القصدية في التعامل مع الآخر

دراسة في الوعي بالسلوك الإنساني

القصدية في التعامل تكشف أن قيمة السلوك لا تتحدد بظاهره فقط، بل بالدافع الذي يحركه. فالكلمة والصمت والمساعدة والنصيحة قد تبني العلاقة أو تهدمها بحسب النية. لذلك يدعو المقال إلى مراجعة المقاصد قبل الفعل، والتأني في تفسير مقاصد الآخرين، لأن الوعي بالقصد يصنع علاقات أصدق وأكثر احترامًا ومسؤولية وإنسانية...
ابقلم: م.م. زهراء رسول تركي

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]

المقدمة

يُعدّ التعامل مع الآخر من أكثر المظاهر التي تكشف طبيعة الإنسان ووعيه بذاته وبمن حوله؛ فالإنسان لا يعيش منعزلًا، وإنما تتشكل حياته من خلال شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تفرض عليه أن يتكلم، ويصمت، ويقترب، ويبتعد، ويوافق، ويختلف. غير أن هذه الأفعال، على بساطتها الظاهرة، لا تخلو في الغالب من مقصد أو غاية تحركها.

ومن هنا تبرز القصدية بوصفها مفهومًا مهمًا في فهم السلوك الإنساني؛ إذ لا يكفي أن ننظر إلى الفعل من ظاهره، بل ينبغي أن نتساءل عن الدافع الذي يقف وراءه: لماذا قال الإنسان هذه الكلمة؟ ولماذا اختار الصمت؟ ولماذا قدّم المساعدة؟ ولماذا ابتعد أو اقترب؟

وتزداد أهمية القصدية حين يتعلق الأمر بالعلاقات الإنسانية؛ لأن الفعل الواحد قد يحمل معاني مختلفة باختلاف القصد الذي صدر عنه. فقد تكون الكلمة نصيحةً نابعةً من المحبة، وقد تكون الكلمة نفسها وسيلةً للإهانة إذا كان مقصد المتكلم الانتقاص من الآخر. ولذلك فإن دراسة القصدية في التعامل تكشف جانبًا عميقًا من جوانب السلوك الإنساني، يتمثل في العلاقة بين النية والفعل، وبين الباطن والظاهر، وبين الإنسان والآخر.

أولًا: مفهوم القصدية

القصدية في أصلها ترتبط بالقصد، وهو التوجه نحو الشيء وإرادته. أما في الاصطلاح الفلسفي، فقد أصبحت القصدية من المفاهيم المركزية في دراسة الوعي الإنساني، ولا سيما في الفلسفة الظاهراتية؛ إذ ارتبطت بفكرة أن الوعي يتجه دائمًا نحو موضوع ما، وأنه ليس وعيًا فارغًا أو منفصلًا عن موضوعه. وقد أصبحت القصدية مفهومًا أساسيًا في الظاهراتية، ولا سيما في فلسفة إدموند هوسرل.

غير أن القصدية التي يمكن توظيفها في دراسة التعامل الإنساني لا تنحصر في معناها الفلسفي الدقيق، بل يمكن النظر إليها بوصفها توجهًا واعيًا نحو فعل أو موقف أو غاية.

وعليه، فإن الإنسان عندما يتعامل مع الآخر لا يقوم بالفعل فقط، وإنما قد يكون وراء فعله مقصد معين؛ فقد يقصد الإصلاح، أو التقريب، أو المساعدة، أو الإقناع، وقد يقصد السيطرة، أو الإيذاء، أو الاستفادة الشخصية.

ومن هنا يمكن القول إن القصدية تمثل حلقة وصل بين الداخل الإنساني والخارج السلوكي؛ فالنية تنتمي إلى العالم الداخلي، بينما يظهر أثرها في السلوك الخارجي.

ثانيًا: القصدية في التعامل مع الآخر

لا تخلو العلاقات الإنسانية من القصدية؛ فالإنسان يختار أسلوبه في التعامل تبعًا لما يريده من العلاقة أو الموقف. وقد تكون هذه القصدية واضحة لصاحبها، وقد تكون خفية حتى عنه، فتظهر في سلوكه بصورة غير مباشرة.

فحين يختار الإنسان كلمات معينة عند حديثه مع شخص ما، فإن اختيار الكلمات قد يكون مقصودًا. وحين يصمت في موقف معين، فإن صمته قد يكون موقفًا مقصودًا، كما أن الابتعاد عن شخص أو الاقتراب منه قد يحمل غاية معينة.

ولذلك فإن التعامل لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجموعة من الأفعال المنفصلة، وإنما بوصفه سلوكًا دالًا على موقف الإنسان من الآخر.

وتظهر القصدية بصورة واضحة في الحوار؛ فالإنسان قد يدخل الحوار بقصد الوصول إلى الحقيقة، وقد يدخله بقصد إثبات الذات والانتصار على الطرف الآخر. وفي الحالتين قد تبدو الكلمات متشابهة، إلا أن الاختلاف الحقيقي يكمن في الغاية التي تحرك الحوار.

وهذا ما يجعل القصدية عنصرًا مهمًا في التمييز بين الحوار الذي يبني العلاقة والحوار الذي يهدمها.

ثالثًا: النية وأثرها في قيمة التعامل

تحتل النية مكانة أساسية في التصور الإسلامي للأعمال، فقد ورد عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

ويكشف هذا الحديث عن أهمية النية في تقويم العمل، بحيث لا يُنظر إلى صورة الفعل وحدها، وإنما إلى ما وراءه من قصد.

ويمكن إسقاط هذا المعنى على العلاقات الإنسانية؛ فقد يقوم شخصان بالفعل نفسه، ولكن تختلف قيمة فعلهما باختلاف قصدهما. فشخص يقدم المساعدة لأنه يريد الخير للآخر، وآخر يقدمها رغبةً في استغلال حاجته أو الحصول على مصلحة مستقبلية. وقد تكون الصورة الخارجية واحدة، لكن المعنى الإنساني مختلف.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الفعل بوصفه حدثًا خارجيًا، والقصد بوصفه معنى داخليًا.

ومع ذلك، لا يعني حسن النية أن كل فعل يصبح صحيحًا؛ فالنية الحسنة لا تبرر السلوك المؤذي أو الظالم. ولذلك ينبغي أن تجتمع سلامة القصد وصلاح الفعل حتى يكون التعامل سليمًا من الناحية الأخلاقية.

رابعًا: القصدية بين القول والصمت

من أكثر مظاهر القصدية وضوحًا في التعامل الإنساني الكلام والصمت. فالكلمة ليست مجرد أصوات، وإنما قد تتحول إلى وسيلة للبناء أو الهدم بحسب القصد الذي يقف وراءها. قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]؛ فقد يقول الإنسان كلمة مواساة فيرفع بها معنويات شخص منكسر، وقد يقول كلمة جارحة تترك أثرًا طويلًا في نفسه.

وكذلك الصمت؛ فليس كل صمت واحدًا في دلالته. فقد يصمت الإنسان احترامًا للآخر، وقد يصمت حتى لا يجرحه، وقد يصمت لأنه غاضب، وقد يصمت رغبةً في العقاب أو التجاهل.

ومن هنا فإن فهم التعامل الإنساني لا يتوقف عند ما قيل، وإنما يمتد إلى السؤال: لماذا قيل؟ ولماذا لم يُقل؟

وهذا يكشف أن القصدية لا تظهر في الأفعال الصريحة فحسب، بل تظهر كذلك في الأشياء التي يختار الإنسان أن يفعلها أو يمتنع عنها.

خامسًا: القصدية الإيجابية والقصدية السلبية

يمكن أن تكون القصدية في التعامل ذات أثر إيجابي حين يكون مقصد الإنسان قائمًا على الخير والاحترام والإصلاح. ومن أمثلتها: قصد النصح، والمواساة، والمساعدة، والإصلاح بين الناس، والاستماع إلى الآخر، واحترام اختلافه.

وفي المقابل، قد تتحول القصدية إلى عامل سلبي عندما يكون الهدف منها الإيذاء أو الاستغلال أو الإهانة أو السيطرة.

وقد يكون أخطر أنواع التعامل ذلك الذي يبدو حسنًا في ظاهره، بينما يخفي مقصدًا مختلفًا في باطنه؛ لأن الإنسان في هذه الحالة لا يواجه السلوك السلبي بصورة مباشرة، وإنما يكتشفه من خلال تكرار المواقف وتناقض الأقوال والأفعال.

ومن هنا فإن الوعي بالقصدية لا يعني أن نشك في جميع الناس أو نفسر أفعالهم تفسيرًا سلبيًا، بل يعني أن ندرك أن السلوك الإنساني أكثر تعقيدًا من ظاهره، وأن الحكم على الآخر ينبغي أن يكون متزنًا، بعيدًا عن التسرع.

سادسًا: القصدية والمسؤولية الأخلاقية

إذا كان لكل فعل قصد يقف وراءه، فإن الإنسان يصبح مسؤولًا عن مقاصده كما هو مسؤول عن أفعاله. فالإنسان الواعي لا يسأل نفسه فقط: ماذا فعلت؟ بل يسأل أيضًا: لماذا فعلت؟

وهذا السؤال يمثل نوعًا من المراجعة الذاتية التي تساعد الإنسان على اكتشاف دوافعه الحقيقية.

فقد يظن الإنسان أنه ينصح غيره، ثم يكتشف أن في نصيحته شيئًا من الرغبة في فرض رأيه. وقد يظن أنه يدافع عن شخص، بينما يكون دافعه الحقيقي هو الانتقام من خصمه. وقد يظن أنه يبتعد عن شخص لأنه لا يحبه، ثم يكتشف أن ابتعاده نابع من خوف أو سوء فهم.

لذلك فإن الوعي بالقصدية يساعد الإنسان على مراجعة دوافعه قبل الحكم على الآخرين، ويجعله أكثر قدرة على ضبط سلوكه وإقامة علاقاته على أساس من الصدق والوضوح.

الخاتمة

يتضح مما سبق أن القصدية تمثل جانبًا أساسيًا في فهم التعامل الإنساني؛ لأن السلوك الظاهر لا يكشف دائمًا عن المعنى الحقيقي للفعل، إذ تقف وراء كثير من الأفعال نيات ودوافع وغايات تحدد اتجاهها.

فالكلمة قد تكون محبة أو أذى، والصمت قد يكون احترامًا أو تجاهلًا، والنصيحة قد تكون نصحًا صادقًا أو محاولة للسيطرة، والمساعدة قد تكون إحسانًا أو وسيلة لتحقيق مصلحة.

ومن ثم فإن التعامل الواعي مع الآخر يقوم على أمرين متلازمين: أن يراجع الإنسان قصده قبل أن يتصرف، وأن يتأنى في تفسير مقاصد الآخرين. فليس من الحكمة أن نحاكم الناس إلى نيات نفترضها، كما ليس من الصواب أن نهمل أثر النية في أفعالنا.

إن القصدية تجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يصدر عنه، وأكثر إدراكًا لمسؤوليته تجاه الآخرين؛ ولذلك يمكن القول إن جودة العلاقات الإنسانية لا تتوقف على حسن التعامل الظاهر فحسب، بل تبدأ من حسن القصد الذي يسبق ذلك التعامل.

فما نفعله بالآخر قد ينساه، لكنه قد لا ينسى أبدًا الشعور الذي تركناه فيه.

.................................

المصادر:

• القرآن الكريم.

• صحيح البخاري، وصحيح مسلم.

• العيادي، فتيحة، وغانم، جويدة، «القصدية بين إدموند هوسرل وجون سيرل»، مجلة مقاربات فلسفية، المجلد 12، العدد 1، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم، كلية العلوم الاجتماعية، مخبر الفلسفة والعلوم الإنسانية، 2025.

• إدموند هوسرل، *أفكار ممهدة لعلم الظاهريات الخالص وللفلسفة الظاهراتية*، ترجمة فتحي إنقزو، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007.

اضف تعليق