مصطلح «الدكتاتورية» في الاستخدام الحديث الذي يعني النظام الحكومي الذي يتولى فيه شخصٌ واحدٌ جميعَ السلطات (وفي الأعم الأغلب بطريقةٍ غير مشروعة) ويُملي أوامره وقراراته السياسية، ولا يكون أمام بقية المواطنين سوى الخضوع والطاعة، هذا المصطلح لا يكاد يتميَّز عن مصطلح الاستبداد، وكما قيل إنه يمكن أن يكون...
بقلم: د. إمام عبد الفتاح إمام
أفراد هذه العائلة «غير الكريمة» كثيرون؛ إذ يبدو أنها هي التي حكَمَت فترةً طويلة من التاريخ، وتُعطينا كتب التاريخ العظيمة انطباعًا أن عدد «الطغاة» و«المستبدين»، يفوق بشكلٍ هائل عدد الحكام الخيِّرين أو الصالحين، ومعنى ذلك كله أن البشرية لم تستطع أن تصل إلى الحكم الديمقراطي إلا بعد كفاحٍ مرير، أما الأنظمة اللاديمقراطية المسماة «بعائلة الطغيان» فهي تشمل عددًا كبيرًا من الأنظمة السياسية التي تتفق في أصولٍ وتختلف في فروعٍ ضئيلة القيمة، ومن هذه الأنظمة: الطغيان، الدكتاتورية، الاستبداد، السلطة المطلقة، الشمولية، الأوتوقراطية … إلخ، وسوف نحاول أن نشرحها في إيجاز. أولًا: الطغيان.. ثانيًا: الاستبداد...
ثالثًا: الدكتاتورية Dictatorship
مصطلح «الدكتاتور Dictator» روماني الأصل، فقد ظهر لأول مرةٍ في عصر الجمهورية الرومانية، كمنصب لحاكم يرشحه أحد القنصلَين بتزكيةٍ من مجلس الشيوخ، ويتمتع هذا الحاكم بسلطاتٍ استثنائية، وتخضع له الدولة، والقوات المسلحة بكاملها في أوقات الأزمات المدنية أو العسكرية، ولفترةٍ محدودة لا تزيد عادة على ستة أشهر أو سنة على أكثر تقدير، ولقد كان ذلك إجراءً دستوريًّا، وإن كان يؤدي إلى وقف العمل بالدستور مؤقتًا في فترات الطوارئ البالغة الخطورة، وهناك أمران لا بد أن ننتبه إليهما بوضوح؛ الأول أن هذا المنصب بمفهومه الروماني يختلف اختلافًا تامًّا عن مفهوم «الدكتاتور» في العصر الحديث، وأقرب مثلٍ عندنا الآن يُقرِّبنا من وظيفة الدكتاتور الروماني، هي وظيفة «الحاكم العسكري العام» الذي يعيِّن في أوقاتٍ عصيبة تمُر بها البلاد لاتخاذ إجراءاتٍ سريعة وحاسمة، ولفترةٍ محدَّدة فقط.
أما الأمر الثاني، فهو أن طبيعة نظام دولة المدينة في روما كانت تقتضي اتخاذ مثل هذه التدابير الاستثنائية؛ لأن هذا النظام لم يكن يساعد على مواجهة الطوارئ المفاجئة؛ كالغزوات، والكوارث، والمؤامرات … إلخ، فالسلطة موزَّعة بين قنصلَين متساويَين، ومجموعة من الموظفين، ومجلس شيوخ، وثلاثة أنواع من المجالس العامة؛ ولذلك نصَّ الدستور منذ أن وُضِع على أن يكونَ للحكومة الحقُّ في أوقات الطوارئ أن تُوقِفَ سلطات كل هؤلاء الحكام، وأن تسلِّم الحكم لشخصٍ واحد، جرت العادة أن يكون قائدًا عسكريًّا، «فيصبح هذا القائد الدكتاتور، القيِّم على الدولة وقت الأزمة، وتنتهي سلطتُه الاستثنائية بانتهاء الأزمة، ويؤدِّي عندئذٍ الحسابَ عما قام به …».
ولقد كان «الدكتاتور» يُختار في جميع الحالات -إلا حالةٍ واحدة- من طبقة الأشراف، لكن إنصافًا لهذه الطبقة لا بد من القول إنها قلما كانت تسيء استخدام هذا المنصب، وقد يتقيَّد الدكتاتور الروماني بالمدة المحدَّدة (ستة أشهر أو سنة على الأكثر) ولعل خير الأمثلة على ذلك هو «سنسناتس Cincinnatus» (نحو ٤٦٥ق.م.) وهو قائدٌ عسكري ورجل دولة، عُيِّن دكتاتورًا نحو عام ٤٥٨ق.م.، عندما كان الجيش الروماني في خطر، فترك مزرعتَه، وجمع فِرقًا من الجنود، وقام بمساعدة الجيش حتى انتصر ثم تقاعد، وذلك كله في ستة عشر يومًا، ثم استُدعي مرةً أخرى وعُيِّن «دكتاتورًا» عام ٤٣٩ق.م.، ولقد أدَّى مهمته أيضًا ثم عاد إلى مزرعته، أما الاستثناء فهو سُلا Sulla الذي عُين عام ٨٢ق.م. دكتاتورًا لمدةٍ غيرِ محدودة، وظل في منصب الدكتاتور من أواخر عام ٨٢م حتى أوائل عام ٧٩م، والثاني هو «يوليوس قيصر» الذي اتخذ لنفسه سلطاتٍ دكتاتوريةً لمدة عشر سنوات عام ٤٦ق.م.، ثم أُعطيَت له هذه السلطات مدى الحياة، قبل اغتياله بقليل.
لكن مصطلح «الدكتاتورية» في الاستخدام الحديث الذي يعني النظام الحكومي الذي يتولى فيه شخصٌ واحدٌ جميعَ السلطات (وفي الأعم الأغلب بطريقةٍ غير مشروعة) ويُملي أوامره وقراراته السياسية، ولا يكون أمام بقية المواطنين سوى الخضوع والطاعة، هذا المصطلح لا يكاد يتميَّز عن مصطلح الاستبداد، وكما قيل إنه يمكن أن يكون هناك «مستبدٌّ عادل أو مستنير»، فإنه يمكن أن يكون هناك «دكتاتورٌ مستنير»، وهذا هو بالضبط التصوُّر الروماني للوظيفة التي تحمل هذا الاسم (وسوف نعود إلى مناقشة هذا التصور فيما بعدُ)؛ فالدكتاتور يمكن أن يُوجَد على نحوٍ مشروعٍ أو قانوني De Jure كما كان عند الرومان، أو يمكن أن يُوجَد كأمرٍ واقع De Facto تفرضُه تطوراتٍ معيَّنة على نحوِ ما يُوجَد في صورته الحديثة، التي اعتبرها الفقيه الفرنسي المعاصر موريس دوفرجيه M. Duverger («مرضًا» بالنسبة لنظم الحكم، فإذا لاحظنا أنها تشكِّل النظام السياسي والعادي والطبيعي لبعض البلدان، فهي في هذه الحالة أشبه بالمرض المزمن «أو الأمراض المتوطنة!»، وإن كانت عارضة في بلدٍ فهي كالمرض الطارئ -لكنها في الحالتَين قد تكون مُعدية «كالأوبئة المعدية»- فهذا الشرُّ ظهر قديمًا في آسيا الصغرى، ومنها امتد وانتشر في جميع أرجاء العالم الهيلِّيني، كما أن الطغاة يستفيد بعضُهم من بعضٍ فيما يلجَئون إليه من طرقٍ وأساليب، ومن هنا كانت «العدوى» واردةً في الطغيان أيضًا، أما الوباء الكبير لانتشار النظم الدكتاتورية فقد وُلِد مع الثورة الفرنسية عام ١٧٩٨م ولا تزال امتداداتُه حتى اليوم.
وكما أن الطغيان قد يكون لفردٍ أو جماعة، فالدكتاتور قد يكون فردًا على نحو ما ضربنا من أمثلة، أو قد يكون جماعة فيما سُمي باسم «دكتاتورية البروليتاريا» (الطبقة العاملة) Dictatorship of the Proletariat، وهو مصطلحٌ استخدمه ماركس K. Marx (١٨١٨–١٨٨٣م) وتبنَّاه لوي بلانكي L. A. Blanqui (١٨٠٥–١٨٨١م) الذي كتب عن حاجتنا إلى «دكتاتورية ثورية»، ولم يوضِّح ماركس قط ما الذي يعيه بهذا المصطلح؛ فهو أحيانًا يتحدث فقط عن «حكم البروليتاريا»، ثم اتخذ المصطلح فيما بعدُ دلالاتٍ واسعةً في الفكر الماركسي ليدل على طبيعة ومشروعية سلطات الدول خلال فترة التحول من الثورة إلى المجتمع الشيوعي.



اضف تعليق