تضم آسيا الوسطى، أو بلاد ما وراء النهرين كما توصف تاريخياً، خمسة دول هي: كازاخستان وتركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان. وقد شهدت هذه المنطقة تطورات واضحة في حركتها الإحتجاجية بدأت بشكل واضح ومؤثر بعد عام 2003، إذ كان للوضع السياسي الشمولي الذي تعيشه تلك الدول، إلى جانب تطورات الوضع الدولي بشكل خاص بعد الحرب في أفغانستان والعراق وتنامي دور الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً في العالم إلى حركة إحتجاجية من قبل شعوب هذه الدول ضد الأنظمة الإستبدادية الحاكمة فيها. سميت هذه الثورات بالثورات الملونة كون أنها قد استخدمت أعلاماً ملونة في نقل إحتجاجها الشعبي ضد الأنظمة، حيث كانت برتقالية في أوكرانيا في 2004 وقبلها حمراء في جورجياعام 2003.

نتائج مضطربة لم تحقق الطموح

لم تكن الحالة السياسية تتجه نحو الإستقرار رغم القوة الشعبية المشاركة في ثورات أسيا الوسطى أو كما يحلو للبعض تسميتها بالإحتجاجات الملونة، إذ لم يتضح التغيير في معظم الحركات الشعبية التي قامت فيها، رغم أن البعض يعدها مصدر إلهام للحركات الشعبية في منطقة الشرق الأوسط، خاصةً في تونس ومصر.

وفي قيزغستان تم الإطاحة بنظام عسكر آكاييف الذي كان موالياً لروسيا ليتولى بعده المعتقل في حينها كرمان بك باكييف الذي أخرجه الثوار من السجن في عام 2006 الرئاسة، إلا أن صعوبة التغيير في هيكل السياسات القائمة في قيزغستان دفع المتظاهرون إلى الإنتفاضة عليه مرة أخرى ليقوم بإجراء إصلاحات حقيقة تنعكس على حياة الفقراء من الشعب في قيزغستان.

لم تكن بقية الدول في أسيا الوسطى أفضل حالاً من هذا الوضع، إذ أن حالة الإحتكار في السلطة يعد الميزة الواضحة لهذه الأنظمة. فالوضع في آسيا الوسطى بإستثناء قيزغستان لايتجه نحو التحديث والإصلاح في السياسات العامة أو في مجال تحديث البنى الأساسية للمجتمع، مما يجعل الإصلاح أمراً غير ممكن. ففي قيزغستان بدأت خطط الرئيس باكييف تتجه نحو توريث الحكم إلى نجله (مكسيم) الذي قام بتعينه كرئيس لوكالة المشروعات التنموية وهو مايدفع بإتجاهات الشمولية من جديد في إدارة الحكم.

أما في كازاخستان التي تعد أكبر دول أسيا الوسطى مساحة فإنها تعتبر بلداً ديكتاتورياً بنص الدستور، انطلاقاً من الصلاحيات المطلقة والحقوق الممنوحة للرئيس، فلرئيس الدولة وحده حق اقتراح إدخال تعديلات على الدستور، وتسمية وتنحية أعضاء الحكومة، وحل البرلمان، واقتراح استفتاءات عامة في البلاد، وتعيين وتنحية حكام الأقاليم الكبرى، ومدينتي الأستانا وألماتا، عاصمتي البلاد القديمة والجديدة.

روسيا العمق الحيوي في آسيا الوسطى

ترى روسيا أن آسيا الوسطى هي حديقتها الخلفية، إذ أنها مجال حدود قوتها السياسية وعمقها الإستراتيجي يتأثر بشكل كبير بالوضع في هذه المنطقة. وهي بذلك ترى أن تتبدل في وضع الأنظمة السياسية لهذه الدول سوف يكون له تأثير سلبي عليها.

لقد إستقرت الأنظمة السياسية في آسيا الوسطى سواء في طاجكستان أو كازاخستان إلى تبني نظام سياسي في إدارة الحكم في البلاد يشبه إلى حد كبير الطريقة المتبعة في روسيا، وهذه المحاكاة في الإدارة تبين إلى حد كبير درجة تأثير النفوذ الروسي في هذه المنطقة. فروسيا تنظر إلى آسيا الوسطى كحديقة خلفية لها بعد إنتهاء الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفيتي وهي تسعى إلى ضبط أي خيارات للإستراتيجيات الإقليمية والعالمية هناك.

ويرى البعض من المراقبين أن طبيعة الفوضى في العراق وأفغانستان كان لها أثراً كبيراً في تراجع الرغبة في الإستمرار بالإحتجاجات، فمن حيث المقارنة ما شهدته دولة مثل كازاخستان من حراك شعبي في بداية العهد السوفياتي وماتعيشه اليوم، فما بين العامين 1929 و1931 شهدت كازاخستان 372 حالة تمرد وثورة اعتراضا على أوضاع الفقر والتسخير الجماعي، بينما لا تستطيع المعارضة اليوم حشد أكثر من بضع عشرات من المتظاهرين.

وفقاً لهذه المعطيات فإن طبيعة التأثير الروسي في المنطقة وطبيعة التنافس الذي تشهده من قبل الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والصين، فإن الحفاظ على وجود الدولة كمؤسسة أكثر ما يهيمن على الوضع العام في آسيا الوسطى، الأمر الذي دفع بتنامي الإستبداد في دول آسيا الوسطى.

مآلات غير محسوبة

ترى بعض شعوب آسيا الوسطى أن إنتهاء هيمنة الإتحاد السوفيتي وعودة شعوب آسيا الوسطى إلى جذورها الإسلامية بعد قطيعة قهرية طويلة بدأت مع الاستعمار الروسي على يد القياصرة واستمرت إلى تفكك الاتحاد السوفياتي سيكون لها أثراً مهماً في بناء الذات الشعبية والحصول على مزيد من الحرية الدينية وممارسة الحقوق الأساسية، فشهدت هذه الدول توجها ملحوظاً نحو التدين وبناء المساجد والمدارس للعلوم الدينية، كما شهدت إنشاء العديد من الأحزاب السياسية ذات التوجهات الإسلامية، إلا أن هذه التوجهات الشعبية اصطدمت بإستبدادية الأنظمة الحاكمة التي ما زالت تدير البلاد في ظروف استثنائية. فالوضع السياسي والإجتماعي لشعوب هذه المنطقة مايزال غير قادر على إحداث التغيير، خاصةً وأن رؤى الأحزاب والتيارات الموجودة فيها غير منسجمة أو متوافقة على طريقة إحداث التغيير، فضياع قوة الشعوب بين المطالبة بالتغيير بالقوة أو بالممارسة السياسية من خلال الإصلاح أو المشاركة السياسية أضاع شعوب هذه المنطقة في مزيد من الإستبدادية للسلطة الحاكمة، مما جعل دول هذه المنطقة تعيش الإستبداد بنهايات جديدة لاتحقق أي مستوى واضح من الحريات السياسية فيها.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0