سادتي الاعزاء…كلنا يعلم اليوم أن مشكلة العراق هي ليست سياسية ولا أمنية، بل هي مشكلة اقتصادية، اذ أن جُل مطالب المتظاهرين هي مطالب اقتصادية، وكلنا يعلم مدى ارتفاع نسب البطالة، وخاصة بين فئة الشباب، وتوقف الصناعة العراقية وتعثر الاستثمار وسبات القطاع الخاص وترهل الجهاز الاداري للدولة الذي يستنزف جُل الموازنات الضخمة المتأتية عن المصدر الريعي الوحيد (النفط)، ناهيك عن البيروقراطية والفساد.

إذن والحالة هذه، ينبغي أن تكون المعالجات اقتصادية حقيقية وليست ترقيعية قد تؤدي في المدى المتوسط الى زيادة الطين بلة، ففي ظل (الاصلاحات) العاجلة التي اتخذتها الحكومة كرد فعل على تظاهرات الاول من تشرين، فإن كل المؤشرات الاقتصادية تؤدي الى ذات النتيجة وهي ثقل كاهل الدولة بأعباء لا قبيل لتحملها.

كخبراء في مجال الاقتصاد نرى أن هناك نوعين من الاصلاحات التي ينبغي على الحكومة اتخاذها، النوع الاول هي الاصلاحات قصيرة الامد التي تهدف الى امتصاص نقمة العاطلين عن العمل، والنوع الثاني هي الاصلاحات طويلة الامد التي تهدف الى استقرار الاقتصاد العراقي ومعالجة التشوهات الهيكلية التي يعاني منها، وفي هذه الورقة نحن بصدد الاصلاحات قصيرة الامد، أما الاصلاحات طويلة الامد فلا تكاد تخلو رسالة أو أطروحة أو بحث اقتصادي منشور في العراق بعد عام 2003 من معالجات لهذا النوع من الاصلاحات، وعلى العموم يمكن تناولها في مقال منفرد.

الوصفة السحرية

شملت الاجراءات التي اعلنتها الحكومة، في اغلبها، زج الالاف من العاطلين عن العمل في الجهاز الحكومي المترهل اصلاً، والذي سيزيد من الاعباء على كاهل الموازنة، إذ بلغ الانفاق الجاري من مجموع الايرادات الحكومية في موازنة عام 2019 نسبة (90%)، فكانت الايرادات الكلية (105) ترليون دينار عراقي، بينما بلغ الانفاق الجاري مبلغ (95) ترليون دينار عراقي، ولم يتبق للإنفاق الاستثماري الا (10%) علماً أن الانفاق الاستثماري هو الذي يطور البلدان وليس الانفاق الجاري، إذن على الحكومة البحث عن سبل سريعة خارج اطار الجهاز الحكومي، ولكن ماهي هذه السبل؟

أولاً. انعاش القطاع الخاص:

عندما يكون هناك قطاع خاص فاعل فإنه ممكن أن يوفر عددا هائلا من فرص العمل، واذا تساءلنا لماذا لايوجد ترهل في القطاع الحكومي في اغلب الدول الرأسمالية؟ نجد أن الجواب يتمحور حول نقطتين، الاولى أن القطاع الخاص يوفر فرص عمل أفضل من القطاع الحكومي وأعلى اجراً، والثانية وجود ضمانات في القطاع الخاص هي ذاتها في القطاع الحكومي، مثل التقاعد والضمان الصحي، وفي العراق صدر قانون العمل والضمان الاجتماعي رقم (37) لعام 2015 الذي ينظم ذلك ولكن لم يتم تفعيله.

من الجانب الاخر فإن زيادة الائتمان المقدم للقطاع الخاص من قبل الحكومة ستشكل قفزة نوعية في هذا القطاع، ولكن السؤال هل قدمت الحكومة مثل هذه الائتمانات أم لا؟ والجواب هو قدمت الكثير، والسؤال إذن اين ذهبت هذه الائتمانات ولماذا لم تطور القطاع الخاص؟ والجواب أن الائتمان المقدم للقطاع الخاص كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي ارتفع إلى (9%) في المئة في عام 2017 مقارنة مع نسبة (1%) في عام 2004، وكان متوسط معدل النمو خلال المدة (2004-2017) قد بلغت (27%)، في حين بلغت نسبة متوسط معدل النمو للإنتاجية الصناعية لذات المدة (6%) فقط، وهذا يؤشر أن نسبة كبيرة من التوسع في الائتمان المحلي لا توجه الى القطاعات الانتاجية بل الى القطاعات الاستهلاكية.

فتنمية القطاع الخاص سيجلب من الفوائد التي لايمكن احصاءها في هذه الورقة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن زيادة الانتاج الصناعي سيؤدي الى تقليل الاستيرادات من الخارج التي تتسبب يوميا في نزيف هائل من العملة الصعبة عن طريق (نافذة بيع العملة) الامر الذي يؤدي الى تقليل بيع العملة من خلال هذه النافذة تدريجياً ومن ثم زيادة الاحتياطات النقدية، وهكذا فإن تنمية القطاع الخاص سيحل الكثير من الامور المستعصية لعقود من أهمها خفض معدلات البطالة وتقليل الضغط على الجهاز الحكومي وتقليل النفقات الجارية..الخ.

إذن القطاع الخاص لايحتاج من الحكومة الا الآتي:

- تركه يعمل بحرية بدون تدخلات وتطبيق مبدأ (دعه يعمل دعه يمر).

- تفعيل القوانين الصادرة من الحكومة التي تخص القطاع الخاص.

- النظر الى القطاع الخاص كشريك وليس كند للقطاع العام، إذ أن القطاع العام لازال ينظر الى القطاع الخاص بأبوية.

- اعادة النظر بالقيود البيروقراطية التي تقف كحجر عثرة في وجه رجال الاعمال.

ثانياً. الاستثمار:

ينشط الاستثمار عند وجود مناخ استثماري ملائم، والمناخ الاستثماري يرتكز على مجموعة ركائز من أهمها الآتي:

- قانون الاستثمار: يًعد قانون الاستثمار العراقي من أفضل القوانين الاستثمارية في المنطقة، ولا توجد مشكلة في هذا الجانب.

- الشفافية: لغرض الحصول على اجازة استثمارية في العراق يتطلب الامر، في أفضل الحالات، سنة كاملة، فيواجه المستثمر جولات مكوكية بين مجموعة كبيرة من الدوائر التي تستخدم معه اعلى درجات البيروقراطية والابتزاز، علماً أن في جمهورية مصر العربية يمكنك ان تحصل على اجازة استثمارية في يوم واحد فقط. ونعتقد ان هذا الامر ليس صعباً على الاطلاق فمن الممكن أن يحصل المستثمر العراقي أو الاجنبي على اجازة استثمارية خلال اسبوع واحد، فقط عندما نعيد النظر بهيئات الاستثمار ونزيل البيروقراطية ونستخدم الحكومة الالكترونية التي تقلل من حالات الفساد المالي والاداري الى أفل حد ممكن.

ثالثاً. مكافحة الفساد:

يوصف الفساد في أدبيات الاقتصاد بأنه كـ(الهرم) ولا يجوز مكافحته من الاسفل، إذ أن الغطاء سيستمر في العمل، وانما علينا ازالة الغطاء في البداية، الامر الذي سيؤدي الى تعرية وكشف القاعدة التي ستتوقف آلياً، ولكن السؤال هل هناك ارادة سياسية لمعالجة الفساد من اعلى الهرم؟ اذا توفرت هذه الارادة فإن موضوع الفساد سيذهب دون رجعة خلال أقل من سنة واحدة، وبذلك وفرنا واحداً من أهم مرتكزات النمو والتطور.

لاحظنا من خلال الحوارات (الحكومية والمجتمعية) التي اعقبت التظاهرات الآتي: لا الحكومة ولا المتظاهرين وضعوا اصبعهم على الجرح، فالجرح هو تدني الاداء الاقتصادي وضعف ادارة المال العام، فالمشكلة ليست مالية، إذ ان العراق من الدول الغنية والتي تحتكم على احتياطات نقدية وذهبية كبيرة، فضلاً عن ايرادات النفط التي تفوق (100) مليار دولار سنوياً، الا أن المشكلة تكمن في توزيع الدخل بين افراد المجتمع العراقي، فنجب أن نقف جميعاً اليوم صفاً واحداً مع اجراءات عملية لإعادة توزيع الدخل وانقاذ البلد من هذه الازمة، وتكمن هذه الاجراءات في انعاش القطاع الخاص وتفعيل الاستثمار ومكافحة الفساد بصورة علمية.

* الاستاذ الدكتور جواد كاظم البكري-جامعة بابل-كلية الادارة والاقتصاد

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

22