حتّى لا نضيعُ في متاهات الفلسفة والسّفسطة والانشائيّات، يُمكن القولُ انّ العاقل في مفهوم ووعي الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام [وهو الامام السّابع من أئمّة أهل البيت عليهم السلام والذي تُصادف الليلة ذكرى استشهادهِ في سجون الخليفة الظّالم هارون العبّاسي] انّ العاقلَ هو الذي يبذل قصارى جهدهِ لحماية مصالح الجماعة، التي تحقّق كرامتها، من العدوان او التّجاوز.

قد يتصوّر البعض انّ العاقل هو كلّ من يحمل في راْسهِ دماغا، اي هذا الجزء الأجوف العجيب والغريب من أعضاء المخلوقات، وهو طبعاً تصورٌ خاطئٌ، والا فالحمار كذلك في راْسهِ دماغ، فهل هو عاقلٌ؟!.

كما يتصوّر البعض انّ العاقل هو الذي يمتلك من العلمِ الغزير والمعرفة الوفيرة، وهو الآخر تصورٌ خاطئ، فابليس لهُ من العلمِ والمعرفة ما لا يمتلكه احدٌ منّا.

وربما يتصوّر البعض انّ العاقل هو الشّاطر الذي يعرف من أين تُؤكل الكَتف، كما يقولون، وهو الذي يعرف كيف يخدع الآخرين بذكائهِ ويُضلّلهم باكاذيبهِ ويُحاور ويُناور ليحمي مصالحه الشّخصية على حساب مصالح الجماعة، وهو كذلك تصوّر غير صحيح، فلقد ظلّ الطّاغية الذّليل صدّام حسين يُخادع ويُختال ويقتل ويذبح ويغزو ويُحارب ويعتدي ويُضلّل ويقطع أَلسِنة الاعلاميّين ويكسر اقلام الحقيقة بكوبونات النّفط التي وزّعها عليهم وبالشّقق المفروشة الثّمينة التي كان يوزّعها عليهم كما هو حال المأجورين في عمَّان واخواتها ليحمي مصالحهُ التي كانت تتمثّل بالنسبة له بالسّلطة، والبقاء فيها، فأين هو الآن؟ وما الذي حلّ بهِ؟ وأين تمّ العثورُ عليهِ؟!.

يَقُولُ الامام الكاظِم عليه السلام في وصيّتهِ المشهورة لهِشام بن الحكم في معرض تعريفهِ للعقل في كلامٍ طويلٍ {يا هِشام؛ إنّ لُقمان قال لابنهِ: تواضع للحقّ تكُن أعقل النّاس.

يا بُني إنّ الدنيا بحرٌ عميقٌ قد غرقَ فِيهِ عالَمٌ كثيرٌ فلتكن سفينتُك فيها تقوى الله وحشوُها الايمان وشراعُها التوكّل وقيّمُها العقل ودليلُها العِلم وسكّانها الصّبر.

يا هِشام لكلّ شيء دليلٌ، ودليلُ العاقل التفكّر ودليلُ التفكّر الصّمت.

ولكلّ شيء مطيّة ومطيَّة العقل التّواضع، وكفى بك جهلاً ان تركبَ ما نُهيتَ عَنْهُ}.

من هذا النصّ نفهم انّ العاقِل هو؛

أولاً؛ التّواضع ومن علاماتهِ الاعتراف بالخطأ او الفشل او التّقصير او العجز عن فعل الشّيء، ولذلك مثلاً قال أمير المؤمنين (ع) {وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تعْلَمُ} فليسَ العيبُ اذا كُنتَ لا تعلم الشيء او لا تُحسنهُ ان تقولَ لا أَعلم او لا اعرف، انّما العيبُ كلّ العيب هو ان تورّط نفسكَ بِشَيْءٍ لا صنعة لَكَ فيه ولا تُحسنُ انجازهُ.

ومن التّواضع كذلك الاعتراف بفضلِ الآخر، سواء تمثّل فضله عليك او على الجماعة، وسواء تمثّل بالتعليم او بالفعل الحسن والانجاز السّليم.

كذلك من التّواضع الاعتراف بالآخر الذي يترتّب عليه مبدأ تقاسم الحقيقة، فليس من التّواضع ابداً ان تحتكر الحقيقة وتحتكر الجنّة وتستأثر بكلّ الفُرص ولا تدع شيئا منها للآخرين.

ثانياً؛ توريط النّفس بما لا ينبغي توريطها به من فسادٍ مالي واداري مثلاً او من فشلٍ او ما أشبه، خاصّة اذا كانت الورطة تتعلّق بالجماعة، كأن يكون الفساد سرقة من المال العام والفشل ينتهي بالجماعة الى التّدمير والتّحطيم وهكذا.

والسبب دائماً هو الاعتداد بالنّفس وبقدراتها الاستثنائيّة ومعاجزها الخارقة فما الدّاعي اذن للتّفكير والتريّث والاستشارة؟ ولماذا يلزمني التّنازل عن الموقع وترك المنصب؟ اولستُ الاولى بها؟ لذلك [بعد ما ننطيها]؟!.

والآن؛ لنعتمد هذه المفاهيم ونطبّقها على حال السياسيّين، وخاصّة النواب الذين يعتقدون بانّهم حجزوا مقاعدَهم تحت قبّة البرلمان بصوتِ الناخب ويظنّون انّ كل واحدٍ منهم يمثّل (١٠٠) الف مواطن بالتّمام والكمال، ومن دون ايّ خصمٍ أو حسمٍ! لنرى؛

كم واحد منهم يستحقّ الموقع؟ اي انّهُ بالفعل حجز مقعدهُ النّيابي بصوتِ النّاخب؟.

الجواب، جلُّهم حجزوهُ باصواتِ زعيم القائمة ولذلك فهو بالنّسبةِ لهم كراعٍ يَهُشُّ على غنمهِ في حضيرة الدوابّ او في المرعى، جلُّهم عديم الطّعم واللّون والرّائحة لا يَهُشُّ ولا يبشُّ، ادرجَ أسماءهُم زعماء القوائم لتمتّعهم بصفةٍ (عظيمةٍ) وَاحِدَةٍ جداً لا غَيْرَ الا وهي الطّاعة العمياء و(عبادةِ العجْلِ) وهزّ الرّأس بالموافقة على طريقة (بُزْ أخفش) لا ادري ان كان قد سَمِعَ قصّتهُ القارئ الكريم من قَبْلُ ام لا؟!.

اذن، فانّ من أولى علامات جهلهم انّهم ركبوا موقعاً ليس من حقّهم وهم ليسوا اهلًا لهُ، وهي أعظم الخيانة التي يرتكبها المرء عندما يضيّع من يعول كما ورد في الحديث النبوي الشريف، لانّهم اضاعوا فرصة على البلد باحتلالِ موقعِ آخر يستحقّهُ وأجدر به منهم.

وكم واحد منهم نجحَ في حماية مصالح الجماعة؟ والمقصود بالجماعة هنا هي الشّعب العراقي؟!

مَن منهم نجحَ في حمايةِ المال العام؟ وحقوق الأجيال القادمة من خيراتِ البلاد؟ وهيبة الدّولة؟ وقبل ذلك في بناءِ الدّولة؟ وفي تأمين الحياة الحرّة الكريمة لكلِّ مواطن؟ وفي حقّهِ في السّكن والطّعام والصّحة والتّعليم؟ وفي حقّهم بفرص الخير كالعمل وغيرهِ؟ وفي حماية أعراض النّاس وممتلكاتهم وبيوتهُم وأسرارهُم؟ وفي حماية تُراث العراق وتاريخهُ وطبيعتهُ؟!.

الجواب؛ لا احدَ فلقد انشغل الجميع بتأمين مصالحهم ومصالح أحزابهم وأُسرهم وعشائرهِم وذيولهم وأبواقهم وتركوا البلاد {على شفا حفرةٍ من النّار، مذقةَ الشّارب، ونهزة الطّامع، وقبسةَ العجلانِ، وموطئَ الأقدامِ} على حدّ وصف سيّدة نساء العالمين فاطمة الزّهراء عليها السلام لحالِ النّاس زمن الجاهليّة!.

ومَن منهم اثبتَ بالفعل والعمل والمشروع، وليس بالخطبِ والانشاء والمحاضرات، انّهُ يقبل بالآخر ليشاركهُ الجهد من أجلِ بناءِ الدّولة وتأمين مصالح الجماعة؟!.

الجواب؛ كلٌّ يعتقد انّهُ أفضل من غيره وانّهُ اكثر وطنيّة من غيرهِ وانّهُ العبقريّ الوحيد دون سواه وانّهُ البهلوان والسّوبرمان القادر على إنجاز ما فَشَلَ بهِ الاخرون!.

الكلّ متربصٌ بالكلّ فلا احدَ أبدى أدنى استعدادٍ للاعتراف بفضل الاخر ابداً! وفي نفس الوقت فانّ الكل ينتظر ان يمتدحهُ الآخرون ويثنوا عليه ويصفّقون له، على ماذا؟ لا أدري! وصدق الله العليّ العظيم الذي وصفَ حالهم بقوله {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

واخيراً؛ كم واحد منهم اعترفَ بفشلهِ وفسادهِ ثم رتّب أثراً على ذلك؟!.

الجواب؛ لا احدَ، فالاعتراف بالفشل تحوّل الى اداةٍ فاعلة وعصاً سحريّة من أدوات البطولة عندما يظهر فيها المُعترف على نَفْسهِ بالفشل وكأنّهُ شجاعٌ يستحقّ ان يبقى في منصبهِ او ان يعودَ اليهِ كما هو حال (مُختارُ العَصرِ) الذي لازال يحلم بالعودة الى موقعٍ كان فيه السّبب الاول والمباشر لكلّ الذي يحصل اليوم.

المضحك في الامر انّك عندما تُتابع جواب أَحدهم عن سرّ تمسّكهِ في موقعهِ وهو دليلٌ على تشبّثهِ بالسّلطة، يقولون لك؛ انّنا قدّمنا استقالاتنا منذ زمنٍ بعيدٍ جداً ارجعهُ احدهم الى العام (٢٠٠٣) تاريخ سقوط النّظام الشّمولي! وهذا، يُضيفون، دليلٌ على زهدنا بالسّلطة، والنّتيجة انّ نفس الوجوه الكالحة لازالت في السّلطة لم تتغيّر! وانّ صراعهم عليها على قدمٍ وساقٍ!.

وأخيراً، وبالاعتماد على كلّ الذي سردناه من حقائق، نتساءل؛

كم سياسي عاقل عندنا؟!.

لقد طلبَ هارون العباسي مرّة من بهلول ان يدوّن له اسماء المجانين في المدينة! فقال له البهلول؛ يا (أمير المؤمنين) انّها مهمّة صعبة جداً لا اقدر على إنجازها! لو كلّفت بها غيري؟! فقال له المأمون؛ وكيف؟ أجابهُ البهلول؛ لو سألتني عن عدد العقلاء لأنجزت لك المهمة بيسر! امّا ان تسألني عن عدد المجانين، فذلك أَمرٌ صعبٌ مُستصعبٌ!.

ولذلك سقط البرلمان؟!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0