أعلن البيت الأبيض في الثاني من كانون الثانييناير 2015 ان الرئيس باراك اوباما أجاز عقوبات اضافية على كوريا الشمالية في أول رد أمريكي على هجوم الكتروني مزعوم على شركة سونى للتصوير الفني. ووفقا لوزارة الخزانة الامريكية فان العقوبات الاضافية تستهدف ثلاث شركات و10 مسؤولين بالحكومة الكورية الشمالية من بينهم افراد يعملون في إيران وسوريا والصين وروسيا وناميبيا. وتأتي هذه الاجراءات إثر اتهام أمريكي للسلطات الكورية الشمالية بالقرصنة الالكترونية في الآونة الأخيرة وبحسب الاعلان فان القرصنة " هي واحدة من "الاستفزازات العديدة" التي تقوم بها بيونغ يانغ ". وهذه ليست المرة الأولى التي تتحرك فيها الولايات المتحدة لمعاقبة أي دولة بسبب هجوم الكتروني على شركة أمريكية.

العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة على كوريا الشمالية ليست الأولى كما أنها ليست الأخيرة أيضا. فمنذ انتهاء الحرب الكورية عام 1955 من القرن الماضي تتعايش كوريا الشمالية مع العقوبات الأمريكية تارة وعقوبات مجلس الأمن الدولي تارة أخرى. ولابد من التذكير بأن العقوبات الأخيرة تأتي بالاضافة الى عقوبات سابقة فرضت عليها بالتزامن مع طموحاتها لحيازة السلاح النووي الذي تعتبره حقا مشروعا للدفاع عن النفس. فكوريا الشمالية تواجه أعداءا لا عدوا واحدا، فالولايات المتحدة لم تكن أبدا دولة صديقة لكوريا حتى قبل ان تنقسم الى كوريا جنوبية وأخرى شمالية. فبعد احتلالها لكوريا عشية استسلام اليابان نهاية الحرب العالمية الثانية فرضت أمريكا حكما عسكريا مباشرا على كوريا مستخدمة كافة الاجهزة الحكومية الادارية والبوليسية والعسكرية الفاشية التي خلفها اليابانيون وراءهم بعد هزيمتهم وانسحابهم من كوريا بعد أربعين عاما من الهيمنة الهمجية المباشرة. وما الجيش الأمريكي المتواجد حاليا في الشطر الجنوبي من كوريا بعد تقسيمها عام 1955 الا أداة احتلال في الانتظار لانتهاز الفرص للعبور الى ما بعد خط العرض 38 الفاصل بين الكوريتين ليمد هيمنته على كوريا الشمالية ايضا.

وتأكيدا لتوجهها هذا تحاول الولايات المتحدة دون كلل اخضاع مجلس الامن الدولي لمصالحها الخاصة من خلال الضغوط على دوله الخمسة عشر لتمرير قرارات تخدم مصالحها الامبريالية لكنها لم تتمكن في السابق بسبب وجود الصين الشعبية الاتحاد السوفييتي قبل تفككه. واذا ما تعذر عليها تمرير قرارات داخل مجلس الأمن فانها تنفرد بفرض ارادتها بالتعاون مع دول تابعة لها عبر ابتزازها لإجبارها على تأييد سياستها العدائية ضد الدول الأخرى وهذا ما حصل في حالة كوريا منذ منتصف الخمسينيات وحاليا وكوبا منذ عام 1960وايران منذ ثورة الخميني وروسيا منذ الازمة الأوكرانية.

وما عدا ذلك وبضغوط من الولايات المتحدة أيضا تخضع كوريا الشمالية لعقوبات اقتصادية وسياسية بناء على قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي اتخذها بعد اجراء كوريا أولى تجاربها على السلاح النووي وعلى صواريخ بالستيكية بعيدة المدى عام 2004. وتلا ذلك في 15 يوليو (تموز) 2006 حيث اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 1695 الذي أدان كوريا الشمالية على تجربة إطلاق صواريخ في الخامس من يوليو تموز. تَضمّن القرار إجراءات مُلزِمة لبيونغ يانغ التي أطلقت سبعة صواريخ بينها صاروخ تايبودونغ-2 القادر نظريا على بلوغ الأراضي الأميركية. وفي 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2006 اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 1718 الذي يعاقب كوريا الشمالية على التجربة النووية التي أجرتها في 9 أكتوبر (تشرين الأول) 2006. وبنفس الوقت قامت اليابان من جانبها بفرض عقوباتها الاقتصادية الخاصة بعد التجربة الكورية الشمالية المشار اليها متعهدة بتشديد العقوبات في حال انتهاك جديد لقرارات الأمم المتحدة.

وفي 24 أبريل (نيسان) 2009 فرضت الأمم المتحدة عقوبات على ثلاث شركات كورية شمالية لمشاركتها في نشاطات تجارب على الصواريخ البالستيكية التي أجرتها في الخامس من أبريل (نيسان).

وقد ازدادت محاولات الولايات المتحدة للتأثير على سياسات دول العالم سواء كانت دولا صديقة أو حليفة أو منافسة لها في زعامة العالم لتبقى لها اليد الأقوى في الهيمنة على الموارد الطبيعية والممرات البحرية الجيوستراتيجية. وتجدر الاشارة هنا الى أن أكثر الدول الغربية سواء كانت ضمن الاتحاد الأوربي أو خارجه تعتبر دولا صديقة بمعني التزامها بما تمليه عليها الولايات المتحدة الأمريكية. بينما ترتبط الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بمعاهدات دفاع مشترك في حالة الحرب والتعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري زمن السلم وأثناء التوترات السياسية مع دول ليست أعضاء في التحالف الأطلسي. وما ينطبق على دول التحالف الأطلسي ينطبق على دول كالسعودية ودول الخليج فهذه وان لم تنتمي رسميا للحلف لكنها تحت حمايته في حالة تعرضها لأي تهديد داخلي أو خارجي وبنفس الوقت تكون مستعدة لخدمة الاهداف الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية دون تردد.

وينظر لروسيا الاتحادية اليوم في ظل سياسة الرئيس باراك أوباما بكونها دولة منافسة مارقة ويجرى التعامل معها من قبل الدول الحليفة والصديقة وفق المعايير التي يضعها الأمريكيون برغم الأضرار الاقتصادية التي تتعرض لها نتيجة لهذا الاصطفاف الذي يذكر بالموقف من الاتحاد السوفييتي ابان فترة الحرب الباردة. وتمثل العقوبات الأمريكية الحالية المفروضة على روسيا التي يلتزم بها معظم الدول الغربية مثالا لهذه التبعية الميكانيكية للولايات المتحدة. وقد دفعت السياسة الأمريكية الحالية روسيا الى التقارب أكثر مع الدول الصاعدة كالصين والبرازيل والهند وجمهورية جنوب أفريقيا ودول ما وراء القفقاس حيث تتعاون جميعا من خلال مجموعة من المؤسسات الاقتصادية والنقدية والمالية يجري تعزيزها تدريجيا لتكون تجمعا اقتصاديا هائل الحجم يضم أكثر من ثلث سكان العالم وتحت تصرفه ثروات طبيعية تضمن الرخاء لسكان التجمع الاقتصادي الجديد. وتعتبر مجموعة دول البريكس وشنغهاي السوق المشتركة المستقبلية وربما التحالف العسكري المنافس للحلف الأطلسي الذي سيضم ثلاثة دول نووية يعزز ويدافع عن المصالح الاقتصادية والسياسية لأعضائه.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0