الخوف من التغيير قيد خفيّ يشلّ إرادة الإنسان ويراكم العقبات في طريقه، فيحبسه داخل العادات السيئة، والأوهام، والاستبداد، واليأس، ويحوّل العمر إلى فرص ضائعة. والتغيير الحقيقي يبدأ من النفس، بمواجهة الخوف، وكسر الجمود، وتكرار المحاولة، وبناء العادات الصالحة؛ فآلام الماضي والحاضر الواعية تصبح نجاحًا ولذةً عميقة في المستقبل...
تأتي هذه المقالة في موضوع الخوف من التغيير استكمالًا للمقالتين السابقتين ضمن محور: الإنسان والحياة(1)، وما يواجهه الإنسان من تحديات أساسية، مثل الأهداف، والوقت، والعمر.
فالخوف من التغيير كثيرًا ما يتحول إلى عائق دائم في حياة الإنسان؛ يراكم العقبات في طريقه، ويمنعه من تحقيق أهدافه، ويضعف قدرته في مواجهة التحديات، والسير نحو الكمال الممكن في حياته.
وبصورة أدق، فإن العمر والوقت يُعدّان من أبرز المصادر التي يتغذّى منها هذا الخوف في حياة الإنسان؛ إذ يشعر الإنسان أحيانًا أن الزمن يمضي، وأن العمر يتقدم، وأن أي تغيير قد يضعه أمام مجهول لا يملك القدرة على التعامل معه.
مفهوم الخوف من التغيير
يمكن أن نعرّف الخوف من التغيير بأنه نوع من الخوف الداخلي الذي يصيب الإنسان، فيمنعه من التطور والتقدم، ويدفعه إلى الركود والجمود والبقاء في مكانه، حتى وإن كانت الحياة من حوله تتحرك وتتبدل وتتطور.
فتطور ظروف الحياة، والتغيّرات الدائمة في هذا الكون المتحرك، يفرضان على الإنسان باستمرار أن يعيد تشكيل نظامه الفكري والنفسي والسلوكي، حتى يستطيع أن يتكيف مع التطور الحتمي الجاري في الحياة. ومعظم الأزمات التي تعيشها المجتمعات، أو يخوضها الأفراد، هي نتيجة واضحة لضعف القدرة على التكيف مع حركة الحياة وتطورها.
فالتغيير سنة ثابتة من السنن الإلهية، تفرض نفسها على حياة الإنسان، ولا يمكن له أن يقاومها إلى النهاية، أو يختار الجمود والبقاء على حال واحدة. وقد قال تعالى في كتابه الحكيم:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد 11.
فالخوف من التغيير يعني أن يعجز الإنسان عن مواصلة عملية التقدم والحركة نحو الأمام، فيبقى جامدًا في مكانه، أو يتراجع إلى الوراء في حالة من الركود والتوقف. وهذا يعني أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من النفس، من الفكر، من الإرادة، ومن طريقة النظر إلى الحياة. ومعظم الازمات التي تعيشها المجتمعات ويخوضها الأفراد هي نتاج واضح لعدم وجود التكيف مع تطور الحياة.
وقد يحصل أحيانًا نوع من التغيير السطحي؛ كأن يحرص الناس على تغيير سياراتهم، وأجهزتهم، وأثاث منازلهم باستمرار، لكنهم في المقابل يقاومون بشدة تغيير الشيء القليل من أفكارهم أو عاداتهم أو أنماط تفكيرهم، حتى لو كان هذا التغيير ضروريًا وسهلًا. وهذا التغيير السطحي قد يكون في باطنه تعبيرًا لا واعيًا عن الخوف من الإقدام على التغيير الحقيقي.
لكن هذا الكون قائم على الحركة، والحركة فيه حتمية. ولذلك فإن تقدم الإنسان ينبغي أن يكون حتميًا أيضًا، حتى ينسجم مع السنن الإلهية الثابتة، ومع حركة الزمن، ومع طبيعة الحياة.
قال تعالى:
(وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) سورة العصر.
فالعمر يتغير، ويتقدم إلى الأمام، وكل شيء في الإنسان يتغير. جسم الإنسان يتغير منذ أن ينشأ صغيرًا، فيبدأ بالنمو، وتنمو خلاياه وتتبدل، ويتغير كل شيء فيه، حتى يصل إلى مرحلة من العمر، كالثلاثين أو الخامسة والثلاثين مثلًا، فتبدأ عملية أخرى من التغير، وهي التغير نحو الضعف والانحدار التدريجي.
فهذه الحركة المستمرة، حركة العمر مع حركة الكون، لا تتوقف.
والإنسان الذي يستطيع أن يواكب هذه الحركة، ويتغير معها، ويتغلب على ضغط الزمن، ويكون مواكبًا لها أو متقدمًا عليها، هو الإنسان الموفق في حياته، الناجح في مسيرته وفي تحقيق اهدافه. أما الإنسان الذي يقف راكدًا، ويريد أن يوقف حركة الزمن، ويخاف من التغيير، فإنه يبقى جامدًا، وفي النهاية يكون خاسرًا. أما الذين واكبوا الحركة، وتقدموا معها، فهم الرابحون، كما عبّرت عن ذلك سورة العصر.
ولهذا فإن التغيير سنة حتمية في الإنسان والمجتمعات والأمم، والذين لا يواكبون التغيير يفشلون حتمًا، ثم يصلون إلى مرحلة الإحباط والاكتئاب، ومن بعدها إلى الانحطاط والانحلال.
كيف يتحول الخوف إلى خسارة؟
معنى الخوف من التغيير: أن يتوقف الإنسان في محطة من محطات حياته عن الحركة، ويتخلى عن السعي للوصول إلى غاياته وأهدافه، خوفًا من أشياء كثيرة قد تكون حقيقية، وقد تكون وهمية.
فلو تأملنا قليلا في مثال عن الفرق بين إنسان تقدم في حياته، وآخر توقف في مكانه، مثل الذي توقف في دراسته عند المرحلة الابتدائية، والآخر استمر في حركته العلمية والدراسية حتى حصل على الدكتوراه. فالأول جمّد عمره، أما الثاني فقد استثمر عمره، واستمر في عملية الحركة نحو الأمام، حتى وصل إلى مرحلة متقدمة في حياته.
وكذلك نرى بعض الناس الذين قدموا خدمات عظيمة للبشرية، أو استثمروا أعمارهم في العلم والعمل والإبداع، حتى وصلوا إلى مراحل كبيرة من الإنجاز؛ فكتب أحدهم مئة كتاب، أو أنجز مشروعًا خدميًا نافعا. هذا الإنسان واكب الحركة، وبقي مع التغيير، واستجاب للحاجة الأساسية في الحياة، وهي أن يستثمر الإنسان عمره في العلم والمعرفة والعمل الصالح، حتى يكون فاعلا ومفيدًا ومثمرًا في الحياة.
التغيير المادي والتغيير المعنوي
حين نتحدث عن التغيير، فإننا لا نقصد التغيير في الأشياء المادية فقط، بل نقصد التغيير في المعاني، والأفكار، والعادات، والقيم، والسلوك.
فنحن في حياتنا كثيرًا ما نستعمل كلمة التغيير بمعناها المادي، فنقول: هذا يريد أن يغير بيته، أو سيارته، أو أثاث منزله. لكن هذا ليس هو المقصود الأساسي من حديثنا.
أما المقصود هنا فهو التغيير المعنوي الكبير؛ التغيير الأخلاقي والفكري والنفسي، الذي يحسّن وجود الإنسان، ويرتقي به، ويجعله أكثر قدرة على فهم نفسه، وإصلاح حياته، وأداء دوره في المجتمع.
العادات السيئة والخوف من تغييرها
من الأمثلة الواضحة على الخوف من التغيير أن بعض الناس يحملون عادات سيئة، ثم يقفون عندها، ويخافون من تغييرها، فيبقون أسرى لها.
فمثلًا: هناك إنسان يدخن، والتدخين عادة سيئة مضرة، وآثارها الصحية والنفسية والاقتصادية واضحة. وهناك من يكثر من الطعام، أو يقضي وقتًا طويلًا في المقاهي، أو يستسلم لعادات أخرى تستهلك وقته وصحته وعمره. فهذه كلها من العادات السيئة التي قد تسيطر على الإنسان.
وهنا نسأل: لماذا لا يغير الإنسان عاداته السيئة؟
الجواب: لأن الخوف من التغيير يمنعه. فهو لا يقدم، ولا يملك الجرأة الكافية على التغيير. يخاف أن يتوقف عن التدخين، ويتساءل: ماذا سيحدث ان قام بتغيير عادته، حيث يسيطر عليه الخواء والبقاء وحيدا مع آلامه؟ وبهذه الأوهام التي تختلقها رغباته يبقى أسيرًا لعادته، لا لأنه لا يستطيع الخروج منها، بل لأنه يخاف الخروج منها.
التغيير النفسي أساس كل تحول
لذلك، حين نتحدث عن التغيير، فإننا نتحدث أولًا عن التغيير النفسي.
قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد/11.
فكل تغيير حقيقي يبدأ من النفس، وينشأ من الداخل.
فالإنسان إذا كان بخيلًا، لا بد أن يغير ما في نفسه. وإذا كان جبانًا، لا بد أن يغير ما في باطنه. وإذا كان يكذب أو ينافق، فلا بد أن يغير ذاته. فالتغيير يبدأ من نفس الإنسان: أن يرى أخطاءه، ويشخص عيوبه، ثم لا يخاف من تغيير تلك الأخطاء والعيوب، ولا يتوهم أن التغيير سيقوده إلى كارثة أو مفاجأة مدمرة في حياته.
فالإنسان الممتلئ بالعيوب، والأخطاء، والعادات السيئة، هل هو إنسان يحب نفسه حقًا؟
في الحقيقة هو لا يحب نفسه، بل يحب شهواته، ويحب تلك الملذات العابرة التي يستأنس بها، ويتصور أنه يشبع نفسه من خلالها، لكنه في الواقع يؤذي نفسه، ويضيع وقته، ويبدد حياته. وفي النهاية يصل إلى مرحلة من عمره، فينظر إلى الوراء، فيرى أنه لم يصنع شيئًا حقيقيًا.
وهناك رواية شريفة سنذكرها لاحقًا، تبين معنى تحسر الإنسان في آخر عمره بسبب الخوف من التغيير، وبسبب ضياع الفرص التي كان يمكن أن تصنع منه إنسانًا آخر.
مظاهر الخوف من التغيير
لا يظهر الخوف من التغيير دائمًا بصورة مباشرة، فقد يتخفّى أحيانًا خلف الخضوع، أو اليأس، أو التمسك بالعادات، أو تبرير العجز. ومن خلال هذه المظاهر نستطيع أن نكتشف كيف يتحول الخوف من حالة داخلية صامتة إلى سلوك يعطل الإنسان والمجتمع عن التقدم.
أولًا: الخضوع والخنوع والقبول بالاستبداد
أول مظهر من مظاهر الخوف من التغيير هو الخضوع والخنوع والقبول بالاستبداد. وهذا مظهر واضح جدًا في حياة الأفراد والمجتمعات.
نحن نتحدث هنا كذلك عن مظهر اجتماعي وسياسي عام. فكثير من الأمم تعيش التخلف، وهذا التخلف ناشئ في جانب كبير منه في الاستبداد الذي يحكم الأمة أو المجتمع؛ سواء كان استبدادًا سياسيًا، أو اجتماعيًا، أو اقتصاديًا، أو استبدادًا في الأعراف والتقاليد.
فالاستبداد الذي يخضع له الإنسان باستمرار يجعله جامدًا، راكدًا، خانعًا في مكانه، لا يتقدم، بل يعيش الأزمات على نحو دائم.
وهذا مظهر واضح من مظاهر الخوف من التغيير، لأن الإنسان يقول في نفسه: من يضمن لي المستقبل؟ وإذا خرجت من الخنوع والخضوع والاستبداد، فمن يعطيني الأمن؟
المفاجأة المصاحبة للتغيير
لا شك أن التغيير تصاحبه مفاجآت. لكن ليس كل المفاجآت سيئة، حيث يتوقف الأمر على نوع التغيير. هناك تغيير سلبي، وهناك تغيير إيجابي. وهناك تغيير مدروس، وهناك تغيير سريع وفجائي. وليس كل انتقال من حال إلى حال يعني الهلاك أو الفوضى أو الضياع.
فإذا كان الإنسان يعيش في نظام استبدادي، لا يملك فيه القدرة على اتخاذ القرار، أو التفكير الحر، أو الإبداع، أو التعبير عن رأيه، فإنه يعيش خائفًا؛ يخاف من نظام ظالم، ومن أجهزة تراقبه وتتجسس عليه وتقمعه وتسجنه. لكن إذا تغير الزمن، وانتقل إلى بيئة أخرى فيها مساحة من الحرية، فإنه يواجه مفاجأة كبيرة، لكنها قد تكون مفاجأة إيجابية؛ إذ تخرج طاقاته، وتتحرر قدراته، ويستطيع أن يتكلم ويفكر ويبدع.
الاستبداد داخل المجتمع والأسرة
ومن الأمثلة على ذلك الاستبداد الابوي، إلى درجة خوف الابن من أي قرار يتخذه مستقلا عن والده. فيفتقد القدرة على التفكير المستقل، ولا على الاختيار، ولا على التعبير عن نفسه. بل حتى إذا خرج إلى الشارع وجلس مع أصدقائه، فإنه يظهر شابًا كئيبًا، خائفًا، مضطربًا، يعيش على الهامش دون بروز واضح لشخصيته.
وهنا يظهر وجه آخر من وجوه الخوف من التغيير، وهو ما يمكن أن نسميه توارث الأفكار الوهمية، التي تتراكم داخل أذهان المجتمع، حتى يتصور الناس أن الحرية تؤدي إلى الانفلات والفوضى، وأن الاستبداد هو الطريق إلى الانضباط والالتزام. وهو انطباع غير سليم، فالإنسان له عقل وجوهر، وله وجود، فلا ينبغي أن يخاف من التغيير.
قال تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) الأعراف/157.
فالجاهلية كانت تحمل أغلالًا، وأمراضًا واجتماعية وأوهاما نفسية، فجاء النبي صلى الله عليه وآله ليحرر المجتمع من هذه الأغلال والأوهام.
فالاستبداد تعبير عن الخضوع للأقوى، ومظهر من مظاهر الاعتقاد الخاطئ بأن الأمن يأتي عبر الاستبداد. وهذا غير صحيح. فالحرية هي التي تصنع الالتزام الحقيقي، والطاعة الواعية، والمحبة، والاحترام. لكن الحرية الحقيقية تحتاج إلى تعليم، وممارسة، ووعي، وتربية مستمرة.
إن الاستبداد، بحسب القراءة والتتبع، لا يصنع الانضباط الحقيقي، بل يؤدي غالبًا إلى الانفلات والانفجار السلبي وردود الفعل العكسية الكبيرة.
نعم، قد يضبط الأمور في فترة من الزمن بالقوة والإرهاب والتخويف، لكنه في لحظة معينة ينفجر، وينتهي إلى انفلات، وينتج شخصية سلبية تجاه الحياة والمجتمع والقانون والقيم.
ثانيًا: اليأس والإحباط وغياب الإرادة
المظهر الثاني من مظاهر الخوف من التغيير هو اليأس والإحباط وغياب الإرادة.
فالإنسان الذي يعاني من الخوف من التغيير يعاني غالبًا من اليأس والإحباط. وهناك حالة موجودة فعلًا يمكن تسميتها: التعايش مع اليأس والإحباط.
بل إن البعض أحيانًا يستلذ بالتعايش مع اليأس، لأنه يرمي المسؤولية على الآخرين، وعلى الظروف، وعلى الضغوط، وعلى المجتمع، ويتوهم أنه بذلك يبرئ نفسه وينقذها، لكنه في الحقيقة يخدع نفسه. وهذا الشعور يمكن أن نربطه بما يسمى عقدة الاضطهاد، حيث يرى الإنسان نفسه دائمًا ضحية، ويرى الآخرين دائمًا سبب فشله.
لكن الحقيقة أن أحدًا لن يبكي عليه إذا لم يبكِ هو على نفسه. وإذا لم يشعر بالمسؤولية تجاه نفسه، ولم يتألم لأجلها، بل هو الذي سيدفع الثمن.
فالذي لا يشعر بالمسؤولية تجاه نفسه، ويرمي اللوم دائمًا على الآخرين، إنما يدمر ذاته. وهذا اليأس مدمر للإنسان؛ ولذلك يمكن أن نسميه نوعًا من الاستلاب الذاتي للإرادة؛ أي كأنني أنا الذي أقتلع إرادتي من نفسي، وأرميها بعيدًا. أنا الذي أدمر الإرادة الإنسانية التي أنعم الله تعالى بها علي. وهذه هي حالة من الجبرية الاختيارية النفسية والفكرية.
البيئة الراكدة وموت الإرادة
النقطة الأولى تؤدي إلى النقطة الثانية؛ فالاستبداد يؤدي إلى اليأس. وهنا قد يقال: إن معالجة هذا الأمر تحتاج إلى مؤسسات، وإلى جهود توعوية، وإلى عمل طويل؛ لأن ظروف الإنسان أو ثقافته ربما دفعته إلى هذه الحالة.
والجواب: نعم، البيئة تؤثر، لكنها لا تلغي مسؤولية الإنسان بالكامل. فليس الأمر أن الإنسان مجبور بالمعنى الحتمي، لكن البيئة المحيطة حين تكون بيئة خانعة، خاضعة، راكدة، جامدة، فإنها تجذب إليها كل الأشياء السلبية.
ولنضرب مثالًا واضحًا: ما الفرق بين ماء النهر الجاري السريع، وبين مستنقع المياه الراكدة؟
الفرق أن ماء النهر الجاري يكون نظيفًا، زلالًا، متجددًا، أما مستنقع المياه الراكدة فتجتمع فيه الأمراض، والروائح، والقاذورات، ويصبح مرتعًا لكل الأشياء السيئة. وكلما كان جريان الماء أسرع، كان أكثر نقاءً وصفاءً.
وهكذا الإنسان. عندما يكون متحركًا، يكون أكثر نقاءً، وأكثر تقدمًا، وأكثر قدرة على التطور. أما عندما يكون راكدًا جامدًا في مكانه، فإن الأمراض النفسية والجسدية والفكرية تبدأ بالتسلل إليه.
وهذا واضح حتى في المقارنة بين الإنسان الرياضي، والإنسان الذي يجلس في بيته دائمًا بلا حركة. فالحركة لها دور في صحة الإنسان النفسية والجسدية والفكرية والعقلية. أما الركود والجمود فيؤديان إلى تدمير هذه العناصر كلها، وخصوصًا الإرادة، حتى يشعر الإنسان بأنه مجبور، وأنه لا يملك شيئًا.
وعندما جاء بنو أمية إلى الحكم، قالوا للناس: نحن جاء بنا الله سبحانه وتعالى إليكم، وأنتم مجبورون على قبولنا. فنشروا ثقافة الجبرية، وثقافة نفي حرية الإرادة عن الإنسان. وكل الأنظمة الفاسدة والمستبدة تنشر هذه الثقافة؛ ثقافة الجبرية، وثقافة سلب الإرادة من الإنسان، حتى يصبح الإنسان خانعًا، خاضعًا، قابلًا للسيطرة.
ثالثًا: نظرية المؤامرة وتبرير العجز
ومن مظاهر الخوف من التغيير، ومن أدوات تبرير الاستبداد واليأس والإحباط، الإيمان المطلق بنظرية المؤامرة.
فنظرية المؤامرة، إذا أردنا أن نسميها بدقة، هي في كثير من الأحيان حالة من حالات تبرير الفشل، أو تبرير البقاء على ما هو موجود، والبقاء في المأساة التي نعيشها.
فنحن نقول دائمًا: هناك مؤامرة، والأعداء أقوى منا، وهم المسيطرون، وهم الذين بيدهم كل شيء. وبذلك نتخلى عن مسؤوليتنا، ونغطي عجزنا، ونحوّل الهزيمة الداخلية إلى شماعة خارجية.
وهذا من مظاهر الخوف من التغيير؛ لأننا نخاف من التغيير بحجة أن الأعداء مسيطرون علينا، وأنهم أقوى منا، وأن كل شيء بأيديهم. وهذا أيضًا نوع من الاستلاب الذاتي للإرادة، وفي النهاية يؤدي إلى الخوف من مقاومة الطغيان.
ولكننا نقرأ في القرآن الكريم: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة/256.
والآية تشير أيضًا إلى قضية الطغيان. فالطغيان مشكلة كبيرة في حياة الإنسان. والطغيان ليس مجرد حاكم مستبد، بل هو منظومة ثقافية كاملة. فقد يكون الحاكم طاغية، وقد يكون الفرد داخل المجتمع طاغية أيضًا. وهكذا تصبح عملية القبول بالطغيان، والقبول بالاستبداد، أمرًا عاديًا في الوعي العام.
وفي قصة فرعون، يقول تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) الزخرف/54.
أي إنه استخف بعقولهم، واستهان بكرامتهم، فاستجابوا له وأطاعوه. لأنه حاكم مستبد طاغية، ولأنهم قبلوا أن يعيشوا تحت هيمنة الطغيان.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ يبيّن أن الفسق الداخلي قادهم إلى الخضوع لفرعون، كما أن هيمنة الطغيان نفسها تؤدي أيضًا إلى الفسق والانحراف. وفي الحالتين نحن أمام تدمير كامل للمجتمع.
ولكن لماذا يستأنس الإنسان بالطغيان، ويقبله، ويتعايش معه؟
بسبب نظرية المؤامرة، ونظرية القوة الطاغية، والبحث عن الأمن الوهمي تحت ظل المستبد. مع أن الطاغية، في حقيقته، لا يملك قيمة ذاتية كبيرة. وقد رأينا في أعمارنا، وفي العقود الماضية، كيف زال الطغاة، وكيف سقطوا كأوراق الشجر.
لكن المجتمعات اليائسة، الواهمة، التي تخاف من التغيير، والتي تبحث عن أمن زائف تحت ظل الطغاة، هي التي تمنح هؤلاء الطغاة قيمة. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾.
من أين يتكون الخوف؟
هنا يبرز سؤال مهم: هذا الخوف الذي يتولد عند الإنسان، هل يصنعه الإنسان لنفسه؟ أم إن صاحب السلطة، وصاحب الدولة، وصاحب المال، وصاحب الموقع الأعلى، هو الذي يزرع الخوف في الناس؟ من الذي يصنع هذا الخوف داخل الإنسان؟
الجواب: إن الخوف غالبًا نتيجة زراعة طويلة المدى.
فهو ليس شيئًا يولد مع الإنسان بهذا الشكل منذ الطفولة. نعم، الإنسان يبحث بطبيعته عن الأمان، والأمان من أهم الحاجات الغريزية عنده، وهو يبحث عن السلام الداخلي والطمأنينة، ويبتعد عن كل ما يؤذيه. ولذلك يكون الخوف في أصله نوعًا من الحماية للنفس.
فمثلًا، إذا صعد الإنسان إلى حافة جبل، فإن الخوف يجعله يحذر حتى لا يقع. وهذا خوف طبيعي، فيه حذر. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الخوف شديدًا ومتضخمًا، ويتحول إلى طبع راسخ في الإنسان، وتصبح كثير من مخاوفه أوهامًا لا حقائق.
وهنا يأتي الطاغية، أو الحاكم الفاسد، أو النظام المستبد، فيسيطر عليه بسهولة، ويستخف به، ويستعبده، بسبب هذا الخوف من التغيير.
يقول له الحاكم: لا تغير، فسيأتيك الأسوأ.
نعم، قد تأتي بعض الأنظمة بما هو أسوأ، ثم يقول الإنسان بعد ذلك: كان السابق أرحم. لكن هذه الدائرة كلها تنشأ من الخوف من التغيير، ومن غياب الوعي، ومن عدم امتلاك مشروع بديل، ومن ضعف الإرادة الجماعية.
رابعا: التعايش مع الفشل والخوف من النجاح
ومن المظاهر الكبيرة والواضحة للخوف من التغيير: التعايش مع الفشل، والخوف من النجاح.
لأن الإنسان الخائف، كما قلنا، يخاف من التحديات، وخصوصًا إذا نشأ في بيئة تربوية خائفة، قائمة على التخويف. فالطفل في بعض مجتمعاتنا يُعلَّم الخوف منذ صغره، بل يُجبر على الخوف، فيمضي في حياته كلها خائفًا، ويتعايش مع الخوف، ثم يتعايش مع الفشل أيضًا.
فالإنسان إذا أراد أن ينجح في حياته، فلا بد أن يكسر حالة الخوف من التغيير، حتى يستطيع العبور إلى مرحلة جديدة.
قد يقال هنا: البيئة تفرض عليه ذلك، فكيف يغير الإنسان إذا كان رب الأسرة نفسه يفرض هذا الخوف؟
نعم، هذه حالة اجتماعية عامة. ونحن نتحدث أحيانًا عن الخوف من التغيير الفردي، وأحيانًا عن التغيير الاجتماعي، وأحيانًا عن التغيير السياسي، وكل ذلك مطلوب. لكننا هنا نبدأ من التغيير الفردي؛ لأن التغيير يبدأ دائمًا من النفس، من الذات، ثم ينعكس بعد ذلك إلى تجربة ناجحة يراها الناس، فيدركون أن هذا الإنسان كسر الطوق، وتجاوز الإطار الضيق، وفتح لنفسه بابًا جديدًا.
ومن هنا تبرز أهمية الحوار بين الأجيال بين الآباء والأبناء. وعلى الأب أن يلاحظ أن الأفعال الجبرية والقسرية لها عواقب وأزمات، وقد تنتج مشكلات عائلية وزوجية واجتماعية، وقد تجعل الابن بلا شخصية، فيكون ذلك تدميرًا لوجوده النفسي والمعنوي. ثم إن هذا الولد، بسبب تطبعه بهذا الأسلوب، قد يكرر شخصية الأب نفسها مع أبنائه، فتتحول الأخطاء إلى دائرة متوارثة.
فنحن نشاهد دائمًا بعض الآباء يفرضون ما مروا به على أبنائهم فرضًا. لكن القاعدة واضحة: لا إكراه. فالإكراه والقسر لا يبنيان إنسانًا سليمًا. الإكراه هو انضباط جبري، والإنسان ليس كائنًا مجبورًا، بل هو كائن حر في أصل وجوده ومسؤوليته.
ولذلك ينبغي للأب أن يمارس دور الإرشاد، والنصح الحكيم، والتوجيه الهادئ، حتى يربي شخصية صالحة. فالتربية السليمة تقوم على الإرشاد والنصح، لا على الإلزام القسري، ولا على الانضباط القهري. وبعد ذلك ينبغي أن يترك الابن يتعلم الاقتناع، وأن يعطيه مساحة من الحرية والتفكير والاختيار، مع بقاء التوجيه والإرشاد من غير فرض ولا قهر.
وعن الإمام علي عليه السلام:
(لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)(2).
وليس المقصود فقط اختلاف الزمن، بل المقصود أيضًا اختلاف الشخصيات والظروف والاستعدادات. فلكل إنسان شخصية معينة، ولا ينبغي أن نريد استنساخ شخصية من شخصية أخرى؛ لأن هذا الاستنساخ يلغي الوجود الحقيقي للإنسان، ويصادر إرادته، ويجعله صورة مكررة لا روح فيها.
الخوف من متاعب النجاح
لذلك فإن التعايش مع الفشل، والخوف من النجاح، نقطة أساسية في حياة الإنسان الذي يخاف من التغيير. لأنه تعلّم الخوف، فيخاف. وإذا نجح في حياته، فقد يتوهم أن النجاح نفسه سيجلب له متاعب أو مسؤوليات أو انعكاسات لا يريدها، فيقول في نفسه: الأكثر أمانا أن أرتاح في منطقة الفشل. أما إذا أردت أن أنجح، فعليّ أن أدرس أكثر، وأتعب أكثر، وأجتهد أكثر. وهذا قد يراه عبئًا نفسيًا، فيميل إلى الراحة السلبية.
وهذا هو التعايش مع الفشل، خصوصًا إذا فشل الإنسان مرة واحدة. فبعض الناس يمكن أن نسميهم ذوي المحاولة الواحدة؛ يحاول مرة، فإذا فشل توقف. مع أن الحياة لا تقوم على محاولة واحدة، والفرص لا تأتي عادة من أول محاولة، بل من محاولات كثيرة ومتراكمة.
ولو نظر كل إنسان إلى حياته، وإلى نجاحاته وإخفاقاته، لوجد أن النجاحات التي حصل عليها لم تأتِ غالبًا من محاولة واحدة، بل من محاولات كثيرة، ومن تجارب فاشلة أيضًا. ولذلك لابد للإنسان أن يستمر، وألا يهاب التغيير والنجاح والضغوط.
بكائية الذات والبرمجة السلبية
أما التعايش مع الفشل، فأنا أسميه بكائية على الذات، حيث يبكي الإنسان على نفسه، ويقول: أنا لا أملك حظًا. وهذه الكلمة السلبية منتشرة بين الناس، وهي في حقيقتها برمجة ذاتية سيئة ومدمرة. فالإنسان يبرمج نفسه على التعايش مع الفشل، بأن يلقن نفسه بأنه فاشل. وهذا من أشد ما يدمر النفس والإرادة.
وفي هذا المعنى عن الإمام علي عليه السلام:
(قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ وَالْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ)(3).
فالهيبة هنا بمعنى الخوف الشديد، وهذه الهيبة تقترن بالخيبة؛ لأن الخوف الشديد إذا سيطر على الإنسان قاده إلى الفشل. أما إذا لم يخف، فحتى لو فشل مرة، فإنه يستطيع أن يتعلم من فشله. والفرصة تمر مرّ السحاب، فاذا خاف من التغيير ضاعت الفرصة، وقد تكون هي الفرصة الأهم في حياته التي قد تفتح له فرصا أخرى.
فالنجاح هو ثمرة المحاولات المتكررة، فلا ينبغي للإنسان أن يهاب الأشياء. نعم، قد تكون هناك رهبة في البداية؛ في أول تجربة، أو أول ظهور، أو أول عمل، وقد تحدث بعض الأخطاء، لكن المحاولات المتكررة تصحح هذه الأخطاء، وتحسن الجودة، وتفتح فرصًا كبيرة في الحياة.
فالإنسان الذي يدخل مشروعًا تجاريًا ويفشل أو يخسر، لا ينبغي أن يقعد ويبكي على نفسه، بل عليه أن يسأل: لماذا خسرت؟ ما الأسباب؟ ما العناصر التي يمكن أن أتعلم منها؟ ثم يدخل محاولة ثانية وثالثة.
فبعض الناس فشلوا سنوات طويلة قبل أن ينجحوا، وبعض الاختراعات حاول أصحابها عشرات المرات، وبعض الاكتشافات العلمية لم يكملها أصحابها، ثم جاء آخرون فأكملوها. فلا يذهب جهد الإنسان هباءً، بل تبقى الجهود لها قيمتها، لكن الأساس هو تكرار المحاولات.
خامسا: العادات السيئة وسلطان الرغبة
ومن المظاهر الكبيرة للخوف من التغيير أيضًا: التمسك بالعادات السيئة، فهي اكبر معوق للتغيير حيث تجعل الانسان جامدا راكدا في منطقة الراحة يتعايش مع الخمول والكسل والملل والتطبع بها، والاستغراق في اللذات الموهومة.
فالعادة، كما في الروايات والمعاني الأخلاقية، سلطان على الإنسان، تهيمن عليه حتى يصبح عبدًا لها. ولهذا ورد عن الامام علي (عليه السلام): (للعادة على كل إنسان سلطان)(4)، (العادة عدو متملك)(5)، فالعادات السيئة تتسلط على الإنسان، وتوقفه عن التغيير، وتحاصره داخل نمط ضيق من السلوك، وهذا مظهر كبير جدًا من مظاهر الجمود.
قال تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).
فهذه قاعدة مهمة: لا بد من رفع الأغلال، والتحرر من العادات السيئة، حتى يتغير الإنسان في حياته.
إن قانون الحياة الحقيقي هو أن يكون الإنسان مالكًا لنفسه، سلطانًا عليها، لا أن يقول: أنا لا أستطيع أن أغير نفسي، أو لا أقدر أن أغير عادتي. فهذه مأساة كبيرة؛ أن يعجز الإنسان عن التحكم بعاداته.
وهناك تبرز مغالطة ذاتية تختلقها النفس الموهومة وهو الخوف من فقدان اللذات بتغيير العادات، لكن الحقيقة العميقة ان لذة الحياة، ولذة النفس، تقوم على أمر جوهري، وهو قدرة الإنسان في السيطرة على نفسه، وهذه هي اللذة الكبرى. ليست اللذة في التدخين، ولا في الطعام الزائد، ولا في النوم الكثير، ولا في الجلوس الطويل في المقاهي، ولا في أي عادة سيئة. اللذة الحقيقية هي أن يستطيع الإنسان أن يتحكم بعاداته ويترك العادة السيئة، ويختار بدلًا منها عادة جيدة.
ولذلك فإن ترك العادات السيئة له أجر دنيوي ومعنوي، ويقود نحو الحسنات، ويكون مقدمة للاستغفار والعمل الصالح؛ لأن العادات السيئة تحجب الإنسان عن الخير، وتجعله جامدًا راكدًا في مكانه.
فالبخل مثلًا عادة سيئة، والإنسان قد يخاف من الإنفاق في سبيل الله. لكنه إذا غيّر عادته، وذاق اللذة الجميلة التي تأتي من العطاء، ومساعدة المحتاجين، وخدمة الناس، فإنه يكتشف معنى جديدًا للحياة.
تذليل النفس وترويضها
وفي هذا السياق يقول الإمام علي عليه السلام:
(ذللوا أنفسكم بترك العادات، وقودوها إلى فعل الطاعات، وحملوها أعباء المغارم، وحلوها بفعل المكارم، وصونوها عن دنس المآثم)(6).
وهذا الكلام العظيم، يبين أن الإنسان يعيش صراعًا قويًا مع النفس: إما أن يسيطر عليها، وإما أن تسيطر هي عليه. فإذا سيطرت نفسه عليه، أصبح ذليلًا، خانعًا، تابعًا لأهوائها. لذلك لا بد أن يذلل نفسه ويروضها فيكون عزيزا قويا.
ولنضرب مثالًا واضحًا: بعض الناس يعانون من التكبر، والتكبر هو تجبر النفس، فيصبح الإنسان عبدًا لهذا التجبر، والتكبر من صفات الشيطان. أما التواضع فهو عملية تذليل للنفس، وفرض للخلق الحسن على الشخصية. فإذا ذلل الإنسان نفسه للتواضع، ارتفع شأنه، وعظم قدره.
وكذلك الغضب والحلم. فالغضب صورة من صور تجبر النفس، أما الحلم فهو تذليل للنفس على العفو، والتسامح، وكظم الغيظ.
ولذلك نلاحظ في قضية الخوف من التغيير أن الإنسان يبقى ذليلًا للعادات السيئة، فإذا أراد أن يخرج من هذه الحالة، فلا بد أن يذلل نفسه ويسلبها جبروتها بأن يروضها، ويقودها نحو الخير.
وكما يقول الإمام علي عليه السلام:
(وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى)(7)، وكذلك (وَايْمُ اللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً)(8).
أي أن على كل انسان أن يروض نفسه، ويكبح جماحها، ويسيطر عليها، ويجعلها بيده، يوجهها حيث ينبغي، ولا يدع الشهوات والاهواء النفسية تقوده إلى الرذائل في شخصيته وسلوكه ووجوده الخارجي.
مفاتيح تجاوز الخوف من التغيير
بعد هذا العرض لمفهوم الخوف من التغيير ومظاهره وآثاره، نصل إلى جملة من النتائج العملية التي تساعد الإنسان على كسر هذا الوهم. فالتغيير لا يبدأ بالشعارات الكبرى، بل بخطوات واعية تعيد للإنسان إرادته، وتفتح أمامه طريق النمو والنجاح.
أولًا: التكيف مع التحديات
لا بد لكل إنسان، أولًا، أن يعمل على مواجهة التحديات والضغوط والتجارب، سواء كانت إيجابية أم سلبية، وأن يمتلك القدرة على التكيف. فلا يكون خائفًا من التغيير، ولا متصلبًا في مكانه، ولا جامدًا. بل يتكيف مع الزمن، ومع الضغوط، ومع التحولات، ويواجهها ويدخل فيها بوعي وشجاعة وحكمة. وهذا واضح حتى في علم النفس وعلم الأخلاق؛ فالإنسان الناجح هو الإنسان القادر على التكيف مع الظروف والأزمات.
ثانيًا: الفشل ليس نهاية الطريق
إن الفشل ليس آخر الطريق، بل قد يكون أول الطريق، فلا بد من تكرار المحاولة. وإذا استطاع الإنسان أن يعتبر من تجاربه، وأن يحول الفشل إلى نجاح، فإنه يكون قد امتلك مفتاحًا بالغ الأهمية في حياته.
ثالثًا: بناء العادات الإيجابية
إن بناء العادات الإيجابية والخيرة والجيدة هو الطريق إلى التغيير السليم، وذلك من خلال مصارعة العادات السيئة والتغلب عليها.
كل واحد منا لا بد أن يتخذ قرارًا، ولو مرة في كل شهر، أن يصارع عادة سيئة واحدة، ويضع بدلًا منها عادة إيجابية.
فمثلًا: يكتب عاداته السيئة، ويقول: هذا الشهر سأحاول التغلب على عادة السهر ليلًا، فأقاوم هذا السهر، وأبني عادة نوم جيدة. وهذا مثال بسيط، وإلا فالأمثلة كثيرة. فبناء العادات الجيدة هو في حقيقته مصارعة للعادات السيئة، وتذليل للنفس بالعادات الحسنة، وفي النهاية يكون الإنسان هو الرابح.
رابعًا: طلب النصح والإرشاد
ان معرفة التغيير تحتاج إلى أن يكون للإنسان ناصح، ومستشار، ومرشد. ولا عيب في ذلك، بل هذا من قوة الإنسان لا من ضعفه.
فنحن أحيانًا نخاف أن نذهب ونطرح مشكلتنا على إنسان حكيم، أو مرشد، أو ناصح. نخاف أن يقول لنا شيئًا لا نريده، أو يكشف لنا أمورًا نجهلها، أو نشعر أنه يفهم أكثر منا. لكن الحقيقة أن هذا ليس ضعفًا، بل قوة.
فالإنسان أحيانًا يتكبر على النصيحة، فيبقى جامدًا راكدًا في مكانه، ثم يدفع الثمن. وهذه حالة موجودة كثيرًا في التفكير الاجتماعي السيء. فالمجتمعات المتقدمة هي المجتمعات التي ينتشر فيها الإرشاد، والنصح، والمشورة. أما المجتمعات المتخلفة، الجامدة، الراكدة، فيغيب فيها الإرشاد والنصح.
قد تكون لدى الإنسان مشكلة زوجية، أو عائلية، أو شخصية، ولا يذهب إلى مرشد أو ناصح، مع أن التغيير الحقيقي يحتاج أحيانًا إلى من يرشده، وينبهه، ويكشف له نقاط ضعفه. وهذا ليس عيبًا، بل هو من قوة الإنسان ووعيه.
والناجحون هم الذين استمعوا بجدية إلى الأفكار الأخرى، حتى وإن كانت مؤلمة أو جارحة. فقد يذهب الإنسان إلى مرشد أو ناصح أو مستشار، فيقول له: أنت عندك هذه المشكلة، وأنت سبب المشكلة، فلا ترمِ اللوم على الآخرين. قد تجرحه هذه الكلمة، لكنها في الحقيقة تنفعه. ولذلك لابد أن يتحمل الإنسان ألم النصيحة، وأن يستمع للمرشد والناصح والمستشار بصدق وشجاعة.
خامسًا: ليس كل ألم مؤذ
فبعض الآلام إشارات لنا من أجل التغيير. فالجسد حين يتألم، لماذا لأنه ربما يعاني من التهاب، أو مشكلة، أو خلل يحتاج إلى علاج. فالألم هنا إشارة إيجابية تنبه الإنسان إلى ضرورة المعالجة.
وكذلك الألم النفسي الداخلي. إذا كان عندك ألم في داخلك، فلا تخف من أن ينكشف هذا الألم، بل اذهب وعالجه. فليس كل ألم مؤذ. حتى الذين يمارسون الرياضة، ويبنون عضلاتهم، يشعرون بالألم في أجسامهم، وقد يكون الألم شديدًا، لكنه ليس ألمًا مؤذيًا، بل هو دليل على أن العضلات تتحرك وتنمو.
وهكذا بناء النفس، والتغيير النفسي، قد يكون فيه ألم، لكنه لا يؤذي الإنسان، بل ينهض به.
فالنجاح الحقيقي يقوم على تحمل الآلام. ولا يوجد نجاح قائم على الراحة الدائمة. ولا يوجد إنسان بقي مستسلمًا للراحة فجاءه النجاح من غير تعب. إن الراحة الدائمة تجلب الفشل، أما الألم الواعي، ألم السعي، ألم التحدي، ألم المقاومة، فهو علامة على أن الإنسان يتحرك، ويواجه، ويتقدم، وينجح في حياته.
الكلمة الأخيرة
الآلام التي تعيشها الآن في الحاضر سوف تتحول في المستقبل إلى لذات كبيرة وعظيمة وعميقة، وإلى نجاحات حقيقية.
وحين نقول: لذة عميقة، فإننا نعني أنك ستلتذ بنجاحاتك، وبإنجازاتك، وبما بنيته بصبرك وتعبك. وهذه اللذة العظيمة قامت على آلام في الماضي، تحملتها وصبرت عليها. فالآلام التي تعيشها في الحاضر، إذا أحسنت التعامل معها، سوف تتحول إلى لذات كبيرة في المستقبل.



اضف تعليق