مفاهيم القوة كثيرة. ففي العلوم الطبيعية تفهم عادة على انها "قوة" او "طاقة". في العلوم الاجتماعية يرتبط المفهوم الاكثر عمومية للقوة بالقدرة على تحقيق نتيجة مبتغاة، ويشار اليها احيانا على انها القوة. ومن الممكن ان يتضمن ذلك اعمالا بسيطة مثل: المشي عبر الغرفة، او شراء الصحف، لكن في اغلب الحالات تعتبر القوة كعلاقة، وكممارسة للسيطرة من قبل شخص اخر او كقوة على الاخرين. غير انه احيانا يرسم تمييز بين اشكال مثل هذه السيطرة، بين مايعرف على انه "قوة" وما يعتبر "نفوذ".

 ينظر الى القوة هنا على انها القدرة على اتخاذ قرارات رسمية مرتبطة بشكل ما بالأخرين، سواء كانت هذه القرارات اتخذها المدرسون في الفصل، او الاهل في الاسرة، او وزراء الحكومة، وعلاقتها بكل المجتمع.

على النقيض، النفوذ هو القدرة على التأثير على مضمون هذه القرارات، عبر شكل ما من الضغط الخارجي، مما يلفت النظر الى حقيقة ان القرارات الرسمية والملزمة لا تتم في فراغ. وبالتالي يمكن ان يشمل النفوذ كل شيء ابتداء من مجموعات الضغط المنظمة والاقناع العقلي المنطقي، وصولا الى التهديد الصريح. ان ذلك يثير المزيد من الاسئلة عن: هل يمكن ان تكون ممارسة القوة مدروسة ومتعمدة؟ وهل يمكن القول ان صناعة الاعلان تمارس قوة بتشجيعها على زيادة انتشار القيم المادية، مع ان المعلنين أنفسهم لايعنيهم سوى بيع منتجاتهم؟

وبالطريقة نفسها، هناك نزاع بين الفهم "العمدي" و"البنائي للقوة. يعتقد الفهم الاول ان القوة دائما هي خاصية مميزة لعامل محدد الهوية، قد يكون مجموعة مصالح، او حزب سياسي، او شركة كبيرة او اي شيء اخر. في حين يعتبر الفهم الاخر القوة كسمة من سمات النظام الاجتماعي ككل.

رغم ان السياسة تهتم عادة بممارسة القوة، فإنها في كثير من الاحيان تهتم بقوة بظاهرة تسمى "السلطة"، وبشكل خاص السلطة السياسية.

ان السلطة بمعناها الواسع هي شكل من اشكال القوة، فهي الوسائل التي من خلالها يستطيع شخص ما ان يؤثر على سلوك شخص اخر. الا ان القوة تتميز عن السلطة، عادة، بسبب الوسائل المتباينة التي من خلالها يتحقق الاذعان او الطاعة. فبينما يمكن تعريف القوة على انها القدرة على التأثير على سلوك الاخر، فان السلطة يمكن فهمها على انها الحق في القيام بذلك.

ان القوة تحقق الاذعان من خلال القدرة على الاقناع، او الضغط او التهديدات، او الاكراه او العنف. اما السلطة من ناحية اخرى، فهي تعتمد عل "حق في الحكم" مدرك ومفهوم، ويحدث الاذعان من خلال التزام اخلاقي ومعنوي من قبل المحكوم بان يطيع.

ان القوة والسلطة مفاهيم حصرية بشكل متبادل، لكنها مفاهيم يصعب عمليا في كثير من الاحيان حل الارتباط بينهما. ويمكن فهم السلطة بشكل أفضل على انها وسائل لكسب الاذعان، تتفادى كل من الضغط او الاكراه من ناحية اخرى. ان الاقناع وسيلة فعالة ومستخدمة بشكل واسع للتأثير على سلوك الاخر، لكنه لايتضمن ممارسة سلطة. ان اغلب السياسة الانتخابية تعادل تمرينا على الاقناع: فحملات الاحزاب السياسية، ودعايتها وتنظيمها للقاءات والاجتماعات الحاشدة، كل ذلك من اجل التأثير في الناخبين في يوم الاقتراع. ويتضمن الاقناع بطريقة ثابتة شكلا او اثنين من اشكال التأثير: قد يتخذ شكل الحجة المنطقية ومحاولة اظهار ان مجموعة معينة من السياسات تكون معقولة. او يتخذ شكل احتكام الى المصلحة الشخصية، ومحاولة اثبات ان الناخبين سيكونون في حال أفضل في ظل حزب ما، أكثر من حزب اخر.

في الحالتين يتوقف قرار الناخب بشأن كيفية الاقتراع، على القضايا التي طرحتها الاحزاب المتنافسة، والحجج التي قدمتها والطريقة التي استطاعت بها انجاز ذلك بنجاح.

وببساطة، ان الاحزاب في فترة الانتخابات لاتمارس سلطة، بما ان الناخبين يحتاجون الى الاقناع. لان السلطة تعتمد على الاعتراف ب "واجب الطاعة"، بحيث تنعكس ممارسة السلطة في الطاعة الالية، والتي لاتنطوي على تردد او مناقشة. وفي هذه الحالة يمكن فقط القول ان الاحزاب السياسية تمارس سلطة على انصارها الاكثر طاعة واخلاصا، الى اولئك الذين لايحتاجون الى اقناع.

وبالمثل، فان السلطة بالمعنى الخاص لماكس فيبر، يمكن تمييزها عن مظاهر القوة المختلفة. فاذا كانت السلطة تتضمن الحق في التأثير على الاخرين، بينما القوة تشير الى القدرة على فعل ذلك، فان ممارسة القوة تعتمد على نوع من الموارد. بمعنى اخر، تتضمن القوة القدرة على مكافأة الاخر او عقابه. وينطبق ذلك على ما اذا كانت القوة تتخذ شكل الضغط، او التهديد، او الاكراه او العنف.

 على خلاف الحجة المنطقية او الاقناع، فان الضغط يعكس استخدام المكافأة والعقاب، لكن احدهما يتوقف في حالة الاكراه الصريح. ويمكن رؤية ذلك في ما يسمى بمجموعات الضغط. ورغم ان مجموعات الضغط قد تسعى الى التأثير على العملية السياسية من خلال الاقناع والحجة، فإنها ايضا تمارس قوة، مثلا: بتقديم مساهمات مالية للأحزاب السياسية او المرشحين، وتهدد بالقيام بحركات اعتصام ومسيرات ومظاهرات وغير ذلك. ان التهديد والاكراه والعنف تتناقض بشكل صارخ مع السلطة، بما ان الاكراه يعتمد على التهديد باستخدام القوة او استخدامها فعلا، فانه يعتبر نقيض السلطة. عندما تمارس الحكومة السلطة، فان مواطنيها يطيعون القانون بسلام وطواعية، وعندما لاتمنح الطاعة طواعية، فان الحكومة تكون مجبرة على فرضها بالقوة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0