بداية يجب أن نفرق بين البرنامج الانتخابي والتصريحات التي يطلقها المرشحون اثناء الحملة الانتخابية، فقد تلتقي التصريحات مع البرنامج الانتخابي في بعض الاماكن وقد تبتعد عنها في أماكن أخرى، ويبقى الفيصل في الحكم على سياسة أي مرشح هو برنامجه الانتخابي الذي يُعد بمثابة عقد بينه وبين ناخبيه.

لذا لفهم السياسة المحتملة للرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب ينبغي علينا أن نركز على برنامجه الانتخابي أولاً، ومن ثم تناول التصريحات التي تًدعم ذلك البرنامج مع الابتعاد قدر الامكان عن التصريحات الصحفية التي أطلقها أثناء حملته الانتخابية لأنها وبلا شك كانت لغرض الاستهلاك الاعلامي في أحيان كثيرة.

انتخاب دونالد ترامب خلق حالة عدم اليقين الاستثنائي حول المسار المستقبلي للسياسة الاقتصادية الأمريكية، فمن المعروف أن مؤسسات الاعمال (Business institutions) لا ترغب في التوقعات المجهولة، والمتطرفة في بعض الاحيان، وهناك أسباب وجيهة للخوف، إذ أن بعض فقرات برنامج ترامب الاقتصادي من الممكن أن تؤثر سلباً على التجارة والتحالفات الاقتصادية للولايات المتحدة، وسيكون ذلك معوقاً جدياً للاقتصاد العالمي ككل، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الاقتصاد الاميركي هو محور الاقتصاد الرأسمالي، والادل على تلك التوقعات (Expectations) المتشائمة تراجع الأسهم العالمية بشكل حاد عندما ظهرت بوادر النصر لترامب.

يبدو من خلا برنامجه الانتخابي، فإن الرئيس المنتخب ترامب قرر تغيير مسار الاقتصاد الأمريكي بصورة كبيرة، وحتى جذرية، فقد أكد بعض مستشاريه في الشؤون الاقتصادية انه سيتم استخدام أوامر تنفيذية في مجموعة واسعة من المجالات بما في ذلك التجارة والهجرة والضرائب والتنظيم المالي، وكل هذه السياسات ستحتاج إلى دعم الكونغرس، وعلى الرغم من أنه سيكون لديه ميزة الأغلبية الجمهورية في كلا المجلسين في الكونغرس، إلا ان سياساته الاقتصادية هي في كثير من النواحي خارج العقيدة التقليدية للجمهوريين، مما يؤشر أنه سيحتاج إلى بناء تحالفات فرعية داخل الحزب الجمهوري بشأن قضايا محددة، إذ أن خططه لخفض الضرائب، ووعوده في مجالات مثل البنية التحتية، وإلغاء أو استبدال برنامج اوباما للرعاية الصحية (Obamacare)، وإصلاح قطاع الطاقة، من المرجح أن تقصر في عدد الاصوات المطلوبة في مجلس الشيوخ للمضي قدما فيها.

حتى قبل أن يدخل الرئيس المنتخب ترامب المكتب البيضاوي، فإن مجلس الاحتياطي الاتحادي سوف يحتاج لتهدئة الأسواق وتعزيز الثقة في متانة الاقتصاد الأمريكي، فضلاً عن حاجة ترامب إلى اعادة التفاوض حول الديون الفيدرالية (بحسب برنامجه الانتخابي) الامر الذي سيكون فاتحة فريدة في السياسة الاقتصادية الاميركية وهي التدخل في استقلال مجلس الاحتياطي الاتحادي، وذلك سيجعل من الصعوبة اطمئنان الاسواق.

على مدى العقدين الماضيين، كان السؤال المركزي في سياسة التجارة الأمريكية ما إذا كانت الحكومة قد تستمر في المضي قدما في اتفاقيات تحرير التجارة، وكان الجواب عادة بنعم، ولكن بتردد، ولكن على مدى السنوات الأربع المقبلة، بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً، فإن الجواب على السؤال المحوري سيكون مختلفا: إذ أنه، وطبقاً للبرنامج الانتخابي، ستقوم الولايات المتحدة بدراسة امكانية الغاء أكبر الاتفاقيات التجارية من مثل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA) واتفاق الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ (TPP) ، وإذا كان الأمر كذلك، هل سيتم ذلك بسرعة وما هي عواقب ذلك؟

كانت المعارضة لاتفاقيات التجارة الحرة جزءاً أساسياً من برنامج ترامب الانتخابي، وربما كانت من أكثر الوعود وضوحا وتفصيلا حول مقاربته للتجارة أكثر من أي قضية أخرى على وجه التحديد، وكانت القضية المركزية لفوزه في الانتخابات، فمن بين الولايات التي انتخبته وهي (بنسلفانيا، ميشيغان، أوهايو، ويسكونسن ونورث كارولينا) هي الولايات الاكثر تضرراً بسبب المنافسة التجارية، ووفقا لاستطلاعات الرأي، فإن الناخبين في تلك الولايات يعتقدون بفارق كبير أن التجارة الحرة قد كلفتهم فقدان عدد هائل من الوظائف.

ستكون هناك حاجة لإعادة التفاوض حول اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) مع كندا والمكسيك، وهو الاتفاق الذي وصفه ترامب مراراً في حملة الانتخابية بأنه "أسوأ صفقة تجارية جرى التفاوض عليها من أي وقت مضى."

وفيما يخص الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) فقد احتضنت كل من ادارة جورج دبليو بوش وادارة أوباما المفاوضات الضخمة الإقليمية التي تشارك فيها الولايات المتحدة واليابان وعشرة دول أخرى مطلة على المحيط الهادئ، وقدد ندد ترامب خلال حملته الانتخابية بأن (هذه الاتفاقية بمثابة كارثة دُفعت بالمصالح الخاصة لأولئك الذين يريدون اغتصاب بلادنا)، ومن المعروف أن اتفاقية (TPP) كانت تواجه بالفعل تزايد المعارضة من قبل بعض الجمهوريين في الكونغرس الاميركي من مثل السيناتور جيف سيشنز في زمن الرئيس أوباما.

تعاني الولايات المتحدة الاميركية مع الصين والمكسيك وغيرها من البلدان من عجز تجاري كبير وستجد هذه البلدان نفسها تحت ضغوط متزايدة من الادارة الجديدة، وقد خصص ترامب جانباً لايستهان به من برنامجه الانتخابي لإصلاح العجز التجاري الاميركي مع تلك الدول معتبراً (أن العجز التجاري هو خسارة وأننا يجب أن نبدأ بالفوز)، أي تحويل ذلك العجز الى فائض.

وقد أوضح ترامب في برنامجه الانتخابي انه يريد استخدام تهديد التعريفات التجارية (لصفع) الواردات من الصين والمكسيك، كورقة مساومة لتحقيق أفضل الصفقات، لكنه لم يذكر الآليات التي سيقوم بتطبيقها إزاء كل من الصين والمكسيك، فعندما قام الرئيس ريغان برفع التعريفات على واردات أشباه الموصلات اليابانية في عام 1986، على سبيل المثال، كان الهدف واضحا لإجبار اليابان لبدء شراء المزيد من الرقائق الأمريكية الصنع.

وفيما يخص الصين الذي أفرد لها جانباً كبيراً في برنامجه الاقتصادي، فقد ذكر انه يمكن رفع دعاوى جديدة لمنظمة التجارة العالمية (WTO) ضد الصين بسبب دعمها لصناعة الصلب أو تطبيق سياسات التمييز ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية، ولكن هذا قد يستغرق سنوات، بدلا من ذلك، قال انه يمكن استخدام صلاحيات تنفيذية واسعة جدا لفرض عقوبات تجارية على بلدان أخرى، والانتظار بالنسبة لهم لتحدي تلك التدابير في منظمة التجارة العالمية أو في محاكم الولايات المتحدة، فقد كتب غاري هوفباور من معهد بيترسون، (ليس هناك شك في أن الرئيس ترامب ستكون له صلاحيات تنفيذية للقيام بمعظم ما هدد بخصوص التدابير التجارية، بما في ذلك خفض التعريفات الجمركية على الواردات الصينية والمكسيكية).

كيف سيرد الشركاء التجاريين الولايات المتحدة؟ وهل التفاوض مع الرئيس ترامب في مواجهة منظمة التجارة العالمية أو التهديدات بالانتقام من اتفاقية التجارة الحرة (NAFTA) غير قانونية؟ فالصين لديها تاريخ طويل من الأعمال الانتقامية (العين بالعين) لأية قيود تجارية تفرضها الدول الاخرى، وهذا مايجعل احتمال نشوب حرب تجارية أميركية-صينية وارداً من خلال تبادل فرض الرسوم الجمركية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل ستقوم البلدان الأخرى بالتحول بعيدا عن الولايات المتحدة في الترتيبات التجارية المستقبلية؟ الجواب أن الكثير من البلدان التي ستقع ضحية لهذه التدابير، وبخاصةً دول شرق آسيا المطلة على المحيط الهادي، ستنظر بدلاً من ذلك إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الاقليمية التي تقودها الصين (RCEP) والتي تضم ستة عشر بلداً منها تسعة بلدان من شرق آسيا وهي (بروناي، كمبوديا، اندونوسيا، لاوس، ماليزيا، ماينمار، الفلبين، سنغافورة، تايلند وفيتنام) فضلاً عن (استراليا، الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية ونيوزلندا) ويمكّن ذلك الصين من كتابة قواعد التجارة في المستقبل لآسيا.

لقد كانت التجارة الخارجية احدى الادوات القوية للدبلوماسية الأمريكية، فهي وسيلة لتعزيز أحد (مبادئها الاساسية) في نشر الاصلاحات الاقتصادية في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن استخدامها بمثابة الجزرة التي أطلقت يد الولايات المتحدة للتدخل الواسع في الشؤون الدولية، وبدون هذه الجزرة فإن السياسة الخارجية لإدارة ترامب ستكون بيداً واحدة مقيدة خلف ظهرها.

وبالنسبة للسياسة المالية، فأن الدورة الحالية للكونغرس الاميركي والذي أطلق عليها بعض المحللين (دورة البطة العرجاء) lame duck session والتي بدأت يوم 14 نوفمبر الحالي بحاجة إلى، كحد أدنى، تمرير حزمة الاعتمادات قبل انتهاء صلاحية قانون التمويل الحالي في 9 ديسمبر، هذا، جنباً إلى جنب مع قانون اعتمادات الدفاع الوطني (NDAA) ومشروع قانون تنمية الموارد المائية التي من شأنها أن تشمل اعتمادات نهر فلينت بولاية ميشيغان واعتمادات إغاثة إعصار ماثيو، وعلى ما يبدو فأن الكونغرس يتطلع الى تمرير القوانين الروتينية فقط في حين يمكن معالجة بعض عناصر البرنامج الاقتصادي للرئيس المنتخب لدورة الكونغرس القادمة.

ويبدو أن الرئيس المنتخب ترامب لديه القدرة على تنفيذ بعض الوعود الانتخابية في بداية دخوله المكتب البيضاوي من مثل الانسحاب من الاتفاقات التجارية، إعادة تشغيل خط أنابيب نفط كيستون الذي يربط الولايات المتحدة بكندا، ورفع دعاوى تجارية ضد الصين، ومن ثم يمكنه سن العناصر الأساسية لبرنامجه وراء تلك الإجراءات الأولية، ومع ذلك، يتطلب ذلك التعاون مع الكونغرس، ولكن ماذا يعني هذا بالنسبة للسياسة المالية؟ يعني أبعد ما يكون عن الوضوح، فخلال العام الماضي، مع أن الاقتصاد الاميركي كان يقف على أرضية صلبة، والبنك الاحتياطي الفيدرالي ملتزما بسياساته بقوة، والتطبيع المطرد في أسعار الفائدة، على الرغم من ذلك، كانت هناك توقعات متشائمة على الصعيد المالي، فما بالك اليوم مع السياسات المالية شديدة الضبابية التي وعد ترامب بتنفيذها والتي من الممكن أن تضع الاقتصاد الاميركي في جو مشحون بالتوقعات المتشائمة، الامر الذي يؤثر سلباً على أغلب مؤشرات الاقتصاد الكلي.

لقد اشتمل برنامج الرئيس المنتخب ترامب على قائمة واسعة من القضايا الاقتصادية التي كان يود المضي فيها قدماً، في رأس هذه القائمة محاولة لإصلاح البنية التحتية القديمة، والتي على ما يبدو أن هناك تأييدا لها من كلا الحزبين، فضلاً عن التخفيضات الضريبية على نطاق واسع، ولكن التحليلات الاقتصادية تشير إلى أن خطة ترامب بشأن تخفيض الضرائب من شأنها أن تؤدي إلى زيادة كبيرة في العجز.

إن برنامج ترامب الانتخابي رسم رؤية اميركية تعتمد الحدود القومية كفكرة جديدة على الأمريكان، رؤية تنظر إلى الداخل الاميركي أكثر من أي رئيس في العصر الحديث، والتي قد تكون بمثابة مشكلة في طريق تحقيق الاستقرار والازدهار في العالم بصورة عامة.

وتبقى التوقعات بالنسبة للاقتصاد الاميركي تعتمد على ما إذا كان الرئيس الجديد سيعتمد الإفراط في فرض تغييرات سريعة ومثيرة للجدل بالنسبة للاقتصاد، والتطلع إلى الدورة القادمة للكونغرس لبناء علاقات قوية وتكوين ائتلافات فرعية من أجل تمرير اصلاحاته، ويبدو أن السيناريو الاقرب الى الواقع هو سير السياسة الاقتصادية الأمريكية في اتجاهات مجهولة، ومن المحتمل أن تكون هناك نتائج هامه ترسم صورة مختلفة للاقتصاد الاميركي في المستقبل.

* الدكتور جواد البكري، عضو ملتقى النبأ للحوار، استاذ في كلية الادارة والاقتصاد-جامعة بابل، معاون مدير مركز حمورابي للدراسات والبحوث الاستراتيجية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0