هكذا تُعلِّمنا التفاصيل الصغيرة درساً كبيراً: أنَّ البيئة من حولنا كتابٌ مفتوح، لا يبوح بأسراره إلا لمن يُحسن قراءته؛ وأنَّ الإشارات الصامتة قد تكون أصدق من الضجيج، وأقرب إلى الحقيقة من الظنون. وليس ذلك ببعيد؛ فقد شهد العالم كيف تستشعر بعض الحيوانات تغيّرات الطبيعة قبل وقوعها، فتفرّ أو...

يُحكى أنَّ عجوزاً نهضت ذات صباحٍ كعادتها؛ حلبت عنزها، وأوقدت نارها، ثم شرعت في إعداد طعامها. وبينما هي كذلك، لمحت جارتها الفأرة تنقل صغارها على عجلٍ إلى موضعٍ أعلى كانت قد هيّأت فيه مأوى جديداً؛ كأنَّها تفرّ من خطرٍ خفيّ.

...

توقّفت العجوز لحظةً، تُمعن النظر في المشهد بعينٍ فاحصة. لم يكن انتقالُ الفأرة عملاً عابراً، بل جهداً شاقّاً يحمل معنى. عندها عجّلت بطعامها، ثم شرعت في فكّ حبال عُشّتها، استعداداً للرحيل.

...

رآها أهل النجع -وهو نجعٌ من نجوع البادية يضمّ شيوخاً من أهل الحلّ والربط- على تلك الحال، فهرعوا يسألونها: ما الذي دعاكِ إلى هذا؟

...

قالت بهدوء: عليكم أن تغادروا هذا السهل إلى الهضبة المجاورة؛ فإنَّ سيلاً وشيكاً.

...

تبادلوا النظرات ساخرين، وقالوا: لا غيم في السماء، ولا برق ولا رعد! أأنزل الله عليكِ الوحي، أم رأيتِ ذلك في منامك؟

...

فأجابتهم ببساطة: لا هذا ولا ذاك... ولكن جارتي الفأرة هي التي أفهمتني.

...

لم يأخذوا قولها على محمل الجدّ، وبقوا في السهل حيث هم؛ بينما انتقلت هي إلى الهضبة. ولم تمضِ إلا أيامٌ قلائل حتى تغيّر وجه السماء، وانهمر المطر بغتةً؛ فجاء السيل وجرف السهل ومن فيه، ونجت العجوز بعُشّتها وما فيها.

...

لم تكن العجوز عالمةً بالغيب، ولا صاحبة رؤيا؛ لكنها أحسنت قراءة ما حولها. أدركت أنَّ سلوك ذلك الكائن الصغير لم يكن عبثاً، وأنَّ وراءه سبباً لا يُرى بالعين، بل يُفهم بالبصيرة.

...

هكذا تُعلِّمنا التفاصيل الصغيرة درساً كبيراً: أنَّ البيئة من حولنا كتابٌ مفتوح، لا يبوح بأسراره إلا لمن يُحسن قراءته؛ وأنَّ الإشارات الصامتة قد تكون أصدق من الضجيج، وأقرب إلى الحقيقة من الظنون.

...

وليس ذلك ببعيد؛ فقد شهد العالم -كما في حادثة أفيال تايلاند- كيف تستشعر بعض الحيوانات تغيّرات الطبيعة قبل وقوعها، فتفرّ أو تتأهّب؛ وبين فأرة العجوز وفيلة تايلاند العديد من القصص التي تُثبت ذلك؛ بينما يقف الإنسان -بما أوتي من عقل- حائراً، إن لم يُحسن التأمّل.

...

إنَّ العائق الأكبر ليس في نقص العلامات، بل في غفلة النظر إليها؛ فحين نخلع عن عقولنا ثوب اللامبالاة، ونتدرّب على النظر فيما حولنا، والانتباه إلى إشاراته، نخطو الخطوة الأولى نحو وعيٍ أعمق ومنهجٍ أرسخ، فليكن الفهم مهارةً نتعلّمها لا مجرّد صفةٍ ندّعيها.

اضف تعليق