين هو مجمل الأشكال والعمليات الذهنية التي يؤديها عقل الإنسان، والتي تمكنه من نمذجة العالم الذي يعيش فيه، وبالتالي تمكنه من التعامل معه بفعالية أكبر لتحقيق أهدافه وخططه ورغباته وغاياته، وهو إعمال العقل في مشكلة للتوصل إلى حلها، وبتعبير آخر التفكير هو (إجراء عمليّة عقليّة في المعلومات الحاضرة لأجل الوصول إلى النتائج المطلوبة) وبتعبير آخر أدق هو (حركة العقل بين المعلوم والمجهول)، ويمكن القول بأنه التصور الإجمالي والتفصيلي لواقع ما من حيث كنهه وعوامل تكوينه ومآلاته وطرق تحسينه وعلاج آفاته.

توجد أنواع ودرجات للتفكير، فهنالك العميق والسطحي وما بينهما المتوسط، يرجع هذا إلى طبيعة عقل الإنسان التي في الأعم الأغلب تتعلق بالمرحلة العمرية مع وجود نوادر، فهناك أطفال بأعمار لا تزال صغيرة نبغوا في الرياضات والعلوم الأخرى حتى الإنسانية منها كقيام طفل بعمر خمس سنوات بحفظ القرآن الكريم كله ظهرا عن قلب ومعرفته بأماكن وجود الآيات القرآنية حسب أرقام الصفحات، وغير ذلك مما يدل على نبوغ عقل هذا الإنسان أو ذاك في الذكاء وطرائق التفكير.

كلامنا في هذا المقال عن التفكير الغاضب، لماذا يحدث وما الأسباب التي تدفع بالعقل أو الإنسان إلى التفكير بهذه الطريقة الغاضبة أو تلك، ثم تترتب على هذا النوع من التفكير نتائج سوف نتعرّف عليها لاحقاً، ومن أمثلة التفكير الغاضب أنك تذهب بعيدا في سخطك ونقمتك على شخص أو جماعة، وتبدأ في عملية تفكير تسعى لإلحاق أشد الصفات السيئة بهم.

يرافق ذلك نوع من التخيّل - الذي قد يكون لا أساس له في الواقع- يشوّه صورة الآخر ويلصق به صفات وخصال وربما أفعال لم يرتكبها أصلا، كل ذلك يأتي كنتيجة محسومة بسبب التفكير الغاضب، وقد قيل عن الغضب بأنه انفعال وقيل هو تغير يحصل عند غليان دم القلب؛ ليحصل عنه التشفي للصدر، ويشمل التأثير الجسدي للغضب زيادة في معدل ضربات القلب وضغط الدم، ومستويات الادرينالين والنورادرينالين، بعضهم وضّح الغضب كجزء من شجار أو حركة استجابة سريعة من المخ لتهديد محتمل من الضرر، ويصبح الغضب الشعور السائد سلوكيا، ذهنيا، وفسيولوجيا عندما يأخذ الشخص الاختيار الواعي لاتخاذ إجراءات على الفور من شأنها وقف السلوك التهديدي من قوة أخرى خارجية، والتعبير الخارجي عن الغضب يمكن العثور عليه في تعبيرات الوجه، ولغة الجسد، والاستجابات الفسيولوجية، وأحيانا في الأفعال العامة من الاعتداء.

من الأسباب المعروفة للغضب، البيئة الاجتماعية وحتى الطبيعة، وطريقة التنشئة الأسرية والمدرسية، فما يبدر من أفعال وأقوال متشنجة يمكن أن ينتقل من فرد إلى آخر في العائلة ومن أسرة إلى أخرى، ويمكن أن يميز جماعة عن غيرها، وحتى مجتمع عن سواه، فقد عُرف عن العراقيين مثلا سرعة غضبهم وديمومة توترهم وسخطهم غير المبرر في أحايين متفرقة، كل هذا ما هو إلا انعكاس للبيئة الاجتماعية وقد يكون للوراثة دورها أيضا.

للثقافة والقيم السائدة وطبيعة التحاور المتبادَل دوره في جعل التفكير الغاضب إحدى الظواهر التي تفرّق هذا المجتمع عن سواه، فهناك نوع من الثقافات ربما تنظر إلى الغضب على أنه دافع لصيانة الحقوق وحماية المنجزات باختلاف أنواعها، بل يوجد مفكرون كانوا ولا زالوا يؤمنون بأن الغضب هو طريق مضمون للوصول إلى نتائج مقبولة وسريعة، على خلاف ثقافات وأخلاقيات أخرى ترى العكس تماما.

ما هي نتائج التفكير الغاضب؟، سؤال يطرح نفسه علينا جميعا، خصوصا مَنْ يحترف التفكير والتدوين كالمفكرين والكتاب والمثقفين بوجه عام، إن النتائج متباينة، فبعضهم يرى أنها ستعود بما هو صالح جيد فيما يرى آخرون أنها لا يمكن أن تصب في صالح أحد لا الفرد ولا الجماعة، لأن الغضب شعور يدفع الإنسان إلى التهوّر ما يجعله متسرّعا في اتخاذ قراراته التي قد تعود عليه بالضرر على عكس ما يبتغي أو يتوقع، لذلك حذرت معظم الأديان والعلماء والخطباء من أن يتلبس الإنسان الغضب، لكن هذا لا يعني أن نصمت على سلب حقوقنا مثالا لذا قيل (احذر غضبة الحليم) التي غالبا ما تأتي بعد أن يطفح الكيل.

التفكير الغاضب لا يحصل من فراغ، فهو محصلة لنوعين من الأسباب الرئيسة، الأولى قوة الضغط الفكري والسلوكي الذي يتم تسليطه على (الغاضب)، والثاني الطبيعة الفكرية والعقلية والثقافية للغاضب نفسه، هذه الأسباب الرئيسة يمكن أن تتآزر مع بعضها لتدفع نحو التفكير الغاضب، ومع ذلك من الأهمية بمكان أن يظل الإنسان المفكّر في منأى عن التأثيرات التي يتم تسليطها عليها كي تدفع به إلى التفكير الغاضب، لذلك نلاحظ أن المرجع الديني السيد صادق الشيرازي يحذَر من الغضب بشكل دائم، خصوصا بالنسبة للشباب.

هل هناك سبل تساعد على تجنب هذا النوع من التفكير؟ ما هي الخطوات المساعدة على ذلك:

- العودة إلى إرثنا في الثقافة والقيم التي تنبذ الغضب وتحذّر الإنسان من أن يركبهُ الغضب.

- السعي المستمر لخلق بيئة اجتماعية وطبيعية تساعد الفرد والمجتمع على التوازن والابتعاد عن التفكير الغاضب.

- الامتثال إلى الأفكار الخلاقة التي تحث الجميع على عدم الظن السيّئ بالآخرين.

- لا تنظر للآخر على أنه مصدر تهديد لك ولمصالحك إلا في حال ثبوت ذلك بالدلائل القاطعة، وحتى في حال ثبت ذلك، فليكنْ الحوار والعقلانية سبيلك إلى الحل المعتدل.

- ليكن تفكيرك طوع مبادئك وما تؤمن به.

- لنسعَ جميعا، العلماء والمفكرون، والمثقفون إلى خلق بيئة ثقافية فكرية اجتماعية منتجة للتفكير العقلاني المعتد والمتوازن بعيدا عن الغضب بكل أنواعه.

بهذه الأفكار والقيم والسلوكيات يمكن أن ندحض الغضب ونخفف من غلوائه، وبالنتيجة نستطيع أن نخلق بيئة اجتماعية عميقة هادئة متوازنة، تدعم وسائل التفكير وتنوِّع مصادره وأشكاله، وفي نفس الوقت تحميه من الانحراف أو الميل نحو حافات الغضب الذي لن سُسهم في تطوّر الفرد والمجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0