اختلاف الفيلسوف عن صاحب الأيديولوجيا يكمن في البدايات؛ فالأخير يبدأ بالنتيجة ثم يبحث عما يؤيدها، بينما يبدأ الفيلسوف بالسؤال ويتبع الدليل حيث يقوده، مستعداً لمراجعة آرائه أمام البرهان الأقوى، بوصف الفكرة الناقصة هي التي لا تنعكس على حياة الناس وتزيد قدرتهم على تحقيق العدل والحد من الهدر...
إذا كان المهندس يبني الجسور، والطبيب يعالج الأجساد، والمعلم ينقل المعرفة، فماذا يفعل الفيلسوف؟ إن الفيلسوف يبني الأفكار التي تقوم عليها الحضارات. فكل دولة تقوم على فكرة، وكل قانون يقوم على فكرة، وكل نظام اقتصادي أو سياسي أو أخلاقي يقوم على فكرة. وقبل أن يبني الإنسان مدينة، لا بد أن يبني تصورًا عنها في عقله. وهنا يبدأ عمل الفيلسوف.
إن مهمة الفيلسوف ليست أن يقدم للناس أجوبة جاهزة، وإنما أن يعلمهم كيف يفكرون. فهو يميز بين الحقيقة والوهم، وبين البرهان والدعاية، وبين المعرفة والرأي، وبين ما ينفع الإنسان وما يضره.
ولهذا كان للفلاسفة دور كبير في تطور الإنسانية. فهم الذين ناقشوا معنى العدالة، والحرية، والحقوق، والدولة، والعلم، والأخلاق، وأسهموا في بناء المفاهيم التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة.
والفيلسوف الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحاول فهم أسبابه، ثم يبحث عن الطريق إلى تحسينه. فهو لا يسأل فقط: لماذا حدث هذا؟ بل يسأل أيضًا: كيف نجعل المستقبل أفضل؟
ومن هنا يختلف الفيلسوف عن صاحب الأيديولوجيا. فصاحب الأيديولوجيا يبدأ بالنتيجة ثم يبحث عما يؤيدها، أما الفيلسوف فيبدأ بالسؤال، ويتبع الدليل حيث يقوده، ويكون مستعدًا لمراجعة آرائه إذا ظهر برهان أقوى.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن وظيفة الفيلسوف ليست إنتاج الأفكار من أجل الأفكار، بل إنتاج الأفكار التي تساعد الإنسان على بناء حضارة أفضل. فالفكرة التي لا تنعكس على حياة الناس، ولا تزيد من قدرتهم على تحقيق العدل، وإنتاج العلم، وتعظيم القيمة، وتقليل الهدر، تبقى فكرة ناقصة مهما بلغت درجة تجريدها.
إن الفيلسوف الحقيقي لا يهرب من الواقع، بل يغوص فيه، لأنه يعلم أن أعظم الأفكار هي التي تستطيع أن تغير حياة البشر. ولهذا فإن الحضارات لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالمال وحده، ولا بالتقنية وحدها، وإنما تُبنى أولًا بالأفكار التي تمنح كل ذلك اتجاهًا ومعنى.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل نحتاج إلى الفلاسفة؟ وإنما: كيف يمكن لأي مجتمع أن يواجه تحدياته الكبرى من دون من يفكر في الاتجاه الذي ينبغي أن يسير فيه؟ فالفيلسوف هو الذي يساعد الأمة على أن ترى أبعد من حاضرها، وأن تدرك أن مستقبلها يبدأ دائمًا بفكرة صحيحة.



اضف تعليق