أعلنت مؤخرا، مصادر إعلامية مختلفة، عن إقدام السعودية على تشكيل تحالف (إسلامي) دولي جديد، قريب في هيكله من التحالف العربي الذي شكلته في حربها ضد اليمن، ولكن بصيغة أوسع بكثير، حيث ضم هذا التحالف عددا من الدول الاسلامية بلغت (34 دولة) بحسب وسائل الاعلام والوكالات، ويشير المراقبون وبعض المهتمين الى أهداف محتملة لهذا التحالف الجديد لم يستطع التحالف السابق (السعودي العربي) ضد اليمن من تحقيقها، على الرغم من أن الهدف المعلن لهذا التحالف هو مكافحة الإرهاب!.

وقد سعت السعودية كالعادة، الى استدراج الدول التي ضمها الحلف من خلال شبكة من المصالح المادية، والتلويح بدعم مادي وما شابه، وهو اسلوب اعتاد عليه النظام السعودي في الحصول على دعم الدول الاخرى لمشاريعه، والمثال على ذلك مصر، حيث أعلن قادة السعودية على منح مصر مساعدات مالية كبيرة، مع امتيازات في الاستثمارات المختلفة، وهذا السلوك ليس جديدا، وهو يستثمر الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر، وحاجتها الى المال بشكل واضح، ومحاولاتها المشروعة للعودة الى السوق والتصنيع بقوة.

ولكن من المفارقات الغريبة حقا، أن تقوم دولة مثل السعودية، بالدعوة لمثل هذه التحالفات التي تضع (هدف محاربة الارهاب) ذريعة لتأسيسها، في حين انها بحسب الأدلة التاريخية والواقعية، مسؤولة عن نشوء الارهاب، وراعية للفكر المتطرف، وإن كان الموقف الرسمي مناقض لهذا الأمر، ولكن أبسط دليل على ذلك، التصريحات القريبة لمسؤولين في دول كبرى متحالفة مع السعودية، يؤكدون أنها مصدر الارهاب، فضلا عن كونها داعمة وراعية له، لذا يمكن أن تكون هذه التحالفات التي تقودها السعودية نقطة شروع لعصر الحروب الجديدة.

محاكمات صارمة

يضاف الى ذلك أدلة أخرى، تتعلق بطبيعة النظام نفسه، حيث يميل الى التطرف والقمع، كما تؤكد ذلك كثير من القوانين المجحفة التي يمارسها ضد شعبه، لاسيما تلك التي تتعلق بحرية الرأي، بالاضافة الى المحاكمات القضائية الصارمة التي بلغت الاعدام، لمجرد طرح تغريدة هنا او تصريح في وسائل الاعلام او في وسائل التواصل الاجتماعي.

إن دولة يقودها نظام يتنمّر على شعبه على مدار الساعة، ويكمم الأفواه، ويصادر الحريات، ويسعى لحماية عرشه بشتى الوسائل، لا يمكن أن يكون مثل هذا النظام أهلا لتأسيس ورعاية تحالفات من هذا النوع، إلا اذا كانت تدخل في دائرة حماية عرش هذا النظام، لاسيما أن التجربة تؤكد أن النظام السعودي الذي يكتنز مئات المليارات من ثروات شعبه، مستعد لدفع فاتورات مفتوحة لجميع الدول التي تؤيده على مشاريعه المختلفة التي تصب في تحقيق اهدافه.

وهي في مجملها اهداف واضحة تتمحور وتهدف الى تشكيل أسوار عالية حول النظام والعرش لحمايته من السقوط، ولمنحه شرعية تؤيده في الخطوات والانتهاكات التي يتخذها ضد شعبه، خاصة فيما يتعلق بالحريات، ويرى المراقبون أن النظام السعودي يعاني من الأوضاع الداخلية والخارجية في وقت واحد، فالشعب السعودي لم يحتمل ما تقوم به العائلة الحاكمة من اجراءات تمتهن كرامته وتسيء له، الامر الذي فاقم من حالة الاحتقان بين أوساط الشباب خصوصا.

من ناحية أخرى هناك قلق اقليمي ودولي ايضا من لهاث السعودية نحو تحالفات لا تخدم السلم العالمي، فبدلا من التهدئة والتشجيع على الحوار وطرح الحلول المناسبة، نجد أن السعودية تذهب الى التصعيد، وتخطط لاقامة المزيد من التحالفات التي تشعل أور الصراع بين دول الشرق الاوسط ودخول الدول الكبرى والاوربية على الخط، وهو واقع مشحون بالخوف والقلق من تضخم هذه التحالفات، وفق قانون رد الفعل، فعندما تقوم السعودية بعقد هذا الحلف، عليها أن تتوقع حلفا آخر يساويها في القوة ويعاكسها في النوايا والاهداف والاتجاه، لأن الدول الاخرى لن تبقى مكتوفة الايدي وهي ترى خطر التحالفات (السعودية) يحيط بها ويكاد يكتم انفاسها وينسف مصالحها!، لذا فإن الرد المتوقع هو انشاء حلف مقابل بنفس القوة.

وهكذا يدخل العالم لصراع جديد في غنى عنه، لأن المطلوب سياسة الاحتواء، والتهدئة، والبحث عن حلول ترضي الجميع، وهو أمر يمكن التوصل له عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية المتعارف عليها، أما سياسة التحالفات التي باتت تلهث السعودية نحوها، كما نرى ذلك في تحالف (درع الجزيرة) و (التحالف العربي ضد اليمن) و (التحالف الاسلامي)، فإنها لن توقف الارهاب لسبب واضح، أن مصدر الارهاب العالمي هو السعودية نفسها، وأن حلفاء السعودية يعلنون في وسائل الاعلام وفي اللقاءات الخاصة، ان نسبة التمويل الأكبر للارهاب مصدره السعودية كما اعلن احد القادة البرطانيين.

وقد طرح متابعون للشأن السعودي والعربي ومتابعون لملف الارهاب تساؤلا مهما وجوهريا، يتعلق بتشكيل التحالف السعودي (الاسلامي) الجديد، وهذا التساؤل يدور عن سبب تشكيل هذا التحالف الجديد، وهل انه جاء بديلا عن التحالف السعودي العربي ضد اليمن، وهل هناك بوادر اخفاق للتحالف الاول أدت بالنظام السعودي الى التفكير بإنشاء تحالف أوسع بعد فشل التحالف الأصغر، وهل شعر النظام السعودي بالمخاطر التي تحيق به، فشرع بتوظيف المليارات التي تتكدس في خزائنه الخاصة (وهي من حقوق الشعب)، لكي يبذّر بها هنا وهناك في مشاريع وتحالفات يهدف من ورائها الى صناعة هالة من التضخيم والقوة الكاذبة حول ذاته، وإنشاء أسوار شاهقة حول عرشه، بذريعة محاربة الارهاب؟؟.

مصر ينبغي أن تتريث

وإذا أردنا أن نلجأ الى حسن النية في النظر لهذا التحالف الذي يتخذ من الاسلام (مسمى له)، كيف يمكن لتحالف من هذا النوع أن يهمل دور دول مهمة اقليمية اسلامية مثل العراق وايران وسوريا وغيرها، إذ من المؤكد لهذه الدول أن تسهم بصورة فعالة من خلال الجهد الجماعي في مكافحة الارهاب، وثمة تساؤل يطرح نفسه هنا، أن مثل هذا الاقصاء المعلن والسافر، ألا يؤكد ان هذا التحالف (سعودي بحت)، وليس اسلاميا ولا دوليا، إنما جعلت السعودية من هذه التسمية تضخيما بائسا لهذا التحالف حتى تشعر بشيء من الأمان على مصيرها وعرشها، علما أن الاموال السعودية التي يستخدمها النظام لمصالحه، تساعد على قبول الكثير من الدول (المحتاجة) للدخول في مثل هذه التحالفات الفاشلة مقدما.

لأننا نعرف أن محاربة الارهاب لا يمكن أن يتم على أيدي من يصنع الارهاب ويسانده ويصدره للعالم أجمع، وهذا بالضبط ما يحدث، فالكل يجمع على أن النظام السعودي يعلن محاربته للارهاب رسميا، لكنه يسعى من خلال سبل واذرع سرية لمد شبكات الارهاب بكل ما تحتاجه من دعم، لاسيما في الجانب المادي.

علما أن حالة من الارتباك سادت المؤسسات السعودية الحاكمة بسبب الاعلان المفاجئ لهذا التحالف، فقد اربك الإعلان السعودي المفاجئ الكثيرين، بحسب وسائل الاعلام، خاصة وأن تشكيل التحالف تم في نحو 72 ساعة فقط ومن دون مباحثات مكثفة أو اجتماع مشترك لقادة أركان تلك الدول، كما ضم دولا بينها خلافات قوية كمصر وتركيا وقطر.

في حين استثنى دولا عربية بها تواجد شيعي ملموس، بينها سوريا والعراق، وهو الأمر الذي جعل كثيرين يتريثون في الحكم على التحالف الوليد، وبخاصة في مصر، فبين حالة التأييد للمشاركة المصرية في التحالف علت بعض الأصوات المعارضة، ومن بينها مكرم محمد أحمد -نقيب الصحفيين الأسبق- الذي طالب مصر بضرورة التريث قبل الانضمام للتحالف الإسلامي الذي دشنته السعودية، وأنه يجب أن تدرس السلطات المصرية أبعاده وأهدافه. وأضاف: وجود تركيا في هذا التحالف يحتاج لسؤال مصيري حول دورها في دعم تنظيم داعش الإرهابي.. مشيرا إلى أن القرار المفاجئ للسعودية بإعلان تشكيل تحالف عسكري إسلامي يفتقد للوضوح والشفافية.. داعيا السعودية أن تفسر أهداف التحالف الإسلامي، ولا تبقي الأوضاع غامضة حتى الآن، ولذلك تبقى مثل هذه التحالفات غامضة الأهداف على الرغم من اعلانها مكافحة الارهاب، لأسباب كثيرة، وأكثرها وضوحا، محاولة النظام السعودي لتشكيل مثل هذه التحالفات لحماية نفسه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1