اذا كان هناك تشابه عميق بين تطور الحضارة وتطور الفرد وكانت الحضارة تستخدم نفس الطرق، فهل لدينا التبرير للقول، بانه في ظل تأثير الرغبات الثقافية الحادة، اصبحت بعض الحضارات وفي فترات معينة منها –ربما كل البشرية– في حالة من الهلع واللااستقرار؟(فرويد، الحضارة وسلبياتها، 1930).

كمفكر، هاجم نيتشة الافكار التقليدية لزمانه لأن الافكار عملت كعوائق للتجربة الانسانية التامة والثرية. هو لم يؤمن بالاصلاح الاجتماعي، ومقت الحكومة البرلمانية وحقوق التصويت العامة. كره كذلك الليبراليين والمحافظين والشيوعيين والاشتراكيين. هو لم يشترك بالرؤية بان التقدم هو من خصائص التقاليد الفكرية الغربية في القرنين الاخيرين. هو ادان الاخلاق المسيحية وسخر من الفكرة الليبرالية بان الانسان هو خيّر بطبعه. كره سقراط.

ما ادركه نيتشه هو ان الانسان يجب ان يفهم بان الحياة لا تُحكم بالمبادئ العقلانية. الحياة مليئة بالهمجية واللاعدالة وباللايقين والسخافة. لا توجد هناك معايير مطلقة للخير والشر يمكن كشفها بالمنطق الانساني. هناك فقط انسان عاري يعيش وحيدا في عالم سخيف مجرد من الايمان.

المجتمع البرجوازي الصناعي الحديث، طبقا لنيتشة، جعل الانسان فاسدا اخلاقيا ويائسا وتركه ضحية للتطور المفرط في القدرات العقلانية على حساب الفطرة والرغبة الانسانية.

وبالضد من ميول المجتمع البرجوازي، أكّد نيتشة على ان الانسان يتوجب عليه الاعتراف باسطورية وعتمة العالم الفطري–قوة الحياة الحقيقية. كتب نيتشة "انت يجب ان تصبح من انت". العقلانية المفرطة، والثقة العالية بالعقل الانساني انما تخنق التلقائية الضرورية للعمل الخلاق. ولكي يبلغ الانسان كامل طاقته، يجب عليه التحرر من الاعتماد على العقل والفكر والاعتماد بدلا من ذلك على تطوير غرائزه وحوافزه ورغباته. المسيحية مع كل ما رافقها من قيود وحاجات للامتثال، تسحق الدوافع الانسانية للحياة. الاخلاق المسيحية يجب ان تتحطم لأنها تتناسب فقط مع العبيد والضعفاء.

ذكر نيتشه ان نجاح العقل المسيحي في العالم الروماني كان لأن الطبقات السفلى ارادت ان ترث الارض من سادتها الارستقراطيين. الطبقات الدنيا كانت تحاول مواصلة الكفاح لهزيمة سادتها. انها قامت بهذا عبر وصفها السمات التي تنقصها بالشريرة: القوة والحماس للحياة. بدلا من ذلك، جعل المسيحيون من حياتهم المتدنية والتعيسة كمستوى لكل الاشياء القادمة. لو انحرفت انت عن هذا المستوى، فسوف تبقى اسيرا للذنب. في كتابه (عدو المسيح عام 1888) ذكر نيتشة:

المسيحية اشعلت الحروب ضد النوع الاسمى للانسان... المسيحية وقفت الى جانب كل شيء ضعيف، انها خلقت مُثلا من معارضتها لغريزة الحياة القوية.. المسيحية هي تمرد لجميع الاشياء الزاحفة على الارض بالضد من تلك التي في مرتبة اعلى. ان فلاسفة عصر التنوير للقرن الثامن عشر هاجموا المسيحية لأنها كانت مخالفة للعقل الانساني. لأنهم ارادوا ان يجعلوا المسيحية اكثر مقبولية، هم حافظوا على الاخلاق المسيحية. نيتشة هاجم المسيحية ايضا، لكنه فعل هذا على اساس انها منحت الانسان روحا مريضة. انها كانت منكرة للحياة. منعت الممارسة التلقائية الحرة للفطرة الانسانية والرغبة. باختصار، المسيحية اطفأت شعلة الحياة.

في "مثل المجنون"، اعلن نيتشة ان اخلاق المسيحية قد ماتت واننا ذواتنا مسؤولون. لا توجد هناك عوالم علوية، ولا وجود لأخلاق مشتقة من الله او من الطبيعة ".لا توجد هناك حقوق طبيعية وان فكرة التقدم هي عار. جميع القيم القديمة والحقائق فقدت حيويتها وصلاحيتها. هذه الفكرة سميت بالعدمية. لا توجد هناك قيم اخلاقية. قال نيتشة ان الانسان يمكنه الارتقاء فوق العدمية. ولكن كيف يتم هذا؟

اولا، يجب الاعتراف بالعدمية الناتجة عن الحياة اليومية. على المرء ان يصبح عدميا، عندئذ سيرتفع فوق وما وراء العدمية عبر خلق قيم جديدة: الانسان سيصبح عندئذ سيد نفسه ويكون صادقا لنفسه بدلا من الاخرين. الانسان يستطيع التغلب على النمطية والامتثال والوسطية، هو يستطيع التغلب على الاشتراكية والديمقراطية واتحادات العمال والتقدم والتنوير وعلى جميع الامراض الاخرى الملازمة للحضارة الغربية.

طبقا لنيتشة، يمكن انقاذ الانسان بنوع جديد من الانسان، السوبرمان. هذا الانسان سوف لن يُكبح بهراء الحضارة المسيحية –البرجوازية-العلمية-الصناعية-الحديثة. السوبرمان يخلق اخلاقه الخاصة مرتكزة على الغرائز الانسانية والحافز والرغبة. هو يؤكد وجوده ليس بالقول، مع المسيحية "بلا". كلا، امام موزائيك القوانين، يهتف الانسان الجديد "انا ارغب". الانسان الجديد لديه الشجاعة ليكون هو ذاته، وهنا سوف لن يكون اي معنى للمُثل التقليدية المسيحية في الخير والشر. رغبة الانسان بالقوة، يرى نيتشة، تذهب الى ما وراء الخير والشر. ان تعزيز الرغبة بالقوة تجلب المتعة للسوبرمان. السوبرمان حرر جميع القيم القائمة، وبما انه الآن حر من جميع القيود والقواعد وشفرات السلوك المفروضة من جانب الحضارة، فهو يخلق قيمهُ الخاصة. هو يعيش حياته الخاصة كما يريد، يكافح، يخلق، يبحث ويسيطر. هو يعرف ان الحياة كما مُنحت له هي بلا معنى، لكنه يعيشها ساخرة، غريزية، تامة، خطيرة.

من الصعب اليوم تقييم تأثير فلسفة نيتشة، ولكن بالتأكيد هو نجح في حث العقل للارتقاء نحو مستويات جديدة من الفكر.

يمكن القول ان نيتشة ادرك تماما احدى المشاكل الاساسية التي واجهت القرن العشرين. في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، لم ير نيتشة الا الاضمحلال والخفوت. هذا البيان جاء في عصر التقدم وهو ما يكفي لتوجيه الانتباه لنيتشة. مع موت الاخلاق، الموت الذي تسارع بفعل التطور العلمي وفردانية الطبقة الوسطى والماركسية والدارونية والوضعية والمادية، فان القيم الاخلاقية التقليدية قد فقدت قيمتها ومعناها. في عالم حيث لا شيء حقيقي، فان كل شيء سيجري. كان نيتشة طبيبا معالجا والمريض كان الحضارة الغربية. هو لم يضع حلا واقعيا. تشخيصاته ربما كانت اذكى من مقترحاته للعلاج. ولكن ما قام به نيتشه هو تعميق التأكل في الاسس العقلانية للحضارة الغربية. في هذا المجال هو كان عرضة للّوم والثناء ايضا. هذه الافكار النيتشوية كان لابد لها من اغراء المثقفين الاوربيين والفنانين الذين نظروا الى فلسفة نيتشة كوسيلة لتحرير الطاقات الباطنية للانسان. فلسفة نيتشة هي فلسفة التحرير.

ديستوفسكي

وكما نيتشة، هاجم الروائي الروسي دوستوفسكي (1821-1881) رؤية العالم الاساسية للتنوير، باعتباره العصر العظيم للعقل الانساني. في جميع رواياته نظر دوستوفسكي للانسان كمحروم فطريا وغير عقلاني ومتمرد. في روايته (ملاحظات من تحت الارض، 1864) يتمرد القاص ضد كل خطط ومشاريع التحسين الاجتماعي. هو ناقد للعقلانيين والليبراليين والوضعيين والانسانيين والاجتماعيين في محاولتهم تحسين حظ البشرية عبر تشكيل المجتمع بالارتكاز على المبادئ المجردة للسعادة الانسانية. انسان تحت الارض يثور ضد كل من العلوم والمنطق. لأنه لايرى هناك حقائق مطلقة، شمولية، لازمنية يجب على كل الناس الامتثال لها.

يرى دوستوفسكي ان العالم مخيف بالرغبات العارية المنخرطة جميعها بالصراع مع بعضها. جميع الناس لا يبحثون عن السعادة. هناك البعض مثل انسان تحت الارض يختار المعاناة لانها تمتعه. هؤلاء الافراد يُثبطون بالسلام والثروة والأمن والسعادة. هم لا يريدون ان يكونوا روبوتات في عالم وضعي عقيم فيه كل شيء ينسجم ضمن قالب او آخر. بالنسبة لإنسان تحت الارض، اتّباع الحوافز اللاعقلانية والتورط في افعال لاعقلانية تعني اعلان الانسان عن فرديته. وبالنتيجة، يثبت الافراد انهم احرارا. الانسان الذي هو متحرر حقا يعرّف وجوده طبقا لحاجاته وليس طبقا لتلك الحاجات او المقاييس التي خُلقت ثقافيا من جانب المجتمع. وعندما يعترف انسان تحت الارض بان، "القدرة العقلانية هي ببساطة واحد الى عشرين من جميع قدراته في الحياة، فان الحياة هي اكثر من الاستدلال، اكثر من مجرد استخراج الجذر التربيعي".

حتى الآن نظرنا في اثنين من مفكري اواخر القرن التاسع عشر: احدهما فيلسوف وشاعر والثاني فيلسوف روائي. كلاهما كافحا مع معرفتهم بان الوجود الانساني كان مليئا باللاعقلانية. اتجاههم كان متشابها في كونه فرديا عاطفيا مباشرا.

يجب ان يكون واضحا اذا، ان نيتشة ودوستوفسكي كان لديهما احتقارا كبيرا للعقلانية المفرطة، بكلمة اخرى، هما كرها علمية العقل التي التصق بها الاوربيون منذ قرون.

سيجموند فرويد

وكما في فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، شخص سجموند فرويد (1856-1939) الحضارة بالعقل الانساني واعتبر العلم المسار المحتوم للمعرفة. كان فرويد طفلا للتنوير. ولكن على خلاف فلاسفة العقل، ركز فرويد على قوة وتأثير الدوافع والحوافز اللاعقلية في سلوك الانسان وفكره. في عام 1840 جادل كارل ماركس ان الناس يعتقدون انهم يفكرون متحررين. الحقيقة، كما يرى ماركس، ان افكارهم تعكس فقط افكار الطبقة الحاكمة. "فرويد ايضا اعتقد ان افكارنا الواعية تتقرر بشيء مخفي: دوافعنا اللاواعية.

نيتشة مجّد اللاعقلانية كشيء لابد منه للشاعر. فرويد، من جهة اخرى، اعترف باللاعقلانية كخطر محتمل. هو اراد ان يفهمها علميا. هو ايضا اراد تنظيم اللاعقلانية لتكون في مصلحة الحضارة ككل. وكما اخبر احد اصدقائه، ان اللاعقلانية كانت "هدفا شاملا للعلم". كان فرويد مقتنعا بان الناس ليسوا كائنات رشيدة. سلوك الانسان، مسترشدا بالقوى الداخلية كان شيئا لا عقلانيا. ضمن الذهن هناك فعالية ذهنية لا تعتمد على الوعي. هذا هو الذهن اللاواعي. بالنسبة لفرويد كان تأثير هذا الاكتشاف عميقا: انه يعني ان افعال الانسان ليست دائما رشيدة. هذه الفكرة انتشرت بوجه مُثل التنوير كونها لا تقل اهمية عن فكرة نيتشة في "موت الاله". فرويد لم يكتشف العقل اللاواعي. الرومانسيون الاوربيون في اواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر استعملوا سلفا العقل اللاواعي كقوة لطاقاتهم الفنية. وكذلك بالنسبة للتراجيديا اليونانية القديمة وشكسبير ودوستوفسكي ونيتشة. فرويد أعجب بهؤلاء المفكرين واستمر بوصف نيتشة "كفيلسوف تنسجم مسلماته وتخميناته بطريقة مدهشة مع الاكتشافات الشاقة للمحللين النفسانيين". ولكن على خلاف نيتشة، كان فرويد رجل ذو مزاج علمي. هدفه من الدراسة وعمله في كامل الحياة قُصد به ليكون استكشافا لذهن الانسان اللاواعي.

كطبيب متخصص في معالجة الامراض العصبية، استنتج فرويد بان التفكير المضطرب هو نتيجة الخوف المُمارس اثناء الطفولة. هذه الحالات النفسية تتخذ عدة اشكال لكن يمكن تصنيفها بـ: الهستيريا والقلق والكآبة والوسواس القهري. لكي يعالج فرويد السلوك العصابي وجد ان هذه التجارب الطفولية يجب استعادتها الى السطح لكي يستطيع المريض مواجهة ذاته. عالج فرويد مرضاه بطريقتين. الاولى، كانت ارتباط اً حرا: اي مهما يأتي الى الذهن. هذه تلقائية وبلا اية قيود واحيانا يحتاج المريض للكشف عما هو مخفي. الثانية، كانت تفسير الاحلام. الاحلام تكشف الرغبات السرية واحيانا السلوك المنحرف. وبسبب ان بعض الذكريات مؤلمة فنحن نقوم بحبسها. نحن بلا وعي نجعلها مختبئة والمحلل النفساني المختص هو وحده يستطيع سحبها الى السطح. غرائز الشخصية تتطلب باستمرار الاشباع العاطفي وبهذا هي فطرية ولاعقلانية. هذه الغرائز لا تعرف القيم وتبحث فقط عن الاشباع. انها لا تعي اي شيء عن الخير والشر، وتتطلب فقط الاشباع الجنسي وانهاء الألم. عندما تُواجه هذه الغرائز بالانكار فان الفرد يصاب بالاحباط والغضب والتوتر.

جادل فرويد بان هناك صراع بين غرائزنا الفطرية او طبيعتنا الموروثة ومتطلبات الحضارة. هو طور هذه الفرضية في كتابه الصغير الصادر عام 1930 بعنوان "الحضارة وسلبياتها". متأثرا باهوال الحرب العالمية الاولى وما اعقبها من دمار، كانت الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب طورت قبل عام 1914. الانسان يشتق ارقى حالات السعادة من الانجاز الجنسي، لكن العمل الجنسي غير المقيد وبلا حدود يستنزف طاقة الفرد النفسية المطلوبة للحياة الخلاقة والفكرية. ومن هنا، فان المجتمع ومن خلال العائلة والقس والمعلم والشرطي هو الذي يفرض القواعد والقيود على طبيعتنا الحيوانية والتي، بسبب انها حيوانية فهي تتطلب الاطلاق. مثل هذا الوجود هو مؤذي ويسبب القلق والاحباط. ولكن انتهاك قواعد الحضارة ايضا يُشعرنا بالذنب. وفي كل الاحوال، سنعاني العذاب والالم. الحياة المتحضرة تنطوي على المزيد من الالم للناس. الثمن الذي ندفعه للحضارة حسب فرويد هو العصابية.

انه مأزق غير سار، الناس ليسوا خيرين بالطبع حسب راي فرويد. الفرد هو مخلوق عادة تحرضه غرائزه على العدوان. اول الميول هو ليس ان تحب شخصا اخر كاخ او كاخت وانما "لإشباع العدوانية، لاستغلال المقدرة للعمل بدون تعويض، الاستخدام الجنسي دون الموافقة، حجب الملكية، الاذلال، إلحاق الالم، التعذيب والقتل". فرويد عرف ذلك من خلال دراسة العصاب الانساني وهو كما ماركس، ادرك ان التاريخ هو قصة الصراع. وبينما رأى ماركس صراعا ديالكتيكيا بين الطبقات الاجتماعية، فان فرويد وجد صراعا ديالكتيكيا ضمن العقل الانساني ذاته. الحضارة تحاول ضم الافراد الى عوائل، اعراق، شعوب وقوميات في وحدة واحدة كبيرة. لكن فرويد وجد ان "عدوانية الانسان الغريزية، او كراهية كل واحد تجاه الجميع وكراهية الجميع تجاه كل واحد، تتعارض مع هذا البرنامج للحضارة".

ربما يرى البعض ان فرويد رفض الايمان بالتنوير. كلا، والسبب واضح: فرويد لم يمجد اللاعقلانية كما فعل نيتشة. الحضارة هي عبء لكن الناس يجب عليهم تحملها لأن البديل اكثر سوءا. وهنا يمكن القول ان النظرية الاجتماعية لفرويد هي متشائمة. الحضارة تكبح باستمرار معظم حاجاتنا الانسانية الاساسية. جميعنا يعاني من العصاب. البعض يستطيع التكيف مع هذا السلوك، بينما اخرون لا يستطيعون. اولئك الذين يفشلون يتطلبون علاجا او محللا نفسيا. ولكن كيف استطاع اولئك الافراد التكيف مع عصابيتهم؟ الدين، الفن، المخدرات، الكحول، الموسيقى، الجنس، السياسة. كل هذه ليست أكثر من عصا مساعدة للمشي لأنها تحرفنا عن دورنا الحقيقي لنصبح اناسا كاملين.

الفنون والآداب

وكما خرج نيتشة وفرويد عن تقاليد التنوير التي اكدت على ان الانسان خير بطبعه، كذلك الفنانون والكتاب تمردوا ضد الاشكال التقليدية للتعابير الفنية والادبية. عملهم خلق ثورة ثقافية عظيمة نسميها نحن بالحداثة. الحداثة تتميز بالوعي العميق للذات. انها استبطان مكثف للفنان الحداثي او الكاتب، الذكاء اصبح عائقا للابداع والتعبير عن العاطفة الانسانية. العقل الانساني، بدلا من ان يكون محررا للانسان، الان جعل نفسه آسرا له. الفنانون الحداثيون تخلوا عن جميع التقاليد الفنية والاعراف الادبية وبدأوا بممارسة وسائط جديدة للتعبير. هم حطموا التاريخ لكي يخلقوا تاريخهم الخاص.

كتّاب امثال ,Marcel proust(1871-1922),D.H.Lawrence (1885-1930)Thomas Mann (1875-1955)، وكافكا (1883-1924)، استكشفوا الحياة الباطنية النفسية للفرد. رواياتهم، مسرحياتهم، قصائدهم تعاملت مع فكرة الانسان الحداثي الذي يرفض قيم زمانه. استبطانهم الكثيف اجبرهم على تحدي قلقهم الناتج عن الذنب المفروض من جانب المجتمع، وجنسيتهم الواعية، وتوقهم للتدمير الذاتي، وشعورهم الكاسح بالعزلة واللامعنى والاغتراب.

بالنسبة للحداثي، لا وجود للواقع. الواقع هو فردي، انه الفرد ولذلك هو ذاتي. وكقاعدة عامة، كانت الحداثة اقل اهتماما بالواقع منه الى كيفية تحويله من جانب الفنان او الكاتب. بهذه الطريقة، جعل الفنان الواقع خاصا به. واذا كان المجتمع الصناعي للطبقة الوسطى في القرن التاسع عشر منح قيمة للعقل وللصناعة والمنظمة والافكار والقيم فان الحداثويين كانوا مسحورين بغير العادي والاسطوري والخيالي والمجرد من الشكل. وبكلمة اخرى، الحداثيون صاغوا العالم متشكلا بغير العقلاني. وبهذه الطريقة يكون الحداثيون والفنانون والكتاب عكسوا اهتمامات دوستوفسكي ونيتشة وفرويد.

في عام 1900 حاول الفنانون التوغل الى المساحات العميقة في الذهن اللاواعي. كان اللاوعي المصدر الحقيقي للإبداع ولذا حاول هؤلاء الفنانون تجسيد ذهنهم في اعمالهم الفنية، فجسّدوا بصريا ما لم يُمنح تعبيرا لفظيا.

يمكن الآن الوصول الى بعض الاستنتاجات العامة:

1- ان الحداثيين رفضوا الرؤية التقليدية بان العالم مكان عقلاني ومنظم. هذه الرؤية جرى التعبير عنها اولا في عصر النهضة، واصبحت هي الفكرة السائدة نزولا الى القرن التاسع عشر. خروج الفنان الحداثي عن هذه التقاليد فتح امامه امكانات جديدة كليا بالاضافة الى مشاكل جديدة كليا مرتبطة بهذه الامكانات.

2- الحداثة في الفن والادب ايضا انعكاس للقوة المتزايدة والاعجاب بالجانب اللاعقلي في الوجود الانساني، وهنا تكون الحداثة جزءا من التجربة الاوربية التي انتجت نيتشة وفرويد.

3- نيتشة وفرويد لم يصنعا الحداثة. لم يضعا المصطلح لها وانما كانا مراقبين جيدين لعصرهما، وكل بطريقته الخاصة عمل كطبيب لتلك الصيرورة العظيمة – الحضارة الغربية. تشخيصاتهما لم تكن جيدة. الحضارة كانت تتغير امام عيون كل اوربي. التغيير كان في كل مكان، لكن للتغيير ثمنا. التفككك وعدم اليقين في وقتنا الحالي.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0