قاد الإنقلابيون العسكريون الأتراك في ليلة السادس عشر من شهر تموز الجاري حركة إنقلابية مفاجئة من أجل الإطاحة بالحكومة التركية الحالية التابعة للحزب الإسلامي التركي "حزب العدالة والتنمية" وبرئيس الدولة طيّب رجب أوردغان، رافعة شعار المحافظة على قيم الديمقراطية وعلى حقوق الإنسان في هذا البلد. لم يكن عمر هذا الإنقلاب العسكري طويلا حيث تصدى له إنقلاب آخر قاده مدنيون من أنصار الرئيس التركي وحزبه الحاكم إضافة الى شرائح أخرى من الشعب لا يروق لها عودة الجيش في حكم البلاد في عالم جديد تغيرت فيه المعالم والسجايا والتصرفات!

رغم الشعبية الكبيرة التي حاز عليها الرئيس التركي رجب طيّب أوردغان بسبب التطور والإزدهار الإقتصادي الذي حصل إبان حكمه في تركيا من جهة، وتبوّئه لمركز الصدارة في نفوذه المؤثر وفرض الرأي على الصعيد المحلي والمناطقي والدولي من جهة أخرى، فان حكم أوردغان لم يخلو من الأخطاء والمطبات.

هذه السلبيات في حكمه أغاضت الآخرين سواء كان ذلك على الصعيد الداخلي المحلي أو الخارجي الدولي وفي شتى المجالات سواء كانت السياسية أو الإنسانية أو الإجتماعية أو على صعيد العلاقات الخارجية الدولية. رغبة أوردغان بإحداث تغييرات جوهرية في روح الدستور التركي كجعل النظام السياسي في تركيا نظاما رئاسيا كي يتمتع شخصيّا بالصلاحيات الكبرى التي تمنحه حرية التصرف في شؤون البلاد، حفزت المنظومة العسكرية على التململ والإعتراض.

كما أن سياساته المتشددة في دحر كل من يعارضه بالتصرف والقول والتفكير، من سياسيين ورجال قانون ومدافعين عن حقوق الإنسان وعن الحرية العامة وصحفيين وغيرهم، خلقت حنقا كبيرا في النفوس وزادت من عداء المناوئين السياسيين له. فقد وصفه المعارضون لسياساته بأنه رجل متجبر دكتاتور لا يأبه برأي الآخرين ويتخذ قراراته المتناقضة في كثير من الأحيان بنفسه.

الإنتقادات الموجهة الى سياسات أوردغان لم تقتصر على المناوئين له في الداخل التركي فحسب بل إمتدت الى بعض السياسيين الغربيين وبعض سياسي المنطقة بشكل عام. لا يعتبر أوردغان شخصية مثالية أو محبوبة عند الغرب بسبب بعض المواقف في الأحداث الساخنة الجارية كموقفه الضاغط على الغرب في تمرير إراداته وتطلعاته ثمنا للتعاون في حل أزمة اللاجئين المتوجهين الى أوربا عبر الأراضي التركية. فقد بيّن نفسه بأنه شريك غير سهل للغرب حتى وصل الحنق وردود الأفعال عند السياسيين الغربيين الى حد تصويت البرلمان الألماني بالإغلبية بإعتبار الأتراك كانوا قد إرتكبوا مجازر ضد الإنسانية إزاء الأرمن إبان حكم الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها.

كما أن تصريحات جون ميجر رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، خلال الحملة الإستفتائية لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي، كانت ساخرة ومهينة للأتراك. وفوق كل هذا وذاك فأنه لم يستلم الثمن الذي كان يتوقعه من الغرب جزاءا لتعرضه للطائرة الحربية الروسية التي أسقطها في سوريا، مما حدى به وكردة فعل معاكسة أن يفتح صفحة جديدة مع الروس ليبرم خلالها صفقة تعاون إقتصادي وتفاهم سياسي معهم وهذا الأمر لا يروق للغرب حتما بتفاصيله وبنوده....!

ثم أن الرئيس أوردغان على خلاف مستمر مع الإدارة الأمريكية في كثير من الشؤون منها: التعاون العسكري واللوجستي بين أمريكا وأكراد سوريا لضرب منظمة داعش من جهة، وإحتضان أمريكا للقائد الديني التركي فتح الله غولن الذي يعتبر العدو الأكبر لأوردغان من جهة أخرى، مما شنج العلاقات بين الطرفين ولو بشكل مستتر.

أما على صعيد المنطقة فقد أتخذ الرئيس التركي مواقف موجهة متشددة وجريئة تتعلق بخصوص دول الجوار ودول المنطقة. فقد صار على خلاف مع الحكم العسكري في مصر والدول المساندة له لأنه أطاح بحكم الاخوان المسلمين الذي يولي له المناصرة بسبب التقارب في الرؤى والأفكار والسياسات. كما أن تدخله بالشأن السوري ومعاداته لنظام الحكم في سوريا ومساعداته العسكرية واللوجستية لمعارضي هذا النظام، أثارت حنق السياسيين الإيرانيين وبعض السياسيين العراقيين ونقمة الحكومة السورية. التغيّر المفاجىء في سياساته وتعامله مع قوات "داعش" في سوريا والعراق، بتأثير الضغط الغربي عليه، قد حفز داعش على القيام بأعمال إرهابية داخل العمق التركي كردة فعل لهذا التغيير.

هذه الأمور وغيرها من التناقضات السياسية في سياسة أوردغان، جعلت دائرة الضجر الداخلية والخارجية لسياساته تكبر وتتسع مما شجع قوى العسكر بالتخطيط للإنقضاض على حكم أوردغان مستغلة غيابه في قضاء عطلته الصيفية على الساحل التركي في منتجع "مارمريز"....

غير أنه تجري الرياح على ما لا تشتهي السفن! فقد فشل الإنقلاب العسكري بعد أن واجهه إنقلاب شعبي مضاد كان أقوى منه، وهنا نذكر موجزا لأهم أسباب فشل هذا الإنقلاب العسكري:

أولا: خطط الإنقلاب لم تكن دقيقة ومحكمة حيث يتجلى ذلك بحقيقة أن الإنقلابيين لم يمسكوا برأس الهرم منذ البداية فقد كان الرئيس أوردغان حرا طليقا ساعة إعلان هذا الإنقلاب مما حدى به أن يفلت من قبضة الإنقلابيين ويوجه نداءات الى الشعب من خلال هاتفه الذكي وعن طريق وسائل التواصل الإجتماعي التي كان يكرهها أصلا! كما أن الإنقلابيين لم يمسكوا برئيس الوزراء ولا بوزرائه فصاروا كمن يمسك الثور من ذيله!. في الإنقلابات الناجحة يتم القبض على رأس السلطة من أول وهلة لقطع خط الرجعة، ثم يعلن الإنقلاب كي لا تنجح ردود الأفعال التي تكون حتمية ومؤثرة إن بقي رأس السلطة طليقا، خصوصا أذا كان يتمتع بمد جماهيري وقاعدة شعبية مهمة ونفوذ في الدولة.

ثانيا: الشعوب هذا اليوم تختلف عن شعوب الأمس فهي لا ترتضي أن يتدخل الجيش بشؤون الأمة وهي لا ترتضي أن يسقط حكم جاءت به الديمقراطية بيد شريحة تستخدم السلاح والقوة ومهما كانت الذرائع والمبررات.... حتى الأحزاب المعارضة والتي هي خارج السلطة لا ترتضي تدخل الجيش في الشؤون السياسية وفرض إرادة قوة السلاح على إرادة الشعب. إذن زمن الإنقلابات العسكرية قد يكون ولىّ وفات في عصر تنتشر به الكلمة وتبث الأخبار بأسرع من لمح البصر ويستنكر فيه أي فعل تنقصه ملامح التطور الإنساني وسمة الحضارة والمدنية. مهما كان الإنقلاب العسكري قويّا فإنقلاب الشعوب سيكون أقوى منه في عالم نوافذه الكبيرة مفتوحة!.

ثالثا: فات الإنقلابيون التنسيق المحكم مع أطراف متنفذة في الدولة التركية، فقوات الشرطة كانت في منأى عن تفاصيل الإنقلاب ولم يكن لقادتها علم بفكرة الإنقلاب فما كان عليهم إلاّ أن يدافعوا عن مراكزهم ومناطق سيطرتهم ونفوذهم طاعة للقوانين ولأصول المهنة. تصدي الشرطة للإنقلابيين أوقف التقدم في تحقيق الأهداف أو على الأقل أعاق ذلك التقدم وأخره في ظروف تحتاج سرعة الحركة ودقة الفعل. هشاشة التنسيق في خطة الإنقلاب طالت صفوف الإنقلابيين أنفسهم، فما هو تفسير إسقاط طائرة مروحية عسكرية تنقل إنقلابيين بواسطة طائرة حربية مقاتلة!؟ ألا يعني هذا وجود إنشقاق أو تناقض داخل المؤسسة العسكرية نفسها أمام الحدث!؟.

رابعا: المقارن للإنقلاب العسكري التركي بالإنقلاب العسكري في مصر والذي قاده الرئيس السيسي يجد أوجه إختلاف بين الحالتين، إذ أن الشعب المصري كان متذمرا بشكل عام من حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي ومنتفض عليه وعلى حزبه حزب " الأخوان المسلمين" بسبب سوء في الإدارة وخطأ في التصرف مما أدى ذلك الى تأزم الحالة المعاشية والإجتماعية للمصريين رغم قصر عمر فترة الحكم. تلك الظروف الخاصة مهدت الى الإنقلاب العسكري من أجل التغيير وهذه الصورة لا تنطبق على الحالة في تركيا حيث أبقى حزب العدالة والتنمية الحاكم على شعبيته وعلى النسبة العددية لناخبيه على مر سنين الحكم!

قد تُخلق لهذا الإنقلاب العسكري آثار وردود أفعال تتفاوت في درجاتها وطبيعتها وإحتماليات ورودها إذ قد تكون في صالح النظام الحاكم من جهة أو قد تكون على العكس من ذلك من جهة أخرى،حيث يمكن للمحلل وللمراقب للوضع أن يتكهن وينظر في ذلك. ومهما يكن من أمر فالسياسي الحكيم في ظل هذه الأحداث قد يستطيع أن يستقي الدروس والعبر ويتفاعل طبقا لمقتضيات المرحلة والحالة من أجل تجنب الإنزلاق في المتاهات والمطبات الكثيرة القادمة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0