أدرك العالم والانسانية جمعاء أهمية الحفاظ على البيئة في ديمومة الحياة البشرية، وكيف استخرجت لنا من معاجمها مصطلح "البيئة المستدامة" لنتشبث بأمل ديمومة البيئة مع تزايد انتهاكاتها وبشاعة إستغلالها، عسى ان نتمكن من تدارك انتهاكها بتحسين اساليب عيشنا واستهلاكنا المفرط لمواردها.

في "اليوم العالمي لأمنا الارض" والذي يوافق الـ 22 من نيسان/ابريل من كل عام، تتزامن إحتفالية هذا العام مع مراسم توقيع اتفاق باريس لتغير المناخ، التي تُنظم في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. اعتمدت 196 دولة هذا الاتفاق في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ حيث وافقت البلدان على العمل للحد من زيادة درجات الحرارة عن درجتين مئويتين والعمل بجد على عدم تجاوز زيادتها درجة ونصف الدرجة المئوية على اعتبار الأخطار المهولة المترتبة على ذلك.

أجمع العالم على اهمية العمل المشترك بين جميع دوله وحكوماته على حث الخطى نحو العمل الجاد لتحقيق متطلبات الترابط بين الارض كأم تحنو على بنوها بما ينتجه ثراها وجوها من عوامل إدامة الحياة البشرية، وشعار هذا العام هو " أشجار للأرض"، حيث أثبتت وقائع وتجارب كثيرة أهمية النباتات الخضراء في إستدامة التنمية على سطح الارض فالأشجار تمتص ثاني أكيد الكربون الفائض والضار من الجو. وفي الحقيقة، فإن مساحة هكتار من الأشجار المزروعة تمتص نفس النسبة من ثاني أكسيد الكربون التي تنتجها قيادة سيارة عادية لمسافة 26 ألف ميل كذلك تمتص الأشجار الروائح والغازات الملوثة، من مثل أكاسيد النتروجين والأمونيا وثاني أكسيد الكبريت والأوزون، وتنقي الهواء من الجزيئات بحبسها في أوراقها.

الاشجار تقدم موئلاً مهماً للكثير من الكائنات الحية المهمة في السلسلة الغذائية ناهيك عن كونها تفرض بيئة بصرية جميلة تطرح السعادة في نفوس البشر، ومع قرب الاحتفال بحلول الذكرى السنوية الخمسين، فإن الهدف هو زراعة 7.8 مليار شجرة خلال الخمس السنوات المقبلة.

ماذا أعددنا لأرضنا من خطط لزراعة الاشجار وما الذي أنتجته الخطط السابقة التي سارت ببطء تحت مظلة الفساد والتي كانت تهدف الى زراعة ملايين الاشجار، لم نجد لها أثراً بل أن المراقب للأحداث يرى أننا قد تجاوزنا كثيراً على الاشجار بعمليات تجريف هائلة تناوبت عليها المؤسسات والجهات المدنية بمساعدة تحويل جنس الارض من زراعية الى سكنية محاولة لإمتصاص إفتقارنا لملايين الوحدات السكنية لتجاوز المئات من العشوائيات الغير ملائمة للعيش البشري.

الحديث عن استدامة البيئة ليس ترفاً، إنما هو ضرورة وطنية قصوى لنبادر بسلسلة عمليات كبيرة نحاول معها الإبقاء على أكبر مستو من المساحات الخضراء بحثاً عن نقاء اثيرنا الذي اشبعه التلوث البيئي بمستويات عالية من الملوثات، حملات كثيرة تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالبيئة نرى شبابها في يوم الجمعة في شارع المتنبي وعلى الرغم من قلة المشاركين في تجمعاتهم إلا إنها بوادر تدل على تولد الشعور الكامل لدينا بضرورة التحرك للدفاع عن البيئة كأرض وكنهرين اصابهما التلوث في مقتل كبير، الملايين من الامتار المكعبة من مياه المجاري والملوثات الصحية التي تنتج عن المؤسسات الصحية والمصانع القريبة من النهر وغير المعالجة تتدفق لمجراها لترتفع معدلات تلوثها الى مستويات حرجة يتطلب معها إعادة النظر بمحطات المعالجة التي من المفترض ان يتم إنشائها منذ سنوات وقبل أن يقلب التلوث الطاولة على القائمين على تحجيم تأثيراته السلبية الهائلة.

يتحدث العالم اليوم عن "الاقتصاد الأخضر" green economy كاقتصاد صديق للبيئة يؤدي الى تحسين حالة الرفاه البشري ويحد بشكل كبير من المخاطر البيئية المتعاظمة حيث يعرف بأنه "بأنه اقتصاد يُوجَّه فيه النمو في الدخل والعمالة بواسطة استثمارات في القطاعين العام والخاص من شأنها أن تؤدي إلى تعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتخفيض انبعاثات الكربون والنفايات والتلوّث ومنع خسارة التنوّع الأحيائي وتدهور النظام الإيكولوجي"، لقد تم اعتبار الاقتصاد الاخضر أحد أهم آليات تحقيق التنمية المستدامة، حيث يمكن أن ينطوي على فرص متنوعة، مثل تشجيع الابتكار، وإنشاء أسواق جديدة، وإيجاد فرص عمل، والإسهام في الحد من الفقر.

ويشكل الاقتصاد الأخضر فرصة لتخطي مراحل إنمائية وتطبيق تكنولوجيات متقدمة، من أجل تحقيق الأمن الغذائي، وكفالة حصول المناطق الريفية على الطاقة، وتوفير إمدادات المياه النظيفة والمساكن ومرافق الصرف الصحي والنقل العام، وهي أمور يمكن أن تُوجِد فرص عمل وتسهم في القضاء على الفقر.

لازالت الفرصة قائمة لدينا للولوج الى عالم هذا الاقتصاد عبر تكوين رؤية محددة لذلك يتناوب على تحقيق أهدافها الوزارات المعنية بالزراعة والبيئة والطاقة والصناعة والتجارة، في عمل مشترك كبير يهدف الى إحياء الارض وبث الروح فيها بعدما هجرتها معاول الفلاحين لأسباب كثيرة كان أهمها الاعتماد على الاستيراد في سياسة تجارية خاطئة تسببت بالكثير من الخسائر المادية للعراق، العراق بلد خصب، وعلى احد ما أن ينبش تربته ليستخرج ألواناً لذهبها غير ذلك الاسود الذي قد يقارب يوماً على النضوب ليتركنا نداعب رمال التصحر الذي يزحف رويداً رويداً بدلاً من الارض الزراعية الخصبة، على الرغم من تقديرنا للجهود المبذولة من قبل الهيئة العامة لمكافحة التصحر في محاولتها الوقوف أمام اربعة ملايين دونم من الكثبان الرملية المتحركة في وسط وجنوب العراق ؛ إلا أن هذا لايمنع من تطوير الخطط والاستفادة من التجارب العالمية في المجال فسيأتي اليوم الذي نكون فيه بحاجة لكل متر مربع منها، ويجب أن نزيد من المساحات المستصلحة والمحافظة عليها كأرض بكر بكامل طاقتها مع تبني سياسات مالية محفزة للمزارعين واصحاب المشاريع الزراعية الصغيرة والتشجيع على ذلك.

انه عمل كبير نتمنى ان لا تكبح جماحه الازمات السياسية فكل شهر يمر نفقد معه مساحة من ارضنا وعلينا إيقاف نزيف الزحف الكونكريتي على الاراض الزراعية وإنشاء مدن جديدة وإعادة رسم الخارطة الصناعية للبلد وتوزيع المصانع على كل محافظاته دون استثناء.

طريق التنمية المستدامة بحاجة الى عقول مدركة لحقائق وإحصائيات اشرتها الامم المتحدة منذ زمن بعيد، تمخضت عن الاهداف الانمائية حتى عام 2030، سبعة عشر هدفاً في الطريق للوصول الى التنمية المستدامة المتكاملة علينا أن لا نضيع فرصة الوصول الى ذلك إكراماً لإمنا الارض.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0