تسود اللغة الخطابية في العراق بشكل منقع النظير، مقابل غياب دلالة لهذا الخطاب في ارض الواقع، أي ان هناك انفصال بين الخطاب والوعود التي يقدمها القائم بالخطاب (مسؤول حكومي او حزب سياسي)، والواقع الذي يفترض ان يكون الارضية لتطبيق هذه الوعود. وتسهم الفوضى التي تسود في البلاد في تعميق الفجوة، والنظام السياسي الهش لا يساعد كثيرا في تحقيق البرامج التي تطلقها المؤسسات الحكومية والاحزاب السياسية.

بالعودة قليلا الى الماضي القريب وتحديدا بعد عام 2003 وسقوط "الطاغية" سادت حالة من نشوة النصر لحرية الانسان العراقي بعد انتهاء الحقبة الدكتاتورية المظلمة، وارتفع سقف التوقعات لدى المواطن تزامنا مع ارتفاع منسوب الامنيات لدى المسؤولين الجدد في العراق، وفي تلك المدة توقع المواطن العراقي انه يعيش في بداية حقبة التقدم والتطور الذي بات في متناول اليد والمستقبل يحمل تباشير التقدم والتطور.

مرت السنوات ولم تتحقق توقعات المواطن ولا امنيات الادارات الحكومية المتعاقبة، وانشغل المسؤولون بتقاسم بقايا الدولة التي مزقها النظام السابق وكأنهم يتقاسمون ممتلكات نظام البعث وليس الدولة العراقية، فبهذه الطريقة يسهل عليهم تبرير فعل التمزيق لجسد الوطن، واصبح الفشل هو الصفة الملاصقة لكلمة مسؤول حكومي بمختلف المستويات، ومن اجل رفع الحالة المعنوية وعدم انهيار البلاد يلجأ المسؤول الى بث خطابات تقلل من وطأة الغضب الشعبي بين الحين والاخر.

هذا الخطاب الذي مثل اكسير الحياة للأحزاب الحاكمة لم يسعفه الوضع الاقتصادي والامني والسياسي المصاب بداء التأزم المزمن، فالقيادة السياسية والتنفيذية عندما تعدُ المواطن بمشروع معين لا يتوفر لها سقف مالي او سياسي او حتى وضع امني مستقر، يضاف الى كل ذلك غياب الجدية في تنفيذ المشروعات الحكومية. والنتيجة فشل كل تلك المشروعات الحكومية او يتأخر تنفيذها لسنوات طويلة.

وهذا الوضع ادى الى زيادة حالة الانفصال بين الخطاب السياسي والواقع التي ادت بدورها الى زيادة الفجوة بين النخبة السياسية والمواطن. واعادت الى الاذهان الفجوة التي كانت تفصل النظام البعثي السابق عن الشعب العراقي وادت في النهاية الى انهيار نظامه رغم سطوته وقبضته الحديدية التي تجاوزت حدود الاعتقالات والتعذيب.

وفي اوضاع كهذه تزداد حاجة الناس الى ايجاد بدائل عن هذه الطبقة الحاكمة، لكن كل البدائل المتوافرة حاليا غير موثوق بها لأنها تولد من رحم نفس الطبقة الحاكمة، لذلك يفترض ان يكون هذا البديل مختلفا تماما، ومن ثم نجد الناس اما تلجأ الى الهويات الفرعية مثل العشيرة او المذهب الديني اوالقومية، او الى التنظيمات السياسية والعسكرية الجديدة التي يعتقد الشعب انها قادرة على تحقيق مطالبه واستعادة حقوقه، خاصة اذا كانت هذه التنظيمات قادرة على فرض حالة الامر الواقع في تنفيذ بعض المشاريع البسيطة ما يخلق صورة ايجابية عنها باعتبارها ستكون طوق النجاة للوطن.

مشكلة الانفصال بين الخطاب والواقع تأتي بنتائج سلبية فالمواطن يصبح كالغريق الذي يتعلق بكل جسم صلب يوصله الى الشاطئ، ومن ثم يكون للتطرف سوقا رائجة والحال ينطبق حتى على الدول الديمقراطية التي لم تسلم من صعود موجة التطرف من جديد بسبب غياب التطبيق الفعلي للبرامج السياسية للأحزاب الحاكمة, وفي هذا السياق عادت موجات اليمين المتطرف في اعرق الديمقراطيات العالمية كما هو حال دونالد ترامب في الولايات المتحدة ومارين لوبان في فرنسا وحزب البديل من اجل المانيا وليس انتهاء باليمين المتطرف في ايطاليا وهولندا والنمسا وغيرها.

الاكثر خطورة من كل هذا ان تلجأ الاحزاب الحاكمة الى اساليب اكثر تطرفا لكنها غير واضحة من اجل التمسك بالوضع القائم، فتقوم بتحويل انتباه المواطن عن مشاكله وازماته الحقيقية الى امور اخرى هامشية او لا تحظى بالأولوية في الوضع الحالي، ما يزيد الوضع تعقيدا ويجعله عصيا على الحل.

وهذا بالتحديد ما نتوقع ان يحصل في الانتخابات المقبلة في العراق، اذ قد تستخدم الاحزاب كل ما في جعبتها من قضايا اشكالية تستطيع من خلالها تحويل اهتمامات المواطن من الجوهر الى الهامش الذي تكون لوحة التحكم فيه بيد الحزب المروج له، وتقدم هذه الهوامش بطريقة تجعل المواطن ومن حيث لا يدري يعتقد ان الانقاذ يأتي من هذه الاحزاب مرة اخرى.

النخب المثقفة ووسائل الاعلام المستقلة تقع عليها مسؤولية كبيرة في الانتخابات القادمة من اجل تنوير المواطن بالقضايا الحقيقية والتي يفترض ان يركز عليها المرشحين، ويكمن دورها في الاتي:

اولا: المتابعة المستمرة للأحداث الجارية من اجل الاطلاع على كل جديد واللحاق بركب التطورات السياسية والامنية والاقتصادية.

ثانيا: تنويع مصادر المعلومات لدى النخب المثقفة، وتكثيف حجم المتابعة لأهمية المرحلة الراهنة.

ثالثا: طرح الآراء بصورة موضوعية وغير منحازة الى اي طرف سياسي.

رابعا: الاستفادة من الثورة التقنية الهائلة والتواصل مع الجمهور العراقي من خلال تفعيل انشطة النخب في مواقع التواصل الاجتماعي. اما وسائل الاعلام فاذا ما ارادت كسب المزيد من الجمهور فالطريق المعبد بالتقنية الحديثة والصناعة الاعلامية الابداعية هي افضل السبل لذلك. وأول وسائل الابداع هو التخلي قليلا عن التحزب والانحياز الاعلامي.

خامسا: على وسائل الاعلام حزبية كانت ام مستقلة نقل الحقيقة للمواطن، لما في ذلك من فائدة تعود على وسيلة الاعلام نفسها قبل المواطن، فالحقيقة اصبحت مكشوفة ومحاولة اخفائها تقلل من مصداقية من يخفيها، ومن ثم يكون لزاما على وسائل الاعلام توخي الدقة والموضوعية والمصداقية في نقل كل ما يدور في الساحة السياسية العراقية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0