هل الشكلية ركن من أركان الطلاق الخلعي أو شرط من شروط صحته؟

قراءة في اتجاه محكمة التمييز الاتحادية في قرارها المؤرخ في 17/8/2026

يرى المقال أن الشكلية ليست ركنًا في الطلاق الخلعي ولا شرطًا لصحته، وأن العبرة بتوافر أركانه الشرعية، ولا سيما الإيجاب والقبول وصيغة الطلاق. ويناقش قرارًا لمحكمة التمييز الاتحادية أبطل طلاقًا وقع أمام محاكم داعش، مبينًا أن القضاء، وفق هذا الرأي، ينبغي أن يتحقق من صحة الطلاق ذاته وآثاره...

نشرت مواقع التواصل الاجتماعي قرار محكمة التمييز الاتحادية المؤرخ في 17/8/2026، والذي قضت فيه بتصديق قرار محكمة الأحوال الشخصية في (.......) المؤرخ في 5/7/2026، حيث قررت فيه رد دعوى المدعي الذي طلب تصديق زواجه من المدعى عليها وتصديق الطلاق الخلعي الواقع بينهما عام 2015 أمام محاكم تنظيم داعش الإرهابية. وجاء في حيثيات القرار التمييزي أن محكمة الموضوع ردت الدعوى؛ لأن الطلاق الخلعي المطلوب تصديقه تم أمام محاكم التنظيم الإرهابي، ويكون باطلًا.

كما جاء في حيثيات قرار محكمة التمييز الاتحادية الذي قضت بموجبه بتصديق قرار محكمة الموضوع: «لأن الطلاق الواقع بين الطرفين بتاريخ 10/5/2015 غير صحيح وباطل شرعًا، حيث تم إجراؤه من قبل ما يسمى بمحاكم داعش الإرهابية وغير الشرعية، وحيث إن الطلاق الخلعي باطل وغير صحيح شرعًا وقانونًا، فإن الزواج الأول يبقى مرعيًا وصحيحًا، ولا يصح تصديق زواج آخر على الزواج الأول، كون الطلاق المدعى به غير صحيح، وحيث إن المحكمة قضت برد الدعوى، فيكون الحكم بما قضى فيه صحيحًا، لذا قرر تصديقه ورد الطعون التمييزية وتحميل المميز رسم التمييز، وصدر القرار بالاتفاق في 4/ربيع الأول/1448هـ الموافق 17/8/2026م».

أولًا: قرار محكمة التمييز الاتحادية

ادعت المدعية لدى محكمة الأحوال الشخصية في (......) بأن المدعى عليه زوجها، وقد طلقها بتاريخ 10/5/2015، وقام بالزواج منها خارج المحكمة بتاريخ 29/10/2016، على مهر معجله (مليون ومائتان وخمسون ألف دينار) غير مقبوض، ومؤجله (ثلاثة ملايين دينار) غير مقبوض، باقٍ في ذمة الزوج، تستحقه عند أقرب الأجلين، ولم يتم تسجيل الطلاق ولا الزواج في السجلات الرسمية؛ لذا طلبت دعوة المدعى عليه للمرافعة والحكم بتصديق الطلاق والزواج المذكورين أعلاه، وتحميله الرسوم والمصاريف.

أصدرت محكمة الموضوع بالعدد 0000 في 5/7/2026 حكمًا حضوريًا يقضي بعدم صحة الطلاق الخلعي الواقع بتاريخ 10/5/2015 أمام محكمة تنظيمات داعش الإرهابية بين المتداعيين، ورد دعوى المدعية بطلب تصديق الطلاق والزواج، وتحميل المدعية الرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة. طعن وكيل المدعى عليه بقرار الحكم تمييزًا بعريضته المؤرخة في 27/7/2026.

القرار //////

لدى التدقيق والمداولة، وجد أن الطعن التمييزي واقع ضمن المدة القانونية؛ لذا قرر قبوله شكلًا. ولدى عطف النظر على الحكم المميز، وجد أنه صحيح وموافق للشرع والقانون، للأسباب والحيثيات التي استندت إليها المحكمة عند إصدار حكمها المميز؛ لأنها أجرت تحقيقاتها وتوصلت إلى أن الطلاق الواقع بين الطرفين بتاريخ 10/5/2015 غير صحيح وباطل شرعًا، حيث تم إجراؤه من قبل ما يسمى بمحاكم داعش الإرهابية وغير الشرعية، وحيث إن الطلاق الخلعي يُعتبر باطلًا وغير صحيح شرعًا وقانونًا، فإن الزواج الأول يبقى مرعيًا وصحيحًا، ولا يصح تصديق زواج آخر على الزواج الأول، كون الطلاق المدعى به غير صحيح. وحيث إن المحكمة قضت برد الدعوى، فيكون الحكم بما قضى فيه صحيحًا؛ لذا قرر تصديقه ورد الطعون التمييزية وتحميل المميز رسم التمييز، وصدر القرار بالاتفاق في 4/ربيع الأول/1448هـ الموافق 17/8/2026.

ثانيًا: القراءة في ضوء القرار التمييزي

1. تعريف الطلاق: إن المحكمة الموقرة اعتبرت وقوع الطلاق الخلعي أمام المحاكم غير الشرعية وغير القانونية طلاقًا باطلًا، لكن ما يجمع عليه الفقه والشريعة والقانون أن الطلاق يقع بمجرد التلفظ بلفظ الطلاق الشرعي، سواء كان رضائيًا بالاتفاق «الخلع»، أو قضائيًا «التفريق»، أو بتلفظ الزوج، وعلى وفق أحكام المادة (34/أولًا) من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، التي جاء فيها: «الطلاق رفع قيد الزواج بإيقاع من الزوج أو من الزوجة إن وُكلت به أو فُوضت أو من القاضي، ولا يقع الطلاق إلا بالصيغة المخصوصة له شرعًا».

ويرى فقهاء المذهب الشافعي بأن أركان الطلاق خمسة: المطلق «الزوج»، والمطلقة «الزوجة»، والصيغة «لفظ الطلاق»، والمحل «وجود رابطة زوجية قائمة»، والقصد[1]. بينما الفقه الحنفي يرى بأن للطلاق ركنًا واحدًا فقط، وهو اللفظ الذي جُعل دلالة على معنى الطلاق[2]، ويقع الطلاق حالًا إذا صدر ممن يملك الطلاق وصادف محلًا لوقوعه بقيام الرابطة الزوجية، ويقسم اللفظ الذي يقع به الطلاق إلى صريح وكنائي[3]. أما عن الطلاق الخلعي، فإنه إزالة ملك النكاح الصحيح بلفظ الخلع أو بما معناه، كالمبارأة، أي مقابل بدل مع قبول الزوجة[4]. ويرى الفقه الحنفي بأن الطلاق الخلعي له ركنان اثنان فقط، هما الإيجاب والقبول، ويقع بمجرد التقاء الإيجاب مع القبول دون أي شروط أو أركان أخرى[5]. كما يرى شراح قانون الأحوال الشخصية أيضًا بأن الطلاق يقع بمجرد وقوع اللفظ الذي يدل على معنى الطلاق، ويستدلون بأحكام المادة (34/أولًا) من قانون الأحوال الشخصية[6].

2. آثار الطلاق: إن من أهم آثار الطلاق الصحيح التزام المطلقة بالعدة الشرعية، سواء كانت تُحسب بالحيض أو بالطهر أو بالأشهر، إلا أنها تُحسب من تاريخ وقوع الطلاق، أي في لحظة التلفظ بالصيغة الشرعية للطلاق. وحتى لو لم تعلم الزوجة بوقوع الطلاق، فإن عدتها تُحسب من تاريخ التلفظ بصيغة الطلاق، وهذا ما عليه إجماع الفقهاء، حيث تبدأ العدة منذ لحظة الفرقة بين الزوجين[7].

ثالثًا: موقف القضاء من الطلاق الباطل

إن المحكمة، وبعد إجراء التحقيقات اللازمة للتحقق من صحة الطلاق، فإنها أمام قرارين لا ثالث لهما؛ فإذا كان صحيحًا، تقضي بصحته من تاريخ وقوعه عند التلفظ بالصيغة الشرعية، أما إذا وجدت أنه غير صحيح لاختلال ركن من أركانه، فإنها تقضي بعدم صحة الطلاق، وليس برد الدعوى؛ لأن دعاوى الطلاق من دعاوى الحل والحرمة، ولا يجوز للمحكمة أن تتجاوز الفصل في صحة الطلاق نهائيًا. وهذا ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز الاتحادية في العديد من قراراتها، ومنها قرارها بالعدد 8238/هيئة الأحوال الشخصية والمواد المدنية/2012 في 18/7/2012، الذي جاء فيه: «إن محكمة الموضوع أصدرت حكمًا بتصديق الطلاق الواقع بين الطرفين بتاريخ 18/7/2012 واعتباره طلاقًا رجعيًا واقعًا للمرة الأولى، في حين إن الطرفين أقرا بوجود طلاق سابق بينهما بتاريخ 25/7/2008 وحصول الرجعة خلال مدة العدة الشرعية، وكان يقتضي على المحكمة أن تستكمل تحقيقاتها بشأن الواقعة المذكورة وتصدر حكمها الشرعي لتعلق ذلك بالحل والحرمة».

كذلك، لا يجوز للمحكمة إبطال عريضة الدعوى المتعلقة بتصديق الطلاق أو الزواج، سواء بناءً على طلب أطراف الدعوى أو عدم حضورهم، وإنما عليها أن تبحث فيها وتصدر الحكم اللازم بموجبها؛ لتعلقها بالحل والحرمة، وهذا استقرار قضائي منذ أمد طويل.

الخلاصة

من خلال العرض أعلاه، نرى بأن الطلاق بجميع أنواعه لم تكن من بين أركانه شكلية معينة بأن يقع أمام المحاكم أو أمام رجل الدين، وإنما يقع بمجرد التلفظ بالصيغة الشرعية. وفي تطبيقات القضاء العراقي نجد يوميًا دعاوى لا حصر لها تُقام لتصديق الطلاق الخارجي الذي يقع بين الزوجين دون وجود شخص يُلفِّظهم الصيغة، أو أمام رجل الدين، وتصدق المحكمة الطلاق بمجرد التثبت من وقوعه، وتاريخ وقوعه هو تاريخ التلفظ، وليس تاريخ صدور الحكم بتصديقه أو تاريخ إقامة الدعوى بطلب تصديقه.

مما يعني أن الطلاق الخلعي محل البحث في قرار محكمة التمييز الاتحادية محل القراءة هو طلاق وقع وتم، طالما تلفظ به الزوج، والخلع قد وقع بمجرد عرض الزوج «الإيجاب» وقبول الزوجة، ويصبح الطلاق واقعًا من تاريخ التقاء الإيجاب والقبول، ويرتب آثاره الشرعية. ولا يُعتد بوقوعه أمام محاكم شرعية أو غير شرعية، وإنما تتعامل معه المحكمة عند طلب التصديق على أنه طلاق خارجي، وتبحث في أركانه، ومن ثم تحكم بصحته واعتباره من تاريخ التلفظ به.

ومن الأمثلة على ذلك بعض العراقيين المقيمين خارج العراق، وفي بلدان غير إسلامية «أوروبا وأمريكا»، يوقعون الطلاق أمام محاكم تلك الدول غير الإسلامية، ولا تُراعى أحكام الشريعة، وعندما يتقدم أحدهم لتسجيل ذلك الطلاق، فإن المحكمة لا تعتد بالحكم الوارد في قرار المحكمة الأوروبية أو الأمريكية، وإنما تتعامل على أن الطلاق واقع بمجرد اللفظ الشرعي، وتبحث فيه باعتباره طلاقًا خارجيًا، ومن تاريخ وقوعه، وتُحسب العدة من تاريخ التلفظ بصيغة الطلاق.

* قاضٍ متقاعد

..........................................

[1] للمزيد، انظر: الدكتور نظام الدين عبد الحميد، *أحكام الأسرة في الفقه الإسلامي المقارن*، منشورات دار المناهج، طبعة عام 2011، ص 203.

[2] الدكتور عمر عبد الله، *أحكام الشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية*، منشورات دار المعارف في الإسكندرية، طبعة عام 1963، ص 385.

[3] للمزيد، انظر: الدكتور عمر عبد الله، مرجع سابق، ص 397.

[4] للمزيد، انظر: الدكتور عمر عبد الله، مرجع سابق، ص 453.

[5] للمزيد، انظر: الدكتور نظام الدين عبد الحميد، مرجع سابق، ص 306.

[6] الدكتور فاروق عبد الله كريم، *الوسيط في شرح قانون الأحوال الشخصية*، منشورات جامعة السليمانية، طبعة عام 2004، ص 165.

[7] للمزيد، انظر: الدكتور عمر عبد الله، مرجع سابق، ص 520، والدكتور نظام الدين عبد الحميد، مرجع سابق، ص 404.

اضف تعليق