الشجاعة الذكية هي التي جعلت التشيّع دون سائر المذاهب الاسلامية صامداً بوجه العواصف، محتفظاَ بمصداقيته الدينية والعلمية بإقرار العديد من علماء الأمة ومفكريها، كما يحسب له الفضل في الإبقاء على روح الإسلام وقوانينه ونظمه وثقافته بين الأمة، رغم تعرضه أكثر من غيره من المذاهب، لمختلف أشكال المحاربة الفكرية والنفسية والجسدية...

"اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِي قومٌ في عُقر دارهم إلا ذُلوا"

نقتبس هذه الومضة من خطبة طويلة لأمير المؤمنين، عليه السلام، ألقاها على مسامع ابناء جيشه لتعبئتهم نفسياً لقتال جيش معاوية في حرب صفين، مؤكداً حقيقة وجودية تجد مصاديقها في مجالات عديدة بالحياة، فالغزو لا يُقتصر على حمل السلاح وخوض المعركة الساخنة، بل يكون ايضاً في حمل القلم واللسان في ميادين الفكر والعلم، وحتى في ميادين الاقتصاد والسياسة والأمن بما يُسمى اليوم ب"المبادرة"، فكلما كانت أسرع كانت النتائج أفضل.

هذه المبادرة، الى جانب السرعة؛ تحتاج لعنصر الشجاعة لمواجهة قوى منافسة، واحياناً معادية تعد حضور الكلمة والموقف بمنزلة تهديد لمصالحها، مهما كان الحضور سلمياً ومشفوعاً بالمنطق والعقل والفطرة الانسانية، لذا نشهد على مرّ العصور شجاعة الموقف والتحدي أقوى تأثيراً من السلاح والمعركة في تحديد مصير الشعوب والأمم رغم الظهور الأكثر لشجاعة القتال على صفحات التاريخ بوجود أسماء لأبطال خاضوا معارك حق من أجل أهداف سامية، ثم إن البطولة في السيف والبندقية والطائرة النفاثة محصورة في عملها وحسب، بينما البطولة في الموقف تتحدد في اختبار عسير وإلا استحالت الى موقف الخذلان والهزيمة أمام ثقافة وافدة من الخارج او قرار سياسي من دولة قريبة او بعيدة. 

ولتأصيل الفكرة يجدر بنا الاسترشاد بسيرة الأئمة المعصومين، عليهم السلام، كما توجنا المقال بكلمات أمير المؤمنين، عليه السلام، وهو رائد منهج الردع أمام القوى الغاشمة، وقبله كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهو المنهج الذي يعكس رسالة السلم والأمن والفلاح للانسانية، فمنذ أن أغمض النبي عينيه ظهرت الضغائن الى العلن بعد أن كانت في الخفاء، فهي وإن عجزت عن محاربة التوحيد والنظام الاسلامي، فقد سعت بكل الوسائل لتزييف الدين و محاولة العبث بهذا النظام الحضاري المتكامل للحياة حتى كاد يتوهم الناس في تلك الأزمنة وحتى اليوم أن الحكام والأقوياء هم الذين يمثلون الدين، ولا وجود للدين الحقيقي الذي ضحى من أجله رسول الله والأئمة المعصومين بكل شجاعة وإقدام.

هنا نجد شجاعة المواجهة تحقق هدفين أساس في وقت واحد؛ الاول: الردع والمَنعة أمام القوى الغاشمة المتربصة بنا الدوائر، والثاني: ترسيخ القيم والمبادئ والمحافظة على روحها وحيويتها بين افراد الأمة، بمعنى أننا أمام استحقاق حضاري على صعيد الداخل وعلى صعيد الخارج، أحدهما يكمل الآخر. 

وهذا بالتحديد ما نلاحظه في سيرة حياة الأئمة المعصومين خلال قرنين من الزمن، وقد أكد العلماء والمؤرخين النجاح الباهر لعملية المواجهة الشجاعة والذكية في الإبقاء على الإسلام ديناً يواكب تطورات الزمن، ويحمل كل أسرار السعادة للانسان، كما نجحوا في ضرب حاجز فاصل بين الدين وبين ظلم وجور الحكام، وهذا تحديداً ما يجعلنا نقرأ حياة الأئمة الإثني في كتاب واحد، فلا اختلاف في المنهج والفكرة بين سيف أمير المؤمنين، وسجادة الامام زين العابدين، وبين قعود الإمام الحسن في هدنته، وقيام الامام الحسين في نهضته وحركته العسكرية، فهما "إمامان قاما أو قعدا"، يقول عنهم جدّهم المصطفى، صلى الله عليه وآله، وهكذا سائر الأئمة المعصومين، إنما الفارق في الظروف الاجتماعية والسياسية وما يتطلبه من تغيير الاسلوب للتعامل معها، ولا أدلّ على هذا من الموقف العدواني الموحد للحكام على طول الخط، رغم اختلاف تعامل الأئمة مع الاحداث.

هذا النمط من الشجاعة الذكية هو الذي جعل التشيّع دون سائر المذاهب الاسلامية صامداً بوجه العواصف، محتفظاَ بمصداقيته الدينية والعلمية بإقرار العديد من علماء الأمة ومفكريها، كما يحسب له الفضل في الإبقاء على روح الإسلام وقوانينه ونظمه وثقافته بين الأمة، رغم تعرضه أكثر من غيره من المذاهب، لمختلف أشكال المحاربة الفكرية والنفسية والجسدية منذ عهد معاوية وتشريع سبّ أمير المؤمنين على المنابر لسبعين سنة، ومروراً بالاجراءات القمعية من مطاردة واعتقال وتعذيب وإبادة جماعية على يد الحكام في الازمان المتعاقبة، ثم في الآونة الاخيرة؛ التكفير. 

من هذا الدرس التاريخي اقتبس علماء ومصلحون كُثر من تاريخ التشيع، القديم منه والحديث، الشجاعة في الموقف في سوح المواجهة على كافة الأصعدة، و سجلوا كلمة الحق بوجه الظلم والانحراف والبغي متجاهلين الثمن الباهض في سمعتهم وحياتهم وحتى أرواحهم، فعندما نتحدث عن الشجاعة والبطولة يعني أننا نتحدث عن التضحية بكل شيء في سبيل إعلاء كلمة الله، فيهون كل شيء دونه، ومن أبرز الأسماء البارزة في سوح المواجهة هذه؛ المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي الذي مرت قبل أيام ذكرى وفاته، فقد وطّن نفسه للمشقّة والضغوط النفسية والمادية لمواجهة الانحراف والظلم على الصعيد الاجتماعي والسياسي منذ بواكير نشاطه الرسالي في مطلع الستينات من القرن الماضي، وبالامكان مراجعة كتاب "وتلك الأيام"، من جملة كتب عديدة لنجد شواهد من تلك البطولات والمواقف الشجاعة على طريق الإصلاح والتغيير في حياة المجتمع العراقي آنذاك، علماً أنه كان يتطلع لأن تكون أفكاره الإصلاحية لجميع المسلمين، ولجميع أهل العالم لأنها افكار حضارية مستمدة من رسالة الإسلام الخالدة. 

اضف تعليق