الدكتاتورية العربية الوحيدة الباقية على قيد الحياة التي لم تذعن لهيمنة الإدارة الأمريكية هي سوريا التي بدونها فان استكمال تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى يبقى معلقا. وبناء عليه تبذل حاليا ومستقبلا كل السبل لإزالة هذه العقبة بما فيها اختلاق المبررات الكاذبة لكسر معنويات شعبها واذلاله وتهجير مواطنيه تماما كما فعلوا مع الشعب الفلسطيني عبر العقود الستة الماضية.

ان فبركة الأكاذيب سياسة ثابتة في فلسفة الخارجية الأمريكية، فكارثة الحادي عشر من سبتمبر 2002 ومسرحية أسلحة الدمار الشامل العراقية ما تزال طرية في الذاكرة. وها هو العراق تقطع أوصاله أمام أعيننا لتحويله إلى دولة طوائف تقاتل بعضها بعضا حول الأراضي والنفوذ والموارد المائية والأصولية ليكون صورة نموذجية لسوريا الغد. فبعد تدمير أسس الدولة المدنية وجيشها ووحدتها السياسية سيشرع فورا بالانتقال إلى تنفيذ المرحلة التالية. المرحلة التي طال انتظارها وتبدأ بتفتيت كيان سوريا بتقسيمها إلى كيانات متناحرة اثنيا ومذهبيا ودينيا وقبليا يعود بهم إلى عصور التخلف والهمجية.

ان مفبركي كذبة قصف الطيران السوري والروسي للمدنيين في ضواحي أدلب بالغاز السام هم ذاتهم من فبرك كذبة حيازة العراق على مواد صنع السلاح النووي التي مهدت لاحتلاله من قبل القوات الأمريكية والغربية عام 2003. الصحفيان ميشيل جوردون وأنا برنار معروفان بتأييدهما لأهداف تغيير الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط التي يسعى اليها المحافظون الجدد المهيمنون على رسم وتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية. فجوردون هو نفسه الذي فبرك قصة أنابيب الألمنيون التي أثيرت بكونها دليلا ماديا لإدانة العراق ومن ثم تبرير غزوه.

ومعلوم ان تلك الأسطورة المفبركة في شهر سبتمبر 2002 كانت لغرض اقناع الرأي العام الأمريكي بخطة الرئيس جورج بوش الابن لغزو العراق في حين كانت تلك الأنابيب مخصصة في الأصل لاستخدامها في صنع قذائف الصواريخ العادية المستخدمة من قبل الجيش العراقي.

الصحفيان المذكوران كانا أيضا وراء كذبة قصف الطيران السوري للمدنيين بغاز السارين في 21/8/2013 التي ثبت فيما بعد عدم صحتها تماما. فقد قام الصحفي البريطاني المعروف سايمون هيرش بالتحقق بنفسه من الخبر وأثبت عدم صحته. لقد جاء في تقريره ان من نفذ عملية القصف هي منظمة إرهابية مدعومة من قبل تركيا قام ضباط من الجيش التركي بتزويدها بقذائف الغاز السام. وظهر فيما بعد ان الصحفيين المذكورين ينسقان نشاطهما الإعلامي مع منظمة الخوذ البيضاء وهي منظمة تنشط في سوريا تحت عنوان الإغاثة ولها صلة وثيقة بمنظمة النصرة الارهابية الممولة من قبل بريطانيا والاتحاد الأوربي.

لقد سارعت وسائل الإعلام إلى اتهام الطيران السوري والروسي بقصف المدنيين بالغازات السامة قبل ان تقوم أي جهة أممية مستقلة بالتحقيق في الموضوع. هذا التصرف لوحده يشير إلى وجود نوايا مسبقة لاتهام سوريا او روسيا في حين برأت ساحة المنظمات الإرهابية عن أي دور لها في الأمر. والسؤال: كيف تحققوا من خبر أن أولئك المدنيين هم ضحايا قصف النظام وليس قصف الجماعات الإرهابية مثل النصرة وداعش وغيرها، وما مصلحة النظام في قصف مواطنيه وهو يعرف جيدا ان الدول الغربية ووسائل اعلامها يحاولون منذ ستة سنوات للإطاحة به؟

حتى الرئيس ترامب نقض كل تعهداته للشعب الأمريكي وانضم لحملة التنديد بالنظام السوري متهما إياه بما سماه قتل الأطفال الأبرياء. ففي حملته الانتخابية هاجم فيها الرئيس أوباما قائلا: "أقول لقائدنا الأحمق، لا تعتدي على سوريا، واذا فعلت فان الكثير من النتائج الضارة ستحدث وان الولايات المتحدة لن تحصل منها في المقابل على أي شيء." ان أنصار الرئيس ترامب الذين دعموا انتخابه تظاهروا أمس احتجاجا على تراجعه عن سياسته المعلنة وتعهدوا بانهم لن يدعموا ترشحه لدورة رئاسية ثانية.

ان توقيت حادثة الغاز السام يأتي متزامنا مع انعقاد مؤتمر السلام الذي ترعاه روسيا وايران وتركيا في بروكسل فكيف يعقل ان يقوم النظام السوري أو روسيا أو الاثنين معا بعمل كهذا. فكافة المؤشرات بما فيها فبركة قصف المدنيين بالغاز السام تشير الى عدم رغبة الغرب واستعداده لقبول أي دور ناجح لروسيا في التوصل الى حل سلمي للنزاع المسلح في سوريا.

نحن في زمن لا تحتاج الدول الامبريالية فيه إلى عداوات لتشن حربها على من تعتبره عدو، فالأسباب يمكن افتعالها، ويمكن أيضا تصنيع الأعداء وهذا ما تقوم به الصحافة التجارية هذه الأيام. وللتحقق من ذلك يكفي مراجعة صحافة الأيام الثلاثة الماضية ففيها من الأمثلة الكثير. هناك قول مأثور للأديب الأمريكي مارك توين 1835 – 1910 يقول فيه: "الكذب يمكن ان ينهي رحلة يقطع فيها نصف العالم قبل أن تتمكن الحقيقة ان تحتذي نعالها".

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
5