من يسمع عن مقبرة "تاج محل" في مدينة أكرا يتوق شوقا لزيارة الهند والوقوف أمام العمارة البيضاء، ومن يقف عند قصر "شيش محل" في قلعة لاهور بباكستان يزداد ولعا لزيارة الهند والإطلاع على توأمة القصر في أكرا، ومن يعرف سر الصلة بين تاج محل وشيش محل وهو يقف عند الأولى تهفو نفسه إلى زيارة باكستان وتوأمة روحه ونفسه برؤية الثانية.

وهذا الإحساس ينتابني ومازال عندما أشاهد "تاج محل" أو (تاج القصور) عبر الإعلام ووسائل الإتصال، وعندما زرت "شيش محل" أو (قصر المرايا) لتزيينه بالمرايا بشكل هندسي بديع، في منتصف حزيران 2013م وتجولت في قلعة لاهور العظيمة، زاد فضولي إلى زيارة الهند وتلمس توأم قصر الشيس في مقبرة التاج، وببساطة فإن الذين بنى قصر شيش محل هو نفسه الذي بنى مقبرة تاج محل، فلاهور كانت مسقط رأس وعاصمة السلطان الگورگاني المغولي شهاب الدين محمد شاه جهان (1592- 1666م) الشهير بشاه جهان أعظم (ملك العالم الأعظم) الذي حكم الهند الكبرى في الفترة (1628- 1658م)، وأكرا هي العاصمة الأخرى آنذاك في الهند الحالية بولاية أوتاربراديش وفيها قبره حيث دفن إلى جانب زوجته السلطانة أرجمند بانو بيگم الشهيرة بممتاز محل التي ماتت في نفاسها سنة 1631م، وقد شرع بتشييد المقبرة سنة 1632م وانتهى منها سنة 1648م، وهي تحفة معمارية راقية.

ومن يطرق سمعهم إسم تاج محل تحضر في خلدهم على الفور شبه الجزيرة، فالهند في الذاكرة البشرية هي تاج محل وتاج محل هي الهند، وهذه الملازمة مرجعها انفتاح الهند على العالم بجانبه السياحي، وانغلاق الثانية، رغم أن لاهور تمثل في أحد جوانبها العاصمة الثقافية لباكستان بإزاء عاصمتها السياسية اسلام آباد وعاصمتها الإقتصادية كراتشي، وهذه مفارقة مؤلمة، فحيث تدر مقبرة التاج على الهند العملات الصعبة وتزاحم السائحين من أقطار الأرض، لمست في قصر الشيش قلة الحضور وسائحين من المدينة نفسها أو من عموم باكستان، وإذا كانت التاج منحصرة بالمقبرة والحدائق المحيطة بها فإن الشيش عبارة عن قصر فسيح داخل قلعة وسيعة يستغرق فيها السائح ساعات للإطلاع على معالمها.

حديث التاج والشيش هو حديث الهند الكبرى قبل أن تتحول إلى ثمان دول، يتناول تاريخها بشيء من التفصيل المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتابه الصادر نهاية العام 2019م عن بيت العلم للنابهين في بيروت تحت عنوان "الإسلام في الهند" في 127 صفحة من القطع المتوسط، أعده للطبع وقدّم له العلامة الشيخ ميرزا محمد جواد شبير، وتصدرته مقدمة للناشر.

بين يثرب والهند

يتابع الكتاب بشكل منهجي تاريخي البذور الأولى لنشأة الإسلام في بلاد الهند والسند، وانتشاره في بلد فيه من القوميات ما لا تعد ولا تحصى، وله من اللغات الوطنية والقومية والمحلية ما يصعب عدها، وله من الديانات والمعتقدات والمذاهب ما لا يمكن حصرها فهي قابلة للتكاثر مع تكاثر السكان وحركة عقارب الزمن، وكل هذه المعلومات والإحصاءات التي تضمنها الكتاب تأتي في سياق الحديث عن الهند كنشأة وقومية وجغرافية ولغة وحكومات متعاقبة، وبيان محورية الإسلام في هذا البلد المترامي الأطراف.

في حقيقة الامر، لا يمكن الوقوف على رواية ثابتة تدلنا على الطريقة التي دخل فيها الإسلام إلى الهند، ، وأقدم تاريخ تعرّفت فيه الهند على الإسلام يعود إلى السنة العاشرة من الهجرة أي في عهد رسول الإسلام محمد (ص) حيث ذكر إبن الأثير في أسد الغابة: 2/333 أن من الرسائل التي بعثها الرسول (ص) إلى ملوك الأرض هو الملك سرباتك من ملوك الهند الذي تسلّم الرسالة عبر الصحابي حذيفة بن اليمان وتقبلها بقبول حسن وقبّلها وأعلن إسلامه، فهذه الرواية إذا صحت فإنَّ الإسلام أخذ طريقه الى الهند بوقت مبكر جدًا، وربما تصح إذا ما عرفنا أن التواصل التجاري بين الهند الكبرى وجزيرة العرب سبق الإسلام، فضلا عن متاخمة الهند لإيران الكبرى التي دخلها الإسلام مبكرا ، وقد ترك ظهور الإسلام دويًّا في جزيرة العرب تناهت تردادتها الى دول الجوار والمحيط الخارجي الذي على اتصال مع الجزيرة، ومن ذلك الهند، وعند المحقق الكرباسي: (دخل الإسلام إلى الهند الكبرى رسميا عبر ولاة إيران والقواد المسلمين، وقد سبق ذلك اتصالات عديدة من قبل عدد من المفكرين المسلمين بالشعوب الهندية وذلك في القرن الأول الهجري بدءًا من سيستان ثم عبر الغزاونة في القرون التالية).

ويذهب الشيخ ميرزا محمد جواد شبير الذي قدّم للكتاب إلى التأكيد على الهجرة بوصفها العامل الأساس في انتشار الإسلام خارج الحجاز وعموم جزيرة العرب، ومنها الهند، وعنده أنَّ الهجرة بشكل عام هي: (الهجرة في طريق الله تعني الإبتعاد عن الوطن والأقارب طلبا لرضا الله، وهي أمر محمود وممدوح في الإسلام .. ولها مدخلية كبيرة في تكامل الإنسان)، ويرى أنَّ الهجرة على ثلاثة أقسام: الهجرة في طلب العلم، والهجرة من أجل الحفاظ على الدين، والهجرة من سلطة الظالمين، ففي الأولى جاء الحث على الهجرة في طلب العلم حتى وإن كان في الصين نظرا لبعد المسافة آنذاك واستحالة الوصول إليها بشق الأنفس، وفي الثانية ورد عن النبي الأكرم محمد (ص): (من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة)، وفي الثالثة جاء النص القرآني الشريف: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) سورة النحل: 41.

ومع أنَّ الهجرة وبخاصة القسرية منها هي إنتقال بالجسد من مكان إلى آخر، لكنها في المحصلة لمن استثمرها بصورة جيدة خير وبركة، ولعل أدل دليل هو حديثنا عن الهند وكما يقول العلامة ميرزا جواد: (في الواقع للهجرات ثمرات مختلفة، ومن آثارها وبركاتها نشر الإسلام في كل نقاط العالم، والكتاب الذي بين أيدينا الموسوم: الإسلام في الهند، يتناول وصول الإسلام إلى الهند وانتشاره .. ولاشك أنَّ انتشار الإسلام في الهند هي نتيجة طبيعة لهجرة المسلمين وجهادهم).

وحديث المعد عن الهجرة وآثارها هو واقع مشهود، بخاصة وإن العلامة الشيخ ميرزا محمد جواد شبير ولد سنة 1980م في مدينة حيدر آباد الدكن بالهند في أسرة هاجرت الى الهند منذ مئات السنين، وهي تعود بنسبها الى بطل الإسلام مالك الأشتر النخعي المستشهد بمصر سنة 39 هجرية، ومدينة حيدر آباد كانت تمثل إلى وقت قريب أهم الحواضر الإسلامية والعلمية في الكرة الأرضية إلى جانب الحواضر العلمية في مصر وتونس والحجاز والعراق وإيران وأفغانستان والأندلس، وغيرها من الحواضر التي كانت محط أقدام المتعلمين، كما كانت الإمارات الإسلامية في الهند الكبرى تحكم في مقاطعات كثيرة وبعضها انتهت إلى ما بعد استقلال الهند الكبرى سنة 1947م، فكان الإسلام بثقافته المنفتحة على الآخر والمستوعبة له يحكم الهند الكبرى، ورغم أن المسلمين في بعض الإحصاءات يمثلون نحو 20 في المائة من سكان الهند، لكن الإسلام لم يفرض نفسه تحت شفرة السيف، وكثرة الأديان والمذاهب والطرق والمعابد حاكٍ عن الحرية الدينية التي اتبعتها الممالك الإسلامية.

ومن المفارقات اللطيفة أننا خلال تجوالنا في قلعة لاهور وجدنا داخلها إلى جانب المسجد الكبير معابد للسيخ وعباد الشمس والهندوس وغيرهم، وهو ما يدل على التعددية الدينية التي كان يمارسها ملوك المسلمين الذين حكموا الهند الكبرى، ومن أواخرهم الأمير آصف خان السابع المتوفى سنة 1967م حاكم دولة حيدر آباد الدكن التي تم خلعه في 17/9/1948م أي بعد سنة من استقلال الهند، وكانوا من المسلمين السنة وحكمت دولتهم منذ سنة 1724م، فيما كانت آخر الإمارات المسلمة الشيعية هي الإمارة اللوهانية التي حكمت في الفترة (1370- 1964م) وآخر الأمراء هو ديوان مهاخان إقبال خان بهادر وكانت عاصمتهم پالنپور غرب الهند.

مشاهدات وتجارب

يمثل كتاب "الإسلام في الهند" حصيلة قراءة تاريخية وحديثة للهند، وهي نظرة تحقيقية مشفَّعة بمشاهدات عيانية مكتسبة من جولة المحقق الكرباسي بنفسه إلى باكستان والهند سنة 1980م وتنقله في مدن لاهور وإسلام آباد وبلتستان وملتان ونيودلهي وبومباي وحيدر آباد ولكنهو وغيرها من مدن الهند الكبرى واجتماعه بالكثير من الفعالية الإسلامية والثقافية وأعيان المجتمع في البلدين.

وهذه الزيارة يلحظها القارئ في ثنايا الكتاب، ويلحظ معها حسرة المؤلف في الضعف الذي انتاب المسلمين بعد الإستقلال إمّا لقلّة حيلة قادة المسلمين في الهند الكبرى أو لعدم تفهم قادة المسلمين خارج الهند وعدم تعاطيهم الإيجابي مع المسلمين في هذه البلاد، أو للسياسة المتبعة في الهند التي تحاول في بعضه جوانبها غمط حق المسلمين الهنود بالتمتع بكامل الحقوق كمواطنين.

وبشكل عام فإنَّ الهند الكبرى وقبل أن يدب فيها دبيب الإحتلال البريطاني عبر شركة الهند الكبرى كان تضم الهند الحالية وعاصمتها نيودلهي، وباكستان التي استقلت سنة 1947م وعاصمتها إسلام آباد، وبنغلاديش التي استقلت عن باكستان سنة 1971م وعاصمتها داكا، والنيبال التي استقلت سنة 2007م وعاصمتها كاتماندو، وبوتان التي استقلت سنة 1949م وعاصمتها رانغون، وسريلانكا التي استقلت سنة 1948م وعاصمتها كولومبو، وأفغانستان التي استقلت سنة 1946م وعاصمتها كابل، إلى جانب كشمير المتوزعة بين الهند والباكستان والخاضعة في جانبها الهندي لحكم ذاتي.

والهند الحالية بعدد سكانها البالغ نحو 1.352 مليار إنسان حسب تقديرات سنة 2018م يتكلمون 225 لغة، فيما تعترف الحكومة المركزية بثلاث وعشرين لغة هي: الأسامسية، البنغالية، البودوية، الدوغرية، الكجراتية، الهندية، الكنّادية، الكشميرية، الكونكانية، الميثيلية، الملايالاماوية، المانيبورية، الماراثية، السنكسريتية، السنتالية، النيبالية، الأودية، البنجابية، السندية، التاميلية، التيلغوية، الأردوية، والإنكليزية.

وتمثل اللغة الأردوية هي لغة المسلمين في الهند التي تكونت من لغات عدة شرحها المؤلف بالتفصيل في كتاب (المدخل الى الشعر الأردوي) أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية، ومن هذه اللغات العربية والفارسية، حيث كانت الفارسية آنذاك لغة الدولة والعربية لغة الدين والديوان، بخاصة وإن الهند ككل أو بعضها تم حكمها في العهد الراشدي والأموي والعباسي والفاطمي والإيراني، وصارت الأردوية لغة الأدب ولغة البلاطات الحاكمة، وشكل حروفها مأخوذ من رسم اللغتين العربية والفارسية، وكانت اللغة الأردوية توأمة للشعر الحسيني، حيث أكثر أدباء الهند من سنة وشيعة نظم الشعر الحسيني باللغة الأردوية.

ويسيح المؤلف بالقارئ ليطلعه على أهم الدول الإسلامية وأكبرها التي حكمت الهند أو مقاطعات منها، وهي 22 دولة كبرى إلى جانب الإمارات والخانات وهي كثيرة، كما يطلعه على تجارب عدد من الذين اهتدوا إلى دين الإسلام طواعية.

وحيث بدأ الكتاب بالسنة العاشرة من الهجرة ورسالة النبي الأكرم (ص) إلى أحد حكام الهند، أنهاه بالسنة 1947م هو تاريخ استقلال الهند، ولكن المؤلف يعبر مرة أخرى عن حسرة لأنّ العرب والمسلمين يقرأون الهند الحديثة عبر نافذة المهاتما غاندي بوصفه محرر الهند متناسين الدور الكبير لأمين عام حزب المؤتمر الهندي وأول وزير تربية وتعليم في عهد الإستقلال، وخطيب ثورة الإستقلال السلمية، هو القائد المسلم أبو الكلام آزاد المتوفى سنة 1957م الذي يمثل أحد أهم قادة التحرير إلى جانب غاندي، وبتعبير المحقق الكرباسي: (من الواجب الأخلاقي والتاريخي أن أذكر أبا الكلام آزاد الشخصية المسلمة التي كان لها حق تحرير الهند من الإحتلال البريطاني، ومن لم يتعرف عليه فإنه لا يمكن أن يتعرف على حقيقة الهند واستقلالها، وأفضل ما يمكن أن يقال في حقه أنه حقيقة تاريخية غُيبت عن الساحة السياسية، وإذا كان غاندي يمثل الجناح الأيمن لطائر التحرير فإنه لاشك جناحه الأيسر).

وهذه حقيقة قلّما التفت إليها أحد، وساعدت الكتابات الهندية المتأخرة في طمسها والتعتيم على دور المسلمين في التحرير والإستقلال.

* الرأي الآخر للدراسات-لندن

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

11