على الرغم من أن مسار الاحداث العالمية لا يسلط الضوء حالياً بشكل كبير على البرنامج النووي لكوريا الشمالية، حتى ان الاخبار عن هذا البلد قد تلاشت من العناوين الرئيسية، بسبب الحرب على غزة والحرب الروسية الاوكرانية والتصعيد الامريكي الايراني في منطقة الشرق الاوسط، إلا أن كوريا الشمالية استغلت ذلك واستمرت في تحسين قدراتها النووية، وتستطيع الآن أن تصل إلى أي موقع في الولايات المتحدة بسلاح نووي، بعد قيام بيونغ يانغ (عاصمة كوريا الشمالية) بتنويع أنظمة الإطلاق الخاصة بها لإطلاق الصواريخ النووية بعيدة المدى، مما يجعل ترساناتها أكثر عرضة للنجاة والاستيعاب من أي ضربة او هجوم استباقي.

وفي غياب اتفاق للحد من برامجها النووية والصاروخية، فإن ترسانة كوريا الشمالية سوف تصبح أكثر فتكاً، خاصة مع انشغال ادارة الرئيس بايدن بالتحديات الخارجية المذكورة اضافة الى السباق الرئاسي القادم.

وكان إبرام هذا الاتفاق في طليعة أجندة السياسة الخارجية للرئيس السابق دونالد ترامب في وقت مبكر، ولكن على الرغم من فترة تحسن العلاقات بين كوريا الشمالية والجنوبية والاجتماعين المباشرين غير المسبوقين بين ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لم يتم إحراز أي تقدم واضح نحو نزع السلاح النووي، وبدلا من تحقيق مكاسب لترامب في السياسة الخارجية، منح كيم نصرا هائلا وخسر ترامب الانتخابات الرئاسية، ومن خلال التعامل مع ترامب، لم يتجنب الزعيم الكوري الشمالي المواجهة العسكرية فحسب، بل حصل أيضاً على تنازلات بما في ذلك تعليق بعض التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بالقرب من بيونغ يانغ.

كما أدى نهج ترامب إلى حفر حفرة لخليفته الرئيس جو بايدن، وكان إصراره على الاجتماع مع كيم في قمم معدة للظهور في وسائل الاعلام، سبباً في تقويض عمل الدبلوماسيين الأمريكيين المستمرة في تحقيق اختراق ضاغط على السلاح النووي الكوري الشمالي، وانعكس ذلك بشكل واضح في عهد الرئيس بايدن، اذ أطلقت كوريا الشمالية عدة تهديدات تحذيرية مبكرة على ادارة بايدن، بما في ذلك تصريحات عدوانية قبل المناورات العسكرية الأمريكية المشتركة مع كوريا الجنوبية وسلسلة من اختبارات الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، وتجنب بايدن الرد بشكل مباشر، في حين أشار إلى أنه منفتح على تجديد الدبلوماسية النووية، بل إنه سيجتمع مع كيم إذا كان ذلك قد يساعد، على الرغم من أنه كان تاريخياً من الصقور الرافضين لتطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية، حينما كان نائباً للرئيس الاسبق اوباما.

لكن حتى الآن لم يتخذ بايدن أي خطوات نحو موقف أكثر مرونة او حتى صلابة، بما في ذلك احتمال تخفيف العقوبات الأمريكية، كما أنه لم يشر إلى أي استعداد لتغيير موقف أمريكا بشكل كبير بشأن إزالة الترسانة النووية لكوريا الشمالية، باعتباره الهدف النهائي لأي مفاوضات، ومع اتخاذ الرئيس الكوري الجنوبي المحافظ يون سوك يول موقفاً أكثر تشدداً بشأن العلاقات مع الشمال، خاصة حينما انخرطت بيونغ يانغ في عدد غير مسبوق من عمليات إطلاق الصواريخ على مدى العامين الماضيين، مما يشير إلى أن نافذة المشاركة بأي مفاوضات للوصول الى اتفاق او تحقيق اختراق او تقدم لاحتواء بيونغ يانغ اصبحت مغلقة بشكل كبير.

ومن ناحية أخرى، استمر مواطنو كوريا الشمالية في المعاناة من تكاليف عزلة البلاد، وسوء إدارة الرئيس كيم، ومع استمرار فرض العقوبات العالمية، يظل السكان يعتمدون على الأسواق غير الرسمية التي يتم التسامح معها رسمياً، ويواجهون مطالب الرشوة المستمرة من المسؤولين الكوريين الشماليين، وفقاً لتقرير صدر عام 2019 عن مسؤولي حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

وقدر برنامج الغذاء العالمي أن أكثر من 10 ملايين كوري شمالي كانوا يعانون من نقص الغذاء، وكان ذلك قبل تأثير جائحة فيروس كورونا، الذي نفى بيونغ يانغ وصوله إلى البلاد حتى مايو 2022، وهذا الحال مستمر منذ تولي كيم السلطة في عام 2011، ولم يستطيع تطوير اقتصاد البلاد، والاولوية كانت متمركزة نحو تحقيق القدرة على إنتاج الأسلحة النووية، وكجزء من اجراءات المواجهة لاحتواء السكان انتهج كيم سياسة القسوة المفرطة، ولكن لم يحصل اي تحسن ملموس في حالة السكان ولهذا هو يدرك ومواطنوه كذلك ان تحقيق هذا التحسن يتطلب رفع العقوبات الدولية عن البلد، وهذا مدخل مهم لتوقع وجود انفراجة في مواجهة السلاح النووي الكوري الشمالي وتداعيات ايقافه واحتواءه.

ما سيحدث بعد ذلك، يرتبط بسياسة بايدن تجاه كوريا الشمالية التي لم تكون أكثر فعالية من سياسات أسلافه لغاية الان، ولم تدفعه موجة التجارب الصاروخية الأخيرة التي أجرتها بيونغ يانغ إلى إعادة الانخراط في المفاوضات او ممارسة الضغوطات القصوى، وهذا سيكون له انعكاسات على كيفية تطور العلاقات بين الكوريتين، واصبح واضحاً حينما نبه كيم جونغ أون واشنطن وسيئول مؤخرا تخليه عن سياسة السعي إلى الوحدة السلمية مع الجنوب، وهذا تنبيه لا ينبغي ان يتم النظر إليه بشكل سطحي لانه يمثل تغيير جوهري كبير في سياسة بيونغ يانغ في التعامل مع الجنوب في اطار توحيد غير سلمي من جهة، وخنق اطار المفاوضات مع واشنطن من جهة اخرى، باعتباره ليس مجرد تهديد أو خطاب، كما هو معروف عن كيم، رغم انه قابل للتراجع حسب معطيات التعامل الامريكي الغربي مع كوريا الشمالية.

ويؤكد هذا السلوك استمرار كوريا الشمالية بتطوير البرامج النووية والصاروخية، اذ أجرت عددا غير مسبوق من تجارب الإطلاق على مدى السنوات الاربعة الماضية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، ومن غير المؤكد ما إذا كان ذلك بمثابة محاولة للضغط على إدارة بايدن للجلوس إلى طاولة المفاوضات، ام انه تصعيد خطير غير قابل للتفاوض، ولكن هناك رسالة واحدة وواضحة: إن كوريا الشمالية تمضي قدماً في تطوير أسلحتها النووية حتى مع وجود افتراض مفاوضات مستقبلاً حول ذلك.

ولهذا يجب على واشنطن إعادة التفكير في نهجها تجاه وضع الأسلحة النووية لكوريا الشمالية كجزء من جهد أوسع لإنقاذ أجندة الحد من هذه الأسلحة، في حين لا ينبغي بذات الوقت للولايات المتحدة التفكير بحظر او تدمير الجهود النووية لكوريا الشمالية، الا من بوابة واحدة وهي: توحيد المعايير المتبعة ازاء الانتشار النووي العالمي والحد منه، وخلاف ذلك سيعمل البرنامج النووي لكوريا الشمالية على الدخول في حقبة خطيرة ومرتفعة من المخاطر، تتمثل بخلق سباق تسلح إقليمي يدفع اليابان وكوريا الجنوبية إلى إعادة النظر في خياراتهما النووية.

هذه المتغيرات والمعطيات يجب ان تدفع واشنطن الان الى تبني دبلوماسية نووية ذات معايير واضحة، مختلفة عما سلكه ترامب مع كوريا الشمالية، التي بدأت بداية عدائية بين ترامب وكيم، بدا أن الاثنين ودودان تجاه بعضهما البعض، ولكن في نهاية المطاف، فشل فريق ترامب في تخصيص موارد كافية لمشاركته الدبلوماسية أو توسيع نطاق المحادثات إلى ما هو أبعد من مجرد نزع السلاح النووي، وهو ما وضع كيم ربما في زاوية غير مغلقة.

اما بايدن فقد نأى بنفسه عن كلام سلفه المنمق، مشيراً علناً إلى استعداده لاستئناف المحادثات، لكن رد بيونغ يانغ حتى الآن يشير إلى أنه سيواجه صعوبة كبيرة في تحقيق أي نتائج أفضل، لذلك ينتهج بايدن مقاربة محافظة تجاه كوريا الشمالية قد تنذر بكارثة، اذا استمر تقاعسه الخطير الذي يتجنب المخاطرة بشأن كوريا الشمالية. وذلك يجعل بيونغ يانغ تجلس في مقعد السائق عندما يتعلق الأمر بتحديد شروط العلاقات مع إدارة بايدن الجديدة، وهذا الامر يجعل بايدن متراجعاً لغاية الان في انتهاج دبلوماسية ناجحة ازاء كوريا الشمالية.

في نهاية المطاف ليس لدى الولايات المتحدة طرق سهلة للمضي قدماً فيما يتعلق بكوريا الشمالية وليس لديها خيارات متعددة للتعامل مع التحدي النووي الكوري الشمالي، وقد يكون ذلك سجلا اضافيا اخرا لواشنطن في التراجع والتأثير في النظام الدولي وتعديل سلوكياته نحو صعود لاعبين اقليميين ودوليين اخرين في هذا النظام، تعمل على تأكيد زعزعة مكانة الولايات المتحدة وزعامتها للنظام القائم، وتأكيد فرضيات العزلة والاخفاق في تحقيق المصالح الامريكية من جهة، وحلفاءها من جهة اخرى.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2024 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق