معالجة انحراف الشَّباب والفتيات تتطلَّب تبني استراتيجيات متكاملة تشمل الأسرة، والمراكز التَّعليميَّة، والمؤسَّسات الثقافيَّة. كما يشكِّل الاستقرار الأسري، والممارسات التَّربويَّة المبنية على المعرفة، والقدوة العمليَّة الصالحة، والصحبة الإيجابيَّة، عناصر أساسيَّة في الوقاية من الانحراف وصقل الشَّخصيَّة. العناية بهذه العوامل هي بناءٌ عميقٌ لمستقبل المجتمع بأكمله؛ إذ تُثمر في صناعة...
تشكِّل مرحلة الشَّباب مرحلةً حرجة في مسار نمو الفرد؛ إذ تتداخل فيها العوامل النَّفسيَّة والاجتماعيَّة والتَّربويَّة لتؤثِّر في تكوين الشَّخصيَّة وصياغة القيم السُّلوكيَّة. وتشير كثير من الدِّراسات في علم النَّفس وعلم الاجتماع إلى أنَّ الانحراف العلمي والعملي لدى الشَّباب غالبًا ما يكون نتيجة لتفاعل معقَّد بين عوامل أسريَّة، وتعليميَّة، ومجتمعيَّة، إلى جانب غياب القدوة العمليَّة والتَّوجيه العلمي المثمر.
وبناءً على ذلك، فإنَّ معالجة انحراف الشَّباب والفتيات تتطلَّب قراءة متعدِّدة المستويات، تشمل تعزيز البناء التَّربوي للشَّخصيَّة داخل الأسرة والمدرسة، وتوجيه البيئة الاجتماعيَّة، واستثمار القدوة الحسنة، وتنظيم أوقات الفراغ، مع التَّركيز على الثَّقافة المثمرة.
إنَّ تكامل هذه العناصر يشكل إطارًا منهجيًّا يهدف إلى تطوير شخصيَّة متوازنة، واعية، وقادرة على مواجهة العقبات، وممارسة حقوقها وواجباتها ضمن المنظومة الإسلاميَّة؛ لذلك سنحاول بيانها بصورة إجماليَّة في محاور عدَّة:
المحور الأوَّل: البناء التَّربوي للشَّخصيَّة
من الرَّكائز الجوهريَّة في تحقيق الاستقامة العلميَّة والعمليَّة لدى الشَّباب والفتيات، يبرز البناء التَّربوي للشَّخصيَّة بوصفه الأصل الذي تُشاد عليه معالم التَّوازن والنُّضج، ويقوم هذا المحور على منظومة متكاملة من العوامل المؤثِّرة التي تُسهم في تشكيل الإنسان وصياغة هويَّته؛ وأهمُّها:
العامل الأوَّل: الاهتمام بالأسرة
تُعدُّ الأسرة الإطار الأوَّل الذي تتكوَّن فيه ملامح الشَّخصيَّة وتُغرس فيه القيم والمعايير الذَّاتيَّة. ولا يخفى أنَّ حالة الثَّبات والانسجام داخل الأسرة تترك آثارًا عميقة في مسار تربية الشَّاب والفتاة؛ حيث تنعكس طبيعة العلاقات الأسريَّة، سواء اتَّسمت بالطَّمأنينة أو الاضطراب، على مستوى التَّوازن النَّفسي والقدرة على التَّكيُّف الاجتماعي. فالبيئة الأسريَّة المستقرَّة، التي تقوم على التَّفاهم والتَّواصل الإيجابي، تهيّئ للأبناء مناخًا آمنًا يساعدهم على بناء الثِّقة بالنَّفس وتطوير مهاراتهم في التَّعبير واتِّخاذ القرار. وفي المقابل، فإنَّ غياب هذا الاستقرار قد يفضي إلى اضطرابات في الأداء، نتيجة افتقاد الشُّعور بالأمان داخل الأسرة.
ويمكن القول: إنَّ العناية بجوانب الاستقرار الأسري، سواء على مستوى العلاقات بين الوالدينِ أو في أساليب التَّنشئة، تنعكس بصورة مباشرة على تكوين شخصيَّة الأبناء، وتحدِّد إلى حدِّ كبير قدرتهم على مواجهة تحديات الحياة، والانخراط فيها بوعي واتِّزان.
إنَّ المنهج التَّربوي الذي يعتمده الوالدان يُعدُّ العامل الحاسم في توجيه مسار بناء الأبناء، سواء نحو الاستقامة أو نحو الانحراف؛ فاختيارات الوالدينِ في أساليب التَّنشئة، وأنماط التَّفاعل، وطرائق الضَّبط والتَّوجيه، ترسم الإطار العام الذي تتكوَّن في داخله ملامح الشَّخصيَّة.
كما أنَّ التزام الوالدينِ بالتَّشريعات الإسلاميَّة ومفاهيمها التَّربوية يترك أثرًا واضحًا في ترسيخ الأخلاق لدى الأبناء؛ حيث يقدّم هذا الالتزام نموذجًا رائعًا يمنح العمليَّة التَّربويَّة بعدًا منسجمًا بين القول والعمل. وحين تبنى الممارسات التَّربويَّة على فهم واعٍ ومؤصّل، يتكامل فيه البعد المعرفي مع البعد التَّطبيقي، فتنعكس هذه المنهجيَّة على الأبناء بصورة أكثر اتِّزانًا.
إنَّ اعتماد الوالدينِ على أصول معرفيَّة رصينة في التَّعامل مع الأبناء، من حيث إدراك خصائصهم، ومراعاة احتياجاتهم النَّفسية، واختيار الأساليب المناسبة للتَّوجيه، يثمر نتائج إيجابيَّة تتجلَّى في تكوين شخصيَّة متوازنة، قادرة على التَّفاعل مع محيطها بوعي ومسؤوليَّة.
ويتَّخذ هذا الاهتمام صورًا متعدِّدة تبعًا للمراحل التي يمرُّ بها الإنسان، وتختلف خصائص كلِّ مرحلة في حاجاتها. فمرحلة الطُّفولة تتطلَّب نمطًا خاصًّا من الرِّعاية يقوم على الإشباع العاطفي والتَّوجيه المبسّط، في حين تستدعي مرحلة الشَّباب معالجة مغايرة تراعي مستوى الوعي المتقدِّم، والاستقلال النِّسبي، وبروز الهوية الشَّخصيَّة.
وفيما يرتبط بمرحلة الشَّباب، تبرز مجموعة من المرتكزات التي ينبغي العناية بها؛ وهي:
1. فهم طبائع الشَّاب والفتاة، بوصفه مدخلًا لبناء تعامل تربوي فعَّال. فالإلمام بخصائص هذه المرحلة، بما تتضمنه من تحوّلات انفعاليَّة، وتطلعات فكريَّة، ونزعة نحو الاستقلال، يتيح للوالدينِ والمربِّين اختيار الأساليب الملائمة في التَّوجيه والإرشاد، ويجنِّبهم الوقوع في أنماط تعامل غير منسجمة مع احتياجات هذه الفئة العمريَّة (1).
2. تجنُّب أساليب الإكراه والعنف في التَّعامل مع فئة الشَّباب؛ إذ تشير المعطيات النَّفسية والتَّربويَّة إلى أنَّ هذه الأساليب غالبًا ما تنتهي إلى نتائج عكسيَّة، تتمثَّل في ارتفاع نسبة الرَّفض أو السُّلوك المعارض. وقد رسَّخ القرآن الكريم هذا المبدأ بوضوح في قول الله (تعالى): (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (2)، في إشارةٍ بليغةٍ إلى منهجٍ تربويٍّ أصيلٍ يقوم على احترام حريَّة الاختيار، والقناعة الذاتيّة لتكون منبعًا للإيمان الواعي والسُّلوك المستقيم.
وفي السِّياق ذاته، تبرز الحاجة إلى اعتماد منهج قائم على الإقناع والحوار؛ حيث يُشارك هذا الأسلوب في تثبيت الفهم ودعم الالتزام النَّابع من الدَّاخل، لا المفروض من الخارج.
كما أوضح أمير المؤمنين (عليه السلام) في حكمته: "مَنْ أَبْرَمَ سُئِمَ"(3). إلى أنَّ الإفراط في الضَّغط والإلحاح يولِّد حالة من النُّفور والملل، وهو ما يقتضي تقديم الخطاب التَّربوي بأسلوب يتَّصف بالحكمة والتَّدرُّج، ويأخذ بعين الاعتبار خصائص الشَّباب وحاجتهم إلى التَّقدير والاستقلال.
3. تتنوّع حاجات الشَّباب بين الجوانب الماديَّة والمعنويَّة، بحيث لا تقتصر على متطلبات العيش الضروريَّة كالمأكل والملبس؛ وإنَّما تمتدُّ لتشمل أبعادًا نفسيَّة وعاطفيَّة، كالحاجة إلى المحبَّة، والاحتواء، والاهتمام بالأفكار، وإتاحة مساحة للتَّعبير والحوار. وإهمال هذه الجوانب، أو القصور في تلبيتها، قد ينتهي في كثير من الحالات إلى اختلال في الطَّبع؛ الأمر الذي قد ينعكس في صور متعدِّدة من الانحراف أو الاضطراب.
ولذلك يشدِّد الإسلام على دور الأسرة في القرآن الكريم، فيقول الله (تبارك وتعالى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(4). وهو توجيه يُحمِّل المكلَّف مسؤوليَّة وقاية الأسرة من الانحراف، عبر التَّربية القائمة على الوعي والمتابعة.
كما نُسب إلى الإمام عليٍّ (عليه السلام) قوله:
حَرِّضْ بَنِيكَ عَلَى الْآدَابِ فِي الصِّغَرِ * كَيْمَا تَقَرَّ بِهِمْ عَيْنَاكَ فِي الْكِبَرِ
وَإِنَّمَا مَثَلُ الْآدَابِ تَجْمَعُهَا * فِي عُنْفُوَانِ الصِّبَا كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ
هِيَ الْكُنُوزُ الَّتِي تَنْمُو ذَخَائِرُهَا * وَلَا يُخَافُ عَلَيْهَا حَادِثُ الْغِيَرِ
إِنَّ الْأَدِيبَ إِذَا زَلَّتْ بِهِ قَدَمٌ * يَهْوِي إِلَى فُرُشِ الدِّيبَاجِ وَالسُّرُرِ
النَّاسُ اثْنَانِ ذُو عِلْمٍ وَمُسْتَمِعٍ * رَاعٍ وَسَائِرُهُمْ كَاللَّغْوِ وَالْعَكَرِ (5).
ويظهر هذا النَّص البعد التَّراكمي للتَّربية في المراحل المبكِّرة؛ حيث تُرسَّخ القيم بصورة يصعب زوالها، بما يشبه النَّقش الثَّابت. وفي المجال نفسه، يوضِّح الإمام عليُّ بن الحسين (عليهما السلام) حقوق الأبناء، فيقول: "وَأَمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِخَيْرِهِ وَشَرِّه، وَأَنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) وَالْمَعُونَةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُثَابٌ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ مُعَاقَبٌ عَلَى الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ" (6). وهو تأكيد على ضرورة الجمع بين التَّوجيه بالحكمة، والمتابعة العمليَّة في مسار تنشئة الأبناء.
العامل الثَّاني: تقوية العامل التَّربوي في المركز التَّعليمي
قبل تناول آليات تقوية العامل التَّربوي في المراكز التَّعليميَّة، تجدر الإشارة إلى نقطتينِ مهمَّتينِ:
النُّقطة الأولى: إنَّ التَّحوّلات المتسارعة في مختلف مجالات الحياة أضعفت من قدرة الأسرة على الاضطلاع بوظيفة الإعداد الشَّامل للفرد بما ينسجم مع متطلبات الحياة العامَّة. فقد أدَّت تعقيدات الواقع المعاصر، وتزايد الأعباء، وتنوّع مصادر التَّأثير، إلى تقليص فاعلية الدَّور التَّربوي التَّقليدي للأسرة، بحيث لم يعد كافيًا بمفرده لتأهيل الأبناء تأهيلًا متكاملًا(7)، لذلك ينبغي أن ينتبه ذوو المركز التَّعليمي إلى أهميَّة الدَّور الذي يقومون به في صناعة الشَّاب والفتاة؛ واللذان هما أمل المستقبل وعماد الأمَّة.
وانطلاقًا من هذا الواقع، تبرز المراكز التَّعليميَّة بوصفها فضاءً تكميليًّا يضطلع بدور محوري في بناء شخصيَّة الشَّاب والفتاة، عن طريق ما توفِّره من بيئة منظَّمة وبرامج موجَّهة تساعد على تنمية الجوانب المعرفيَّة والسُّلوكيَّة؛ الأمر الذي يستدعي من القائمين على هذه المؤسَّسات إدراك طبيعة هذا الدَّور، والتَّعامل معه بوعي تربوي عميق، باعتبار أنَّ آثار هذه العمليَّة تمثِّل دعامة لا بدَّ منها في تشكيل وعي الجيل القادم، الذي يُنتظر منه الإسهام في نهضة المجتمع واستقراره.
النُّقطة الثَّانية: تتجلَّى مكانة المعلِّم في التَّربية والعلوم عبر مكانته الرَّفيعة في حياة المتعلِّمين وتأثيره المستمر في صقل شخصياتهم. فقد روي أنَّ رجلًا يسمَّى عبد الرَّحمان كان معلِّما لأولاد في المدينة، فعلَّم ولدًا للإمام الحسين (عليه السَّلام) يقال له: جعفر، فعلَّمه (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)، فلمَّا قرأها على أبيه الإمام الحسين (عليه السَّلام)، استدعى المعلِّم وأعطاه ألف دينار وألف حلَّة وحشا فاه درًّا، فقيل له في ذلك؟
فقال (عليه السّلام): "وأنَّى تساوى عطيَّتي هذهِ بتعليمهِ وَلَدِي (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)" (8).
وهو تأكيد على أنَّ قيمة العلم والتَّعليم تفوق كلَّ المكافآت الماديَّة، وأنَّ تأثير المعلِّم في حياة المتعلِّم يمتدُّ إلى ما بعد حدود الزَّمان والمكان.
وقيل للأسكندر: "إنَّك عظَّمت معلمك أرسطاطاليس، أكثر من تعظيم والدك"؟
فقال: "لأنَّ أبي سبب حياتي الفانية، ومعلِّمي سبب حياتي الباقية" (9). وهو قول يوضح أنَّ المعلِّم يُقدِّم للطَّالب حياة معرفيَّة تتجاوز الحياة الماديَّة؛ فهو يُنير له الطَّريق نحو الفهم والحكمة.
ومن الأمثلة العمليَّة على تقدير دور المرشد والمعلِّم ما كان عليه من عادة الوزير الحسن الطُّوسي والملقب بـ(نظام الملك)، أنَّه إذا دخل عليه أكابر المملكة، يقوم لهم، ثمَّ يجلس وهو في محلِّه، وكان له مرشدٌ إذا دخل عليه يقوم ويجلسه في مكانه، ويجلس هو بين يديه. فقيل له في ذلك، فقال: "إنَّ أولئك الأكابر إذا دخلوا عليَّ يمدحونني بما ليس فيَّ، فيزيدني كلامهم عجبًا وكبرًا، فأتمادى في المعاصي، وأمَّا هذا المرشد يذكِّرني عيوبي ويرشدني إلى الخير، فتنكسر نفسي لذلك، وأرجع عن كثير ذنوبي وأخطائي"(10). وهو تأكيد عمليٌّ على أنَّ قيمة المعلِّم والمرشد ليست فقط في مكانته العلميَّة؛ وإنَّما في قدرته على توجيه المتعلِّم، ومساعدته على التَّفكير الصَّائب.
وهذه الأمثلة مجتمعة توضِّح أنَّ المعلِّم يحتل موقعًا محوريًّا في تكوين الإنسان، من جهة إلهام الفكر، وتصويب المنهج، وغرس الفضائل، ما يجعل دوره من الأدوار التي لا تُقدّر بثمن في حياة الأجيال.
أمَّا فيما يتعلَّق بآليات تعزيز العامل التَّربوي في المراكز التَّعليميَّة؛ فهناك عوامل عدَّة:
1. فهم طبيعة الشَّاب والفتاة -كما أشرنا سابقًا- بوصفه أساسًا لأيِّ ممارسة تربويَّة فاعلة؛ لأنَّ التَّعامل التَّربوي الذي يقوم على معرفة صفات هذه المرحلة يوفِّر قدرة أكبر على استثمار الطَّاقات. كما أنَّ هذا الفهم يحدُّ من اللجوء إلى الأساليب العشوائيَّة أو غير الملائمة، ويشارك في بناء علاقة تربويَّة قائمة على الثِّقة والتَّواصل.
2. أن يتحلَّى كلُّ من يعمل في المجال التَّعليمي -سواء كان معلِّمًا، أستاذًا، أو معلِّمة- بالصِّفات التربويَّة التي تجعله قدوة حسنة في الأخلاق؛ فالأبناء في مرحلة التَّعليم يراقبون أسلوب المعلِّم في التَّعامل والتَّفكير والتَّصرف، وينظرون إليه باحترام وتقدير، وهو ما يضاعف تأثيره التَّربوي عليهم. وفي كثير من الأحيان، يسعى الطُّلاب إلى محاكاة معلميهم في شتَّى المجالات، سواء في الانضباط، أو في أساليب الحوار، أو في الالتزام بالقيم، ما يجعل شخصيَّة المعلِّم نفسها جزءًا لا يتجزأ من عمليَّة التَّنشئة.
3. معرفة حقوق الطَّالب والطَّالبة على المعلِّم والمعلِّمة له أهميَّة كبيرة في العمليَّة التَّربويَّة؛ ويشمل ذلك تشجيعهم على طلب العلم، وتذكيرهم بفضائل العلم وأهميَّة من يحمله، إلى جانب تأديبهم بالأخلاق الفاضلة والرِّفق في التَّعامل. وقد ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في هذا السِّياق قوله: "وَأَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) إِنَّمَا جَعَلَكَ قَيِّماً لَهُمْ فِيمَا آتَاكَ مِنَ الْعِلْمِ وَفَتَحَ لَكَ مِنْ خَزَائِنِهِ فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ وَلَمْ تَخْرَقْ بِهِمْ (11) وَلَمْ تَضْجَرْ عَلَيْهِمْ زَادَكَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَإِنْ أَنْتَ مَنَعْتَ النَّاسَ عِلْمَكَ أَوْ خَرِقْتَ بِهِمْ عِنْدَ طَلَبِهِمُ الْعِلْمَ مِنْكَ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) أَنْ يَسْلُبَكَ الْعِلْمَ وَبَهَاءَهُ وَيُسْقِطَ مِنَ الْقُلُوبِ مَحَلَّكَ"(12)، ويعكس هذا النَّص الرَّبط الوثيق بين حسن أداء المعلِّم لحقوق طلَّابه وبين حفظ النِّعمة العلميَّة وزيادتها، كما يؤكِّد على أثر الرَّحمة والصَّبر في التَّربية.
ومن هذا المنطلق، كلَّما اتَّصف المعلِّم أو المعلمة بالعطف والشَّفقة والاهتمام بالطُّلاب، ازداد احتمال تكوين جيل واعٍ ومتميِّز، قادر على استثمار العلم بما يخدم ذاته ومجتمعه.
4. دمج الدُّروس التَّربويَّة ضمن المناهج الدِّراسيَّة في جميع المستويات التَّعليميَّة، بحيث تصبح جزءًا فاعلًا من العمليَّة التَّعليميَّة وليس مجرَّد محتوى نظري. فعلى الرَّغم من وجود هذه الدُّروس في بعض المناهج، غير أنَّ قيمتها الحقيقيَّة لا تتجلَّى إلَّا حين تُفعَّل بأسلوبٍ تفاعليٍّ، يُشرك الطلَّاب في عمليَّات التَّفكير، والتَّأمُّل الواعي، والحوار البنَّاء، ممَّا يعزز إدراكهم للقيم والمبادئ المطروحة، ويحوّل المعلومات التَّربويَّة إلى تصرفات قابلة للتَّطبيق في حياتهم اليوميَّة.
5. تعزيز العلاقة بين الأسرة والمدرسة، يتيح التَّعرف بعمق على أحوال الطُّلاب، بما يشمل الجوانب النَّفسيَّة والاجتماعيَّة والأكاديميَّة. وهذا التَّعاون المستمر بين البيت والمدرسة يوفِّر قاعدة متينة لمتابعة تطور الأبناء، ويسهّل التدخل المبكر لمعالجة أيِّ ميل نحو الانحراف، من خلال استراتيجيات مشتركة ومتناسقة بين الطَّرفين.
العامل الثَّالث: تعليم الشَّباب وتثقيفهم
العلم من أبرز الصِّفات الشَّخصيَّة التي تُمكِّن الفرد من التَّقدم والتَّميز، فهو يغذي العقل، ويُنمّي قدرة التَّفكير النَّقدي، ويقوّي إرادة الإنسان في مواجهة الانحرافات؛ لأنَّ الإنسان المتعلِّم يكون أكثر قدرة على التَّمييز بين الصَّواب والخطأ، وأكثر استعدادًا لاتِّخاذ قرارات صائبة في حياته الشَّخصيَّة والاجتماعيَّة. وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: "الْعِلْمُ ثَمَرَةُ الْحِكْمَةِ وَالصَّوَابُ مِنْ فُرُوعِهَا"(13). وهو نصٌّ يوضِّح العلاقة الجوهريَّة بين تحصيل العلم واكتساب القدرة على التَّمييز والحكمة، بما يجعل التَّعليم والتَّثقيف عنصرًا لا غنى عنه في بناء شخصيَّة قادرة على مواجهة متغيِّرات الحياة بثبات ونجاح.
والمهم في هذا المجال تكريس الجهود في تقديم الثَّقافة الصَّالحة للشَّباب، مع التَّركيز بشكلٍ خاص على المسائل العقائديَّة، والفقهيَّة، والأخلاقيَّة. فاستيعاب هذه العلوم يمكِّن الفرد من السَّير على الطَّريق المستقيم، ويمنحه القدرة على التَّمييز بين الحقِّ والباطل في حياته اليوميَّة، وهو ما أكَّده القرآن الكريم بقوله (تعالى): (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)(14)؛ ممَّا يدلُّ على الدَّور الكبير للعلم في توجيه المسلك نحو الطَّاعة والخشية الحقَّة لله (سبحانه وتعالى).
ولا يقتصر التَّزود بالعلم على الوالدينِ أو المؤسَّسات فحسب؛ بل تقع هذه المهمَّة على الشَّباب والفتيات أنفسهم؛ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِم، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ"(15). والسرُّ في التَّأكيد والوجوب على السَّعي للعلم؛ لأنَّ العلم هو الطَّريق الذي يثمر معرفة الحقِّ، والطَّاعة الصَّادقة، بما يُحقِّق السَّعادة للإنسان في الدُّنيا والآخرة، كما جاء في قوله (صلَّى الله عليه وآله): "بِالْعِلْمِ يُطَاعُ اللَّهُ وَيُعْبَدُ، وَبِالْعِلْمِ يُعْرَفُ اللَّهُ وَيُوَحَّدُ، وَبِالْعِلْمِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَالْعِلْمُ إِمَامُ الْعَمَلِ وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ يُلْهِمُهُ اللَّهُ السُّعَدَاءَ وَيَحْرِمُهُ الْأَشْقِيَاءَ"(16).كما أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بيَّن قيمة العلم بقوله: "ثَوَابُ الْعِلْمِ يُخَلِّدُكَ وَلَا يَبْلَى، وَيُبْقِيكَ وَلَا يَفْنَى"(17)
ويجدر التَّنبيه إلى أنَّ الإسلام يدعو إلى طلب العلم في مختلف المجالات النَّافعة، مع التَّأكيد على أولوية العلوم التي تحمل أثرًا عمليًّا في حياة الإنسان، ولا سيَّما ما يرتبط بتكليفه ومسؤوليته. فلا يُراد من المعرفة أن تكون مجرَّد تراكمٍ شكلي أو اطِّلاعٍ تاريخي خالٍ من الجدوى؛ وإنَّما أن تكون وسيلة لبناء الوعي، وتصحيح التَّصرف، وتحقيق الغاية من الاستخلاف في الحياة... فقد روى أبو الحسن موسى (عليه السلام) عن النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) الْمَسْجِدَ، فَإِذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ، فَقَالَ: مَا هذَا؟
فَقِيلَ: عَلَّامَةٌ، فَقَالَ: وَمَا الْعَلَّامَةُ؟
فَقَالُوا لَهُ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ وَوَقَائِعِهَا وَأَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَشْعَارِ وَالْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): ذَاكَ عِلْمٌ لَايَضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ، وَلَا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ" (18). وتشير هذه الكلمات الشَّريفة إلى أنَّ العلوم التي يجب التَّركيز عليها هي علوم العقائد والفقه والأخلاق، فهي التي تُثمر الطَّاعة لله (تعالى)، وتغرس محبَّته في القلوب. وبالتَّالي الاستقامة والحصول على الفلاح والنَّجاح في الحياة الدُّنيا والآخرة.
العامل الرَّابع: الأسوة الحسنة
القدوة الصَّالحة في المجتمع لها دورٌ كبيرٌ في تغيير المجتمع نحو الأفضل؛ ولذلك نلاحظ أنَّ الإسلام منذ بزوغه حاول وبمختلف الطُّرق توجيه المسلمين نحـو القدوة الصَّـــــالحة؛ قــــال الله (تبارك وتعالى): (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (19). وقال (عزَّ وجلَّ): (قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (20).
ولا يكفي لأجل أن نحثَّ الشباب أو نمنعهم عن الانحراف أن نتكلَّم معهم فقط؛ وإنَّما لابدَّ أن يكون المتكلِّم والمربِّي عاملًا بقوله قبل أن يتكلَّم به فإنَّ ذلك أبلغ في التَّأثير؛ لأنَّ النموذج الصَّالح يترك أثره البالغ على الفرد والمجتمع أكثر من التَّعليم، ولعلَّه أفضل طريق للالتزام بالحقِّ. فالأب الصَّالح ضمان أكيد لأبنائه ضد الانحراف، والأم الصَّالحة ضمانٌ أكيدٌ لأبنائها ضد الانحراف، وكذلك المعلِّم، والأستاذ، والعالم، والقائد... وغيرهم. فلغة العمل أبلغ من لغة الخطاب؛ عن أبي عبد الله (عليه السلام): "إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ، زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ الْقُلُوبِ كَمَا يَزِلُّ الْمَطَرُ عَنِ الصَّفَا" (21).
وعنــه (عليه السلام): "أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) صَاحَبَ رَجُلًا ذِمِّيّاً، فَقَالَ لَهُ الذِّمِّيُّ: أَيْنَ تُرِيدُ
يَا عَبْدَ اللَّهِ؟.
قَالَ: أُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَلَمَّا عَدَلَ الطَّرِيقُ بِالذِّمِّيِّ، عَدَلَ مَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).
فَقَالَ لَهُ الذِّمِّيُّ: أَلَسْتَ زَعَمْتَ أَنَّكَ تُرِيدُ الْكُوفَةَ؟
فَقَالَ لَهُ: بَلى.
فَقَالَ لَهُ الذِّمِّيُّ: فَقَدْ تَرَكْتَ الطَّرِيقَ؟
فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ.
قَالَ: فَلِمَ عَدَلْتَ مَعِي، وَقَدْ عَلِمْتَ ذلِكَ؟
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): هذَا مِنْ تَمَامِ حُسْنِ الصُّحْبَةِ أَنْ يُشَيِّعَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ هُنَيْئَةً إِذَا فَارَقَهُ، وَكَذلِكَ أَمَرَنَا نَبِيُّنَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ).
فَقَالَ لَهُ الذِّمِّيُّ: هكَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الذِّمِّيُّ: لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَبِعَهُ مَنْ تَبِعَهُ لِأَفْعَالِهِ الْكَرِيمَةِ، فَأَنَا أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلى دِينِكَ، وَرَجَعَ الذِّمِّيُّ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَلَمَّا عَرَفَهُ أَسْلَمَ" (22).
ويتَّضح من ذلك أنَّ القدوة العمليَّة الصَّالحة، سواء في البيت أو المدرسة أو المجتمع أداة فعَّالة للوقاية من الانحراف، وأنَّ الالتزام بالقيم والخلق الحسن في الحياة اليوميَّة يترك أثرًا في النُّفوس، أحيانًا أكثر تأثيرًا من أيِّ نصوص أو خطب تعليميَّة.
المحور الثَّاني: البيئة الاجتماعيَّة وأثرها في توجيه الشَّباب
تلعب البيئة الاجتماعيَّة دورًا محوريًّا في تشكيل شخصيَّة الشَّباب والفتيات، فهي الإطار الذي تنمو فيه القيم، وتتجذَّر فيه المبادئ، ويتحدَّد من خلاله مدى قدرة الفرد على مواجهة العقبات؛ لذلك سنذكرها حتَّى نعطيها الاهتمام المطلوب:
العامل الأوَّل: المجتمع الصَّالح والقرين الصَّالح
ينبغي على الوالدينِ أن يُحسنوا توجيه أبنائهم نحو بيئةٍ تحتضن الأخلاق الفاضلة، فهذه البيئة ركيزةٌ في ترسيخ التَّوازن النَّفسي والاجتماعي، ومصدر غنيٌّ بعوامل الطَّمأنينة والاستقرار، التي يحتاجها الشَّاب والفتاة في رحلتهم نحو بناء شخصيَّة ناجحة ومتكاملة.
وأمَّا الصَّداقة الصَّالحة، فإنَّها تلعب دورًا بالغ الأهميَّة في تكوين الفرد، فالصَّديق الصَّالح يؤثِّر تأثيرًا إيجابيًا مباشرًا على منهج قرينه، سواء في تقوية الانضباط، أو تعزيز القدرة على اتِّخاذ القرارات الصَّائبة. وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: "صُحْبَةُ الْأَخْيَارِ تَكْسِبُ الْخَيْرَ كَالرِّيحِ إِذَا مَرَّتْ بِالطِّيبِ حَمَلَتْ طِيباً"(23). وهو تشبيه يوضِّح كيف تنتقل الفضائل والمعاني الإيجابيَّة من الصَّديق الصَّالح إلى الشَّخص المصاحب له، بما يبرز أهميَّة مراعاة اختيار القرين المناسب. لذلك، يمثِّل المجتمع الصَّالح والقرين الصَّالح معًا عناصر مكملة لتنشئة الأبناء؛ لأنَّها توفر البيئة الدَّاعمة والمحيط السَّليم للفرد ليترسَّخ فيه الخير.
وفي مسألة اختيار الصَّديق، قدَّم أهلُ البيت (عليهم السلام) معالمَ هادية ومعاييرَ دقيقة تُعين على تمييز من يَصلح أن يكون رفيقًا صالحًا، وترسم طريقًا واضحًا لاختيار الصُّحبة التي تُزكّي النَّفس وتُعين على الاستقامة. ومن أبرز هذه المعايير:
1. الصِّدق في التَّعامل
عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "الصَّدِيقُ الصَّدُوقُ مَنْ نَصَحَكَ فِي عَيْبِكَ وَحَفِظَكَ فِي غَيْبِكَ وَآثَرَكَ عَلَى نَفْسِهِ" (24). ويكشف هذا القول أنَّ الصَّديق الحقّ هو من يتزيَّن بالصِّدق والوفاء، ويُقدِّم مصلحة صاحبه على مصلحته الخاصَّة، ويلازمه بنصيحةٍ خالصةٍ صادقة، لا يبتغي بها مظهرًا ولا يسعى من خلالها إلى لفت الأنظار. ويغدو هذا المعيار أساسًا في تمييز القرين الصَّالح؛ إذ ينعكس حضوره أثرًا إيجابيًّا على شخصيَّة الفرد، ويمنحه صحبةً تُنبت الفضائل، وتدفع الرَّذائل.
2. بيان العيوب
عن أبي عبد الله (عليه السلام): "أَحَبُّ إِخْوَانِي إِلَيَّ مَنْ أَهْدى إِلَيَّ عُيُوبِي" (25).
ويُبيِّن هذا الحديث أنَّ الصَّديق الحقيقي هو من يتحلَّى بقدرٍ كافٍ من الشَّجاعة والصِّدق ليُصارح صاحبه بنصيحةٍ نزيهة تكشف مواضع ضعفه وأخطائه، لا من يلوذ بالمجاملات أو يُخفي الحقائق. فمثل هذا الصَّديق يوقظ في النَّفس روح المراجعة والتَّقويم، فيدفع بصاحبه إلى تصحيح مساره والارتقاء بذاته. وبذلك يغدو القرين سندًا صادقًا في مواجهة تحديات الحياة.
وبعبارة جامعة: إنَّ الصَّداقة الصَّالحة إنَّما تُبنى على أسسٍ من الصِّدق والوفاء؛ حيث يكون الصَّديق معتدلًا في خُلقه، منسجمًا في مواقفه سرًّا وعلانيَّة، يُعظِّم الفضائل كما لا يُغفل العيوب، ولا تتبدَّل مواقفه تبعًا لمغريات المال أو نفوذ السُّلطة. وهو كذلك لا يحول بين صاحبه وحقوقه المشروعة، ويلازمه في أوقات الشدَّة والمحن، فيكون له سندًا وعونًا. ومن هنا، تغدو هذه المعايير ضمانًا لتكوين علاقات يسودها الأمان والثِّقة.
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "لَا تَكُونُ الصَّدَاقَةُ إِلَّا بِحُدُودِهَا؛ فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ هذِهِ الْحُدُودُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا، فَانْسُبْهُ إِلَى الصَّدَاقَةِ؛ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا، فَلَا تَنْسُبْهُ إِلى شَيْءٍ مِنَ الصَّدَاقَةِ؛ فَأَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ وَعَلَانِيَتُهُ لَكَ وَاحِدَةً؛ وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَرى زَيْنَكَ زَيْنَهُ، وَشَيْنَكَ شَيْنَهُ؛ وَالثَّالِثَةُ: أَنْ لَا تُغَيِّرَهُ عَلَيْكَ وِلَايَةٌ وَلَا مَالٌ؛ وَالرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَمْنَعَكَ شَيْئاً تَنَالُهُ مَقْدُرَتُهُ؛ وَالْخَامِسَةُ وَهِيَ تَجْمَعُ هذِهِ الْخِصَالَ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ عِنْدَ النَّكَبَاتِ"(26).
وتكشف هذه الرِّوايات الشَّريفة، إلى جانب غيرها، أنَّ جوهر الصَّديق الصَّالح يقوم على ركنينِ أصيلينِ: التَّديّن والأخلاق الكريمة؛ ويشكِّلان القاعدة المتينة لاختيار الرَّفيق الذي ينعكس حضوره أثرًا طيِّبًا على شخصيَّة قرينه.
وبموازاة ذلك، تتجلَّى مهمَّة الوالدينِ في متابعة أبنائهم ومراقبتهم بأسلوبٍ متوازن، يجمع بين الرِّعاية والوعي، من دون أن يُثقل كاهلهم بالقيود أو يُشعرهم بالاختناق. فيحرصانِ على معرفة أنشطتهم الاجتماعيَّة، وأماكن تواجدهم، والرِّفاق الذين يُصاحبونهم، ضمن إطارٍ من الثِّقة والحوار. ومثل هذا التَّوجيه يهيّئ بيئةً آمنة تُعين الأبناء على حسن الاختيار، وتقيهم من مزالق التَّأثيرات السلبيَّة، وتبقى الوقاية من الانحراف أسمى أثرًا وأجدى نفعًا من معالجته بعد وقوعه.
العامل الثَّاني: ملء الفراغ
يميل الإنسان بطبيعته إلى ملء فراغه، فإذا لم يُملأ هذا الوقت بما ينفع، فسرعان ما يملأه بالأنشطة الضَّارة. ومن هنا، يتَّضح أنَّ إدارة الفراغ وتوجيهه نحو ما ينفع تتوقف على ثلاثة أطراف متكاملة:
الجهة الأولى: الأسرة، ويقع على عاتقها وضع برامج مدروسة لأفرادها، تهدف إلى شغل وقت الشَّاب والفتاة بما يعود عليهم بالنَّفع، سواء كان ذلك بواسطة الأنشطة المنزليَّة، أو الهوايات المفيدة، أو مشاركة الأسرة في الأعمال الجماعيَّة التي تنمي المهارات والمواهب.
الجهة الثَّانية: المراكز التَّربويَّة، مثل المدارس، الجامعات، المساجد، والحسينيات، التي يمكنها تنظيم الدَّورات الثقافيَّة، وتعليم الحرف والصِّناعات اليدويَّة أو الأعمال الإلكترونيَّة، أو إقامة برامج تدريبيَّة وترفيهيَّة مفيدة في العطل الرَّسميَّة والصَّيفيَّة، بما يدعم استثمار وقت الشَّباب بشكل إيجابي، ويحوّل أوقات الفراغ إلى مساحات لزيادة المعرفة والمهارة.
الجهة الثَّالثة: الشَّاب والفتاة أنفسهم، الذين يقع على عاتقهم استثمار أوقات فراغهم بأنشطة نافعة، مثل تقديم المساعدة داخل المنزل، أو القراءة، أو ممارسة الرِّياضات المباحة، أو متابعة البرامج التَّعليميَّة والثَّقافيَّة. فاستغلال الوقت بشكل مدروس يعود بالخير على الفرد، ويزيد من تقدُّمه الشَّخصي، ويُعدّ سببًا جوهريًّا لتقدُّم الأمَّة واستمرار نهضتها.
ولأهميَّة استثمار الوقت، كان أهل البيت (عليهم السلام) يحثُّون على استغلال كلِّ لحظة في التَّعلم والعمل، وعدم ترك النَّفس في حالة ركود. عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): "اغْدُ عَالِماً، أَوْ مُتَعَلِّماً، أَوْ أَحِبَّ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَلَا تَكُنْ رَابِعاً؛ فَتَهْلِكَ بِبُغْضِهِمْ" (27)، وهو توجيه صريح لتقدير الوقت واستثماره فيما ينفع.
ويظهر هذا المبدأ عمليًّا في سلوك العلماء، فقد ذكر الشيخ الموحدي أنَّ المرجع الرَّاحل السيِّد البروجردي (رحمه الله) بسبب كثرة انشغاله في تصديه للمرجعيَّة وإدارة شؤون الأمَّة كان أحيانًا يتأخر دقائق عن موعد الدَّرس حيث الطَّلبة العلماء كانوا ينتظرونه لإلقاء دروسه في الفقه الإسلامي الاستدلالي، المعروف في الحوزات العلميَّة بــ(بحث الخارج)، فمرَّة من المرَّات زاد تأخره لدقائقٍ أكثر ممَّا كان يتأخر عادة، فلمَّا وصل السيِّد، اعترض عليه أحد الطلبة من العلماء بلطف، وقال: إنَّ أوقات الطَّلبة تضيع هكذا!
فقال له السيِّد البروجردي: لماذا تضيِّعون أوقاتكم، أنا حفظت إثنا عشر جزءًا من القرآن الكريم في أوقات الانتظار، أنتم كذلك لا تجلسوا عاطلين؛ بل استفيدوا من دقائق الانتظار لحفظ الآيات القرآنيَّة"(28).
ويُجسِّد هذا الموقف حقيقةً مفادها أنَّ استثمار الوقت لا ينحصر في الجلوس على مقاعد الدَّرس فحسب؛ بل يمتدُّ ليشمل كلَّ لحظةٍ قابلةٍ لأن تُستثمر في طلب العلم والتزوّد بالمعرفة. فهو يقدِّم درسًا عمليًّا للشَّباب والفتيات على السَّواء، يدعوهم إلى أن يكونوا في سعيٍ دائم نحو التَّعلُّم، وأن يُحسنوا اغتنام دقائق حياتهم، حتَّى في أوقات الانتظار أو الفراغ. وبذلك يتحوَّل الزَّمن إلى رصيدٍ يبني الشخصيَّة ويصقل الوعي، بدل أن يكون منفذًا للضَّياع أو مدخلًا للانحراف.
العامل الثَّالث: الرِّفق والمداراة في التَّعامل
الرِّفق: "خُلُقٌ يبعثُ على اللِّين في القول والفعل، ويمنعُ من الشِّدَّة والفظاظة، وهو من آثارِ مَلَكةِ الحِلمِ ورسوخِها في النَّفس" (29).
أمَّا المداراة: " خُلُقٌ يقتضي حُسنَ معاشرةِ النَّاس، والتَّلطُّفَ معهم، مع التَّحمُّلِ لأذاهم ودفعِ شرِّهم، من دون إخلالٍ بالدِّين أو تفريطٍ في الحقِّ" (30).
وقد ورد العديد من الرِّوايات الشَّريفة في فضل هذينِ الخلقينِ لما لهما من دور في إصلاح الانحرافات الموجودة في المجتمع؛ فالشَّاب المنحرف أو الفتاة المنحرفة بأمسِّ الحاجة إلى الرِّفق والمداراة حتَّى يستطيعا معالجة الأسباب التي وراء الانحراف؛ لذلك ينبغي أن تكون لغتنا مع الشَّباب وتعاملنا معهم مبني على أساس الرَّحمة والعطف والرِّفق، فهو من الأساليب القرآنيَّة المهمَّة في الدَّعوة إلى الخير، قال الله (سبحانه وتعالى): (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (31).
ثمَّ إنَّ هذينِ الأسلوبين كفيلانِ بحلِّ كثيرٍ من الانحرافات؛ لذلك نجد تركيزًا كبيرًا في النُّصوص الشَّريفة؛ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): "إِنَّ اللَّه (عَزَّ وجَلَّ) رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ويُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ" (32), وعن أبي عبد الله (عليه السلام): "مَنْ كَانَ رَفِيقاً فِي أَمْرِه نَالَ مَا يُرِيدُ مِنَ النَّاسِ" (33) وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "قَالَ رَسُولُ اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ" (34).
إنَّ الرِّفق والمداراة وعدم العنف من الأسباب المهمَّة في هداية الآخرين، والقصَّة التَّالية تبيِّن هذه الحقيقة:
ينقل عن المجلسي الأَوَّل (35) آية الله الشيخ محمَّد تقي (رحمه الله) أن جاء إليه أحد المواطنين، وشكا جاره العاصي الضَّال، والذي كان يدعو الأشرار والفسقة إلى بيته؛ ليقيموا مجلس الطَّرب واللهو والمنكر، فاقترح عليه الشَّيخ أن يدعوهم إلى بيته، ويحضر هو أيضًا معهم.
وبالفعل دعاهم، وفي اليوم المحدَّد حضروا الأشرار ولما شاهدوا الشيخ المعمم جالسًا في البيت امتعضوا غاضبين، فأرادوا أن يخرجوا العالم الدِّيني من المجلس، فقال له كبير الأشرار: يا شيخ طريقتنا صحيحة أم طريقتكم؟
فأجابه الشيخ: نعم لا بأس أن يقدِّم كلٌّ منَّا خصائص طريقته؛ ليتبيَّن الواقع الأفضل منهما.
فقال كبير الأشرار: اعلم يا شيخ أنَّ من جملة معتقداتنا، هو أننا إذا أكلنا من زاد أحدٍ لم نخنه أبدًا، فقاطعه الشيخ قائلًا: أنا لا أقبل منك هذه الدَّعوى.
قال: لماذا؟
فأجابه الشيخ: أو لم يكن أكلكم من زاد الله وفضله حتَّى الآن؟
حين ذاك أطرق كبير الأشرار برأسه إلى الأسفل حياءًا، ثمَّ قام وترك المجلس مع أتباعه بسرعة، وعند الصَّباح جاء الأشرار بأجمعهم إلى دار الشيخ المجلسي، وتحدَّث كبيرهم قائلًا: لقد أثَّر نصحك ليلة أمس فيَّ أثراً بليغًا، وقد جئتك الآن بعد ما تبت إلى الله (سبحانه) واغتسلت، لتأخذ بيدي ويد أصحابي ولتدلنا على طريق الهدى والصَّلاح. وتعلِّمنا أحكام ديننا، وينقل أنَّ هذا الشَّخص وبعد هذه الواقعة أصبح من الأخيار حتَّى آخر لحظة من حياته (36).
وتعلِّمنا هذه الواقعة أنَّ التَّعامل بالحكمة والرِّفق واللين، والابتعاد عن العنف أو الإنكار القاسي، هو طريق فعَّال لإرشاد الآخرين إلى ما فيه صلاحهم.
العامل الرَّابع: الإعلام الهادف
للإعلام أثرٌ بالغ في تشكيل الأفكار وتوجيه الآراء، ومن ثمَّ التَّأثير في سلوك الفرد سلبًا أو إيجابًا. ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة إيلاء هذا القطَّاع عناية خاصَّة، لا سيَّما من قبل الجهات التي تمسك بزمام القرار (37)، والقيام بالأعمال التي من شأنها الحصول على إعلام هادف؛ ومنها على سبيل الاختصار (38):
1. العمل على تقديم برامج تُلبي احتياجات الشَّباب والفتيات بمختلف أبعادها؛ الثَّقافيَّة والفكريَّة والمهاريَّة والعمليَّة، بما يُعينهم على استثمار أوقاتهم استثمارًا مثمرًا، ويُبعدهم عن الوقوع في فخِّ الفراغ والبطالة، وما قد يترتب عليهما من انحرافات. وتُعدُّ هذه الخطوة حجر الزَّاوية في توجيه الشَّباب نحو الأسلوب الإيجابي؛ إذ يتحوَّل الإعلام، حين يلامس حاجاتهم الواقعيَّة ويقدِّم محتوى يُحفِّز على التَّعلم والإنتاج، إلى قوَّة فاعلة في التربية، وأداة مؤثِّرة في بناء شخصيَّة متوازنة وواعية.
2. مواجهة الفراغ الدِّيني لدى الشَّباب والفتيات من الأولويات التَّربويَّة الملحَّة، لما لهذا الفراغ من أثر كبير في تعريضهم للانحرافات الفكريَّة والأخلاقيَّة. ومن أنجع الوسائل لمعالجة هذه الإشكالية اعتماد الحوار الهادف والمباشر، بأسلوب تربوي هادئ يفتح آفاق التَّفاعل ويُشعر الشَّباب بقيمتهم واهتمام المجتمع بهم. كما يسهم هذا الَّنهج في توجيه فضول الشَّباب الفكري نحو فهم الدِّين بطريقة إيجابيَّة ومتوازنة، ممَّا يعزِّز وعيهم الدِّيني، ويُشارك في ملء أوقاتهم بما يعود عليهم بالنَّفع، ويجعلهم عناصر فاعلة في بناء مجتمعهم.
3. إعادة النَّظر في البرامج الدِّينيَّة خطوة ضروريَّة في مسار الإصلاح التَّربوي والإعلامي؛ إذ لا ينبغي أن يقتصر الاهتمام على المحتوى التَّعليمي داخل المدارس والجامعات فحسب؛ بل يمتد ليشمل الكتب المنهجيَّة الدِّينيَّة، وكذلك البرامج التي تُبث عبر الإذاعة والتِّلفاز. وتهدف هذه المراجعة إلى تحديث الخطاب الدِّيني بما ينسجم مع احتياجات الشَّباب المعاصرة، مع تصحيح المفاهيم غير الدَّقيقة، وتقديم المضامين بأساليب جاذبة تُخاطب عقولهم وتستثير اهتمامهم.
4. الاستعانة بالمتخصصين في مجالات الإعلام من الرَّكائز الجوهريَّة لنجاح أيِّ برنامج يستهدف التَّأثير الإيجابي في فئة الشَّباب؛ ويرتبط هذا النَّجاح بمدى كفاءة القائمين عليه وقدرتهم على توظيف الأساليب الحديثة للوصول إلى الجمهور المستهدف بفاعلية. فالمتخصصون يمتلكون أدوات التَّخطيط الاحترافي، وصناعة المحتوى، وتوظيف التقنيات البصريَّة والسَّمعيَّة بأساليب جاذبة، تضمن إيصال الرَّسائل النَّافعة بصورة مؤثِّرة ومقنعة.
5. إنشاء المؤسَّسات التَّعليميَّة والإعلاميَّة والتربويَّة خطوةً استراتيجيَّةً محوريَّةً لاستيعاب أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع، ولا سيَّما فئة الشَّباب، ضمن بيئة منظَّمة وهادفة. فوجود المدارس والجامعات والحوزات العلميَّة، إلى جانب المنصَّات الإعلاميَّة ذات البعد التَّربوي، يوفِّر إطارًا متكاملًا لتقديم المحتوى التَّعليمي والدِّيني والأخلاقي بأسلوب منهجي ومستمر، ويُسهم في توجيه أوقات الشَّباب نحو ما ينفعهم، ويُبعدهم عن مخاطر الانحراف.
6. الجمع بين العلم والعمل الجاد ركيزة محوريَّة لتحقيق النَّجاح والتَّقدم؛ فهما السَّبيل للتغلب على المشكلات في مختلف ميادين الحياة. فالعلم يمنح الإنسان الفهم، ويُمكِّنه من التَّمييز بين الحقِّ والباطل، بينما العمل الجاد يحوّل هذا العلم إلى نتائج ملموسة تخدم الفرد والمجتمع معًا. وقد جسَّد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: "بِالتَّعَبِ الشَّدِيدِ تُدْرَكُ الدَّرَجَاتُ الرَّفِيعَةُ وَالرَّاحَةُ الدَّائِمَةُ" (39). مشيرًا إلى أنَّ السَّعي والمثابرة هما الطَّريق إلى الارتقاء في الدُّنيا والفلاح في الآخرة.
ويقول العالم الزَّاهد أبو الحسن ورّام (رحمه الله تعالى): رأيت يومًا على قبرٍ هذه الأبيات من الشِّعر:
يا أيُّها النَّاسُ كانَ لِي أمـــلٌ --- قصَّرني عنْ بلوغهِ أجلُ
مَا أنا وحدي الذي خصصت بهِ --- كلٌ إلى مثلٍ ذا ســينتقلُ
فـليـتـــقِ اللهَ ربَّـه رجـــــــــلٌ --- أمـكنه في حيـاتــهِ العمــلُ (40)
وتعكس هذه الأبيات حقيقة جوهريَّة مفادها: إنَّ الإنسان مهما علا أمله وطموحه، فإنَّ حياته محدودة، وما يبقى له في النِّهاية هو أثر عمله وتقواه. فهي دعوة صادقة للتَّفكر في قيمة الوقت واستثمار الحياة في الأعمال الصَّالحة، والتَّقرب إلى الله (جلَّ جلاله) بالعلم والعمل الجاد؛ لأنَّ ذلك هو ما يترك أثرًا دائمًا ينتقل مع الإنسان إلى ما بعد الموت.
المحور الثَّالث: المعالجات الواقعيَّة والاقتصاديَّة
ويُركِّز على الأبعاد التَّطبيقيَّة المتَّصلة بواقع الحياة، واحتياجات الإنسان:
العامل الأوَّل: القضاء على الفقر والبطالة
القضاء على الفقر والبطالة من القضايا التي تتطلَّب دراسة دقيقة وأدوات عمليَّة للتَّعامل معها، فمعالجة هذه الظَّواهر تحتاج إلى تفعيل الخطط وتطبيقها بوعي؛ ويمكن التَّطرق لبعضٍ منها:
1. دراسة أسباب الفقر والبطالة
وتتقسم هذه الأسباب على قسمينِ:
القسم الأوَّل: الأسباب المعنويَّة
وهي الأعمال والأفعال التي تؤثِّر على بركة الرِّزق واستقرار الحياة الاقتصاديَّة للفرد والمجتمع، مثل ارتكاب الذُّنوب، والأكل على الجنابة، وإظهار الفقر أو التَّباؤس، وترك زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) خلال السَّنة، واستعمال العلم للرِّياء، وترك صلاة الليل، والإهمال في الطَّاعات وغيرها. فهذه الممارسات تؤثِّر على النُّفوس وتضعف البركة في الوقت والمال، وتحدُّ من قدرة الفرد على الاستفادة من الفرص المتاحة (41).
القسم الثَّاني: مخالفة أحكام الله (تعالى) في إدارة شؤون الحياة
العمل بما يخالف أحكام الله (سبحانه) ينعكس سلبًا على الرِّزق واستقرار المجتمع، ويُعد سببًا رئيسيًّا للفقر والبطالة. فقد ورد عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "وَجَدْنَا فِي كِتَابِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): إِذَا مُنِعَتِ الزَّكَاةُ، مَنَعَتِ الْأَرْضُ بَرَكَاتِهَا" (42) وهو نصٌّ يوضِّح أنَّ الامتناع عن تطبيق الفرائض ينتهي إلى حرمان المجتمع من البركات والنَّماء.
وعن أبي الحسن (عليه السلام): "إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) وَضَعَ الزَّكَاةَ قُوتاً لِلْفُقَرَاءِ، وَتَوْفِيراً لِأَمْوَالِكُمْ" (43). وهو تأكيد على أنَّ هذه العبادات وسيلة عمليَّة لتوزيع الثَّروة، وضمان حصول المحتاجين على حاجاتهم الضروريَّة، وحفظ بركة المال للأفراد والمجتمع.
ومن الأمثلة العمليَّة على ذلك: التَّعامل بالرِّبا، وعدم الحفاظ على ثروات البلاد ومقدراتها، ومنع النَّاس من العمل بسبب قوانين غير عادلة أو غير متوافقة مع الشَّريعة الإسلاميَّة، إضافة إلى آثار الحروب والصِّراعات التي تفتك بالموارد وتحدُّ من فرص العمل.
2. توفير فرص العمل
لا يمكن القضاء على الفقر والبطالة إلَّا من خلال توفير فرص العمل الملائمة للشَّباب، فالعمل وسيلة ضروريَّة لتحقيق الاكتفاء الذَّاتي، وضمان استقرار الحياة الاقتصاديَّة للفرد والمجتمع. كما أنَّ الانخراط في العمل يساعد على توجيه طاقات الشَّباب نحو الأنشطة المفيدة، ويقلل من احتمال انحرافهم؛ إذ ينشغلون بتحقيق احتياجاتهم الماديَّة وتطوير مهاراتهم المعرفيَّة والعمليَّة.
3. العدالة في توزيع الثَّروات
إنَّ عدم المساواة في توزيع الموارد ينتهي إلى تراكم الثَّروات في أيدي فئة قليلة، ويزيد من معاناة الشَّرائح الفقيرة ويحد من فرصهم في العمل وتحقيق الاكتفاء الذَّاتي. أمَّا توزيع الثَّروات بعدالة ووفق ضوابط شرعيَّة فُيتيح لكلِّ فرد فرصة عادلة للوصول إلى احتياجاته ومؤونته، ويخلق بيئة منتجة تحفِّز على العمل والابتكار، كما يضمن استدامة الموارد وتعميم البركة في المجتمع، بما يحقِّق التَّنمية الشَّاملة ويقوّي النَّسيج الاجتماعي.
4. الاهتمام بالعمل وتشجيع الشَّباب عليه
إنَّ التَّوجيه المستمر والتَّحفيز العملي يجعل الشَّباب أكثر استعدادًا لتحمل المسؤوليَّة، ويقلل من فرص الانحراف، ويعزِّز لديهم روح الإبداع والإنتاجيَّة، ما ينعكس إيجابًا على ازدهار الأمَّة واستدامة نهضتها.
الشَّباب وعلو الهمَّة
كان لرجلٍ من أغنياء التجار ولدٌ نجيبٌ صرفه من صغر سنه في التِّجارة ببلده، حتَّى رضي بخبرته فيها، فلمَّا بلغ أشده أراد أن يعوده على الإسفار في تجارة الأقطار، فجهَّزه تجهيزًا يليق بأمثاله وأصحابه، ومضى الغلام... فلمَّا كان على مسيرة أيَّامٍ من المدينة، نزل ذات ليلة في بعض المروج، وكانت الليلة مقمرةً، فقام يتمشى، وقد مضى جزءٌ من الليل، فبصر بثعلبٍ طريحٍ، وقد أخذه الهرم والضعف، وهو يتلوَّى من الجوع. فوقف عنده، وأخذ يتفكَّر في أمره، ويقول: كيف يرزق الله هذا الحيوان المسكين؟، وما أظن إلَّا أنَّه سيموت جوعًا.
فبينما هو كذلك إذا هو بأسدٍ مقبلٍ قد افترس فريسة، فجاء حتَّى قرب من الثَّعلب، فتناول منها حتَّى شبع وترك بقيَّتها ومضى، فعند ذلك تحامل الثَّعلب على نفسه، وأخذ يتحرَّك قليلًا حتَّى انتهى إلى ما تركه الأسد، فأكل حتَّى شبع. والغلام يعجب من صنع الله في خلقه، وما ساق لهذا الحيوان العاجز من رزقه، وقال في نفسه: إذا كان(سبحانه) قد تكفَّل بالأرزاق، فلأيِّ شيءٍ احتمال المشاق وركوب الإسفار واقتحام الأخطار، ثمَّ انثنى راجعًا إلى والده، فأخبره الخبر، وشرح له ما ثنى عزمه عن السَّفر.
فقال له والده: يا بنيَّ قد أخطأت النَّظر. إنَّما أردت بك أن تكون أسدًا تأوي إليك الثَّعالب الجياع، لا أن تكون ثعلبًاً جائعًا تنتظر فضلة السباع. فقبل نصيحة أبيه، ورجع لما كان فيه (44).
وهذه القصة تُظهر أنَّ النَّجاح والتَّميُّز في الحياة يحتاجانِ إلى عمل دؤوب، وتخطيط رشيد، وعلو همَّة، مع الثِّقة بأنَّ الله (تعالى) سيكفل الرِّزق لمن يسعى بإخلاص واجتهاد.
فضيلة كسب اليد
رُويَ أنَّ حَوارِيِّي عيسى (عليه السلام) كانوا إذا جاعُوا قالوا: يا رُوحَ اللَّهِ جُعْنا، فَيَضرِبُ بيَدِهِ علَى الأرضِ - سَهلًا كان أو جَبَلًا - فَيُخرِجُ لِكُلِّ إنسانٍ مِنهُم رَغِيفَينِ يَأكُلُهُما، فإذا عَطِشُوا قالوا: يا رُوحَ اللَّهِ عَطِشْنا، فَيَضرِبُ بيَدِهِ على الأرضِ - سَهلًا كان أو جَبَلًا - فَيُخرِجُ ماءً فَيَشرَبُونَ، قالوا: يا رُوحَ اللَّهِ، مَن أفضَلُ مِنَّا؟
إذا شِئنا أطعَمتَنا، وإذا شِئنا سَقَيتَنا، وقد آمَنّا بكَ واتَّبَعناكَ!
قالَ: أفضَلُ مِنكُم مَن يَعَملُ بيَدِهِ، ويَأكُلُ مِن كَسبِهِ، فصاروا يَغسِلُونَ الثِّيابَ بالكِراءِ" (45).
العامل الثَّاني: الزَّواج المبكر
ورد العديد من النُّصوص الشَّريفة تحثُّ على الزَواج لما له من آثارٍ ايجابيَّةٍ على الفرد والمجتمع؛ قال الله (سبحانه وتعالى): (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (46).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): تَزَوَّجُوا، وَزَوِّجُوا... مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) مِنْ بَيْتٍ يُعْمَرُ فِي الْإِسْلَامِ بِالنِّكَاحِ" (47).
فالزَّواج يؤدِّي إلى كبح الشَّهوة الجنسيَّة وتنظيمها، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنَّ الزَّواج سبب لدفع الإنسان نحو العمل، وبذلك يقضي على كثير من الأمور التي تسبب الانحراف كالفراغ والبطالة وغيرها، وبالتَّالي حصول السكن والهدوء والاستقرار. قال الله (عزَّ وجلَّ): (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (48).
وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجْ، فَتَزَوَّجَ، فَوُسِّعَ عَلَيْهِ" (49).
وأمَّا طريق تعزيز الزِّيجات، فيتم عبر وسائل عدَّة فعَّالة؛ منها:
1. معالجة البطالة ومعالجة أزمة السَّكن، والمهور العالية، والابتعاد عن التَّكاليف التي لا فائدة فيها، والاقتصار على الأمور المهمَّة التي تخص الزَّواج وغيرها، وهذه الالتزام يقع أوَّلًا على الآباء والأمهات بأن يعدّوا لزواج أبنائهم منذ طفولتهم، وكذلك تقع على الدَّولة، والمؤسَّسات الخيريَّة والمحسنين من النَّاس والشَّباب أنفسهم. وهنيئًا لمن يساهم ويساعد في عمليَّة الزَّواج فإنَّ له ثوابًا وأجرًا عظيمًا عند الله (تبارك وتعالى)؛ عن أبي عبد الله (عليه السلام): قَالَ: "قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَفْضَلُ الشَّفَاعَاتِ أَنْ تَشْفَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي نِكَاحٍ حَتَّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا"(50).
وأمَّا في حالة تأخير الزَّواج فإنَّ أفضل علاج لمقاومة آثار العزوبة هو تقوى الله (سبحانه)؛ فإنَّه بابٌ لكلِّ خير.
وثمَّة قصَّة رائعة ينقلها التَّاريخ بإكبار عن السيِّد (مير داماد) المشهور في إيران: فقد كان شابًّا يافعًا يطلب العلم في إحدى المدارس الدِّينيَّة في طهران، وفي إحدى الليالي وبينما كانت بنت شاه إيران في ذلك الوقت، تسير في الشَّارع مع جواريها وخدمها، إذ أمطرت السَّماء مطرًا غزيرًا، وهبَّت رياحٌ عاتية قويَّة، فصارت كلُّ واحدة من جواري بنت الشَّاه تبحث عن ملجأ لنفسها، إلى أن أصبحت بنت الشَّاه وحيدةً في الشَّارع في ذلك الجو المزعج المخيف. ورأت باب المدرسة مفتوحًا فدخلت المدرسة، وطرقت باب غرفة السيِّد الشَّاب، والذي كان يتدفأ بحرارة شيءٍ من الجمر، يدفع به البرد القارس. وشرحت للسيِّد الشَّاب قصتها، فهي فتاة ضائعة تريد ملجأ يستضيفها ريثما يهدأ الجو وينبثق نور الصَّباح.
فلم يرَ السيِّد بدًّا من الاستجابة لها، وأدخلها غرفته حيث جلست في زاوية، وجلس هو في زاوية أخرى. وبعد أن ذهب قسط من الليل بدأ الشَّيطان يمارس دوره الخبيث في مثل هذه الأجواء... أصبح الشيطان يزيِّن للسيِّد الشَّاب اغتنام الفرصة، وممارسة الشَّهوة المحرَّمة، فالجو مهيأ والباب مغلق، ولا تمتلك الفتاة أيَّ وسيلة للدِّفاع والامتناع... ولكنه هو الشَّاب الصَّالح الواعي صار يفكر في وسيلة يتخلَّص بها من مخالب الشَّهوة، ومصيدة الشَّيطان. وأخيرًا توصَّل إلى طريقة قاسية تعينه على مقاومة شهواته، ومكافحة وساوس الشيطان... وذلك بأن يضع إصبعه على الجمر حتَّى يشتغل بألم الحرق عن التَّفكير في الحرام، وهكذا استمر يحرق أصابعه طوال الليل، ويكابد الألم، وهو يخاطب نفسه قائلًا: ذق النَّار وخف نار الآخرة(51)!!.
وكذلك من وسائل تيسير الزَّواج وتعجيله الاستغفار والدُّعاء؛ روى المرجع الدِّيني آية الله العظمى السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (قدِّس سرُّه): "في أحد الأيَّام جاءتني إحدى الأخوات المؤمنات، وطلبت منِّي أن أدعو لقضاء حاجتها ولما سألتها: وما هي حاجتك؟
قالت: إنَّ ابنتي كبرت، وأريد أن أزوّجها من رجلٍ كفؤ، فسألتها من أين جئتِ؟
قالت: من زنجان.
ثمَّ قالت: علِّمني دعاءً يقربني إلى الله، ويسهل لابنتي أمر زواجها.
فقلت لها: أوَّلًا: استغفري الله (تعالى) كلَّ يومٍ مائة مرَّة.
ثانياً: اقرئي كلَّ يوم دعاء (يَا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ المَكارِهِ)، ويسمى (دعاء الأمن) الذي نقله المحدِّث القمِّي في كتابه (مفاتيح الجنان) وهو من أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام).
وفي مهج الدَّعوات: إنَّ الإمام الهادي (عليه السلام) علَّم هذا الدُّعاء اليسع بن حمزة القمي، وقال: إنَّ آل محمَّد يدعون بها عند إشراف البلاء، وظهور الأعداء وتخوف الفقر، وضيق الصَّدر.
فاستبشرت وتفاءلت بالخير وانصرفت، وبعد شهر تقريبًا راجعتني، وقالت: إنَّ ابنتها قد تزوَّجت برجلٍ صالح.
فقلت: الحمد لله، لقد استجاب الله دعائها؛ لأنَّها استغفرت ربَّها، ودعت من صميم قلبها، فإنَّ الدُّعاء طريقٌ لحلِّ المشاكل" (52).
وبعد هذه الجولة في العوامل التي من شأنها القضاء على الانحراف يتجلَّى لنا أنَّ معالجة انحراف الشَّباب والفتيات تتطلَّب تبني استراتيجيات متكاملة تشمل الأسرة، والمراكز التَّعليميَّة، والمؤسَّسات الثقافيَّة. كما يشكِّل الاستقرار الأسري، والممارسات التَّربويَّة المبنية على المعرفة، والقدوة العمليَّة الصالحة، والصحبة الإيجابيَّة، عناصر أساسيَّة في الوقاية من الانحراف وصقل الشَّخصيَّة.
إنَّ العناية بهذه العوامل هي بناءٌ عميقٌ لمستقبل المجتمع بأكمله؛ إذ تُثمر في صناعة جيلٍ واعٍ، يمتلك بصيرة القرار، ويجسِّد القيم الرَّفيعة في نمط حياته.



اضف تعليق