الدولة الحضارية الحديثة تقوم على الاستثمار في الإنسان بوصفه محور التنمية، لا بوصفه مجرد مورد بشري يستدعى قسرا للخدمة. إن الإشكال في العراق ليس نقصا في عدد المقاتلين، بل في خلل بنيوي يتعلق بازدواجية السلاح وضعف الاحتكار الشرعي للقوة؛ لذا فإن فرض التجنيد في بيئة غير مستقرة مؤسسيا يعني نقل أزمة الدولة إلى المجتمع بدل حلها...

إن اعتبار مقترح قانون التجنيد الإجباري في العراق خطوة إلى الوراء ليس حكمًا انطباعيًا بقدر ما هو توصيف يمكن تأسيسه على قراءة واقعية لمسار الدولة العراقية ومشكلاتها البنيوية، فالقضية هنا لا تتعلق بمجرد أداة عسكرية بل بطبيعة الدولة نفسها، وبمستوى تطورها المؤسسي، وبموقع الإنسان داخلها، وبمنطق بناء القوة فيها.

الدول التي تلجأ إلى التجنيد الإجباري تفعل ذلك عادة في سياقات محددة: إما في لحظات تهديد وجودي مباشر، أو في إطار بناء دولة مركزية قوية ذات مشروع وطني متماسك، أو ضمن تقاليد تاريخية راسخة في الانضباط المؤسسي، أما في الحالة العراقية فإن الإشكال لا يكمن في نقص عدد المقاتلين بل في خلل بنيوي أعمق يتعلق بطبيعة المؤسسة العسكرية نفسها، وبازدواجية السلاح، وبضعف الاحتكار الشرعي للقوة، وبتداخل السياسي بالطائفي وبالجهوي.

من هذه الزاوية، فإن فرض التجنيد الإجباري في بيئة غير مستقرة مؤسسيًا قد لا يؤدي إلى بناء جيش وطني مهني، بل قد يعيد إنتاج الاختلالات نفسها داخل بنية أوسع، أي نقل أزمة الدولة إلى داخل المجتمع بدل حلّها، فبدل أن تكون الخدمة العسكرية أداة لدمج المجتمع في إطار وطني جامع، قد تتحول إلى مساحة جديدة للصراع والانقسام إذا لم تُسبق بإعادة تأسيس حقيقية لمفهوم الدولة ولمنظومة القيم التي تحكمها.

هناك أيضًا بُعد حضاري مهم، فالدولة الحديثة — أو ما يُعبَّر عنه في الأدبيات هنا بـ”الدولة الحضارية الحديثة” — تقوم على الاستثمار في الإنسان بوصفه محور التنمية، لا بوصفه مجرد مورد بشري يُستدعى قسرًا إلى الخدمة، وفي هذا السياق فإن الأولوية ينبغي أن تُعطى لبناء الإنسان تعليمياً وقيمياً ومهنياً، وتعزيز شعوره بالانتماء الطوعي للدولة، لأن الجندية في معناها العميق ليست مجرد حمل سلاح، بل هي تعبير عن عقد اجتماعي وثقة متبادلة بين الفرد والدولة.

كما أن التجارب العالمية تشير إلى أن كثيرًا من الدول المتقدمة قد تخلت عن التجنيد الإجباري واتجهت نحو الجيوش المهنية عالية التدريب، لأن طبيعة الحروب نفسها تغيرت، وأصبحت تعتمد على التكنولوجيا والمهارات النوعية أكثر من اعتمادها على الكثافة العددية، وهذا يطرح سؤالاً عمليًا: هل يحتاج العراق اليوم إلى زيادة عدد المجندين، أم إلى رفع كفاءة المؤسسة العسكرية وتوحيد قرارها وتعزيز مهنيتها؟

الأخطر من ذلك أن طرح التجنيد الإجباري قد يُستخدم أحيانًا كبديل سهل عن مواجهة الأسئلة الصعبة، مثل: كيف تُبنى دولة تحتكر السلاح؟ كيف تُفكك البنى الموازية؟ كيف يُعاد تعريف الولاء من الطائفة إلى الوطن؟ هذه الأسئلة هي جوهر المشكلة، وأي سياسة تتجاوزها قد تبدو حلاً، لكنها في الواقع تؤجل الأزمة أو تعيد إنتاجها بصيغة أخرى.

لذلك يمكن القول إن الاعتراض على هذا المقترح لا يعني رفض فكرة الخدمة العسكرية من حيث المبدأ، بل رفض طرحها في سياق غير ناضج مؤسسيًا وحضاريًا، حيث تتحول من أداة لبناء الدولة إلى عبء إضافي عليها. البديل الأكثر واقعية يتمثل في بناء جيش مهني موحد، وإصلاح البنية السياسية التي تنتج الانقسام، وترسيخ منظومة القيم الوطنية، وعندها فقط يمكن إعادة طرح أي شكل من أشكال الخدمة الوطنية بوصفه خيارًا واعيًا ومقبولًا اجتماعيًا، لا إجراءً مفروضًا في بيئة غير مستقرة.

اضف تعليق