ينشأ التعصب من شدة الانغلاق والانكفاء على الذات، ومن هنا فالتعصّب هو حالة نفسية مشحونة بالانفعالات المتحاملة على الآخر، ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة كافية، بل في كثير من الأحيان يستند الى "معلومات" بعيدة عن الواقع يتم التعامل معها على إنها حقائق.

المتعصب يرى الأشياء من منظاره الخاص (المختنق والمحتقن) فقط، ولذا فإن من أعراض التعصب أنه يعوّق القدرة على إدراك الواقع. والمتعصب شخص سريع التأثر والانفعال والتوتر، وقابل للانفجار والاهتياج كلما تعرض معتقده أو انتماؤه (الطائفي) أو ما يتعصب له للنقد أو الخطر.

وتحذيراً من خطورة تسرب التعصب الى نفس الإنسان (الفرد – المجتمع)، فقد أنار رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (سلام الله عليهم) الطريق، في هذا الأمر الشائك، فقال (صلى الله عليه وآله): (من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية). ويقول الإمام زين العابدين (سلام الله عليه): (العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم). ومن زاوية أخرى، يقول الإمام أمير علي بن أبي طالب (سلام الله عليه): (إن كنتم لا محالة متعصبين فتعصبوا لنصرة الحق وإغاثة الملهوف).

عموماً فإن أتباع كل دين أو مذهب ينظرون إلى الآخر برؤية ضبابية تحجب كامل الصورة الحقيقية للمذاهب الأخرى، ولو حاولت طائفة أن تستكشف طائفة أخرى، غالباً، لا يكون استكشافها موضوعياً لأنه ينطلق من قصور في الاطلاع وضيق في المعرفة، فينشأ التعصب الذي يودي إلى السقوط في ظلمات الانغلاق على الذات وتضخيمها واحتقار الآخر ورفض أفكاره، وغيرها من الأمراض التي تسوق المجتمعات إلى التناحر والتخاصم، وتمنعهم من التعاون على البر من أجل خدمة للمجتمع ورفاهه وبناء الوطن وازدهاره.

إن للإنسان حرية أن يختار ما يشاء من فكر أو معتقد، وليس لأحد محاسبته على اختياره، قال الله (عزوجل): (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون). وإن الآخر الديني أو المذهبي أو السياسي أو القومي الذي عبر عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليه) بعبارة (النظير في الخلق)، فإن كان نظيراً في إطار (الجماعة الإنسانية) فإن له حق الحرية والكرامة، وإن كان نظيراً في إطار الجماعة (الوطنية) فله كافة الحقوق وعليه كافة الواجبات، وأي تمييز ينذر بكوارث اجتماعية وسياسية وثقافية. فالغيرية في المعتقد الديني أو الفكر السياسي أو الانتماء القومي، لا تلغي حقوق المواطنة، بل الكل يشترك في المواطنة ومتساو في حقوق المواطنة.

وإن الآخر في الرؤية الإسلامية، ليس مشروعاً للذبح والقتل والتدمير والإبادة، بل هو موضوع للتواصل والحوار، وحصحصة الحق، وسبيل للمحبة والتعاون، وتنمية القواسم المشتركة، وقد أكدت الآيات القرآنية على قيم الألفة والتعايش، يقول الله (عز وجل): (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). ووسع الله (عز وجل) دائرة التنوع ودائرة الآخر حتى شملت مخلوقات أخرى غير الإنسان، فقال (عز وجل): (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم).

فإن في الوجود الإنساني، آخر ديني ومذهبي وقومي وسياسي وعرقي وجغرافي واجتماعي وثقافي، حيث تتعدد دوائر الآخر بتعدد وتنوع دوائر الذات، وفي هذا الوجود المتنوع في كل تفاصيله، لا مكان لمتعصب أو متطرف أو تكفيري؟! يقول الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه): الإسلام لأجل الحفاظ على الأمة من الوقوع في مثل ظلم فرعون ونمرود، أمر الناس بنظام التعددية، بل وخلقهم متعددين وأراد لهم التكامل والتقدم عبر تعارفهم فيما بينهم، والأخذ بالأحسن مما عندهم، وعبر التنافس في الخير والرحمة، والبناء والتقدم، فقد قال الله تعالى مخاطباً جميع الناس، وليس أمة دون أمة، ما يدل على أهمية ثقافة التعددية والتنوع، وكبير دورها في الحياة: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0