اسئلة كثيرة يثيرها التدخل العسكري السافر في شمال العراق، وعلامات استفهام اكثر قد يحمل بعضها الجواب في حيثياته.. وقد يتعسر التوصل الى اجابة مقنعة للبعض الآخر.. فهل هي القراءة الخاطئة للاحداث.. أم قد يكون التعجل.. او سوء النية المبيتة وانعدام الثقة بالحلفاء، هي التي جعلت تركيا، وهي تقلب خياراتها المفصلية، تقرر التوغل في سياسة قد تكون اندفعت بها اكثر بكثير مما ينبغي..

فالسلطنة المأزومة بمعايشة الهلع الناجم عن المعطيات المتواترة المبشرة بانكماشها الى موقعها الطبيعي كدولة اقليمية تحصر طموحاتها ضمن حدودها ومشاكلها الداخلية.. وانسلال جميع اوراقها واستثماراتها السياسية والامنية الى ايدي اللاعبين الكبار، نجد انها تذهب بعيدا وراء احلامها وهي تحاول تسويق جر قواتها لعشرات الاميال في عمق الاراضي العراقية على انه كان بطلب من مسؤول عراقي بدرجة محافظ سابق.

فليست المرة الاولى، ولكنها قد تكون الاوضح، التي تفشل فيه تركيا الاردوغانية في طرح نفسها كدولة مسؤولة، وكل القدرات البلاغية اللافتة للسيد رئيس الوزراء داود اوغلو ومواهبه المتفردة في لي عنق الحقائق واعادة تشكيلها بما يخدم طروحات ورؤى ومصالح حكومته..يبدو انها لم تكن كافية هذه المرة في ابعاد الصورة التي تزداد رسوخا في اذهان المجتمع الدولي عن بلاده كدولة مؤزمة مؤرقة للامن والسلم الاقليمي..

فقد يكون من الصعب على المراقب توقع المدى الذي تستطيع فيه تركيا الابقاء على وضعها ضمن المنظومة الدولية وهي ترسم سياساتها الامنية والاقتصادية بناء على منظومة معقدة ومتشابكة من المصالح والعلاقات مع العديد التنظيمات الارهابية وشبكات النهب والتهريب في ممارسة اقرب الى تقنيات عصابات الجريمة المنظمة منها الى القانون الدولي ومبادئ الامم المتحدة وعلاقات حسن الجوار..

ويبدو انها نفسها بدأت تستمرأ سمعتها كدولة مارقة من خلال عدم العناية بالتمويه على مقاصدها الحقيقية من تفلتاتها التي تعبث بطول وعرض استقرار وامن المنطقة، ولا التغطية على تهديد وحدة دول الجوار وسلامة اراضيها من خلال دعم التنظيمات والاحزاب الخارجة عن القانون وممارسة عمليات النهب والسلب لخيرات ومقدرات الشعوب لإدامة وتمويل هذا الهدف الرخيص، مستغلة الخلل البنيوي في العلاقات بين دول المنطقة. والتجوع الخليجي المأزوم بمشروع اعادة استنساخ الـ"العضلة العمياء"التي كان يمثلها النظام العراقي السابق حتى ولو بالمجازفة بالتعايش مع الدور التركي المريب في تسليك اخونة المشهد العربي مما قد يشكل منطلقات لمزيد من التأزم في العلاقات المستقبلية بين دول المنطقة كجمهور وقوى شعبية..

مشكلة الدول المحكومة باحزاب الاسلام السياسي، وتركيا على الاخص، انها لا تستطيع العمل تحت الشمس وان تتحمل مسؤولية قراراتها.. وتحتاج دائما الى التعكز والاتكاء على قوى ومنظمات غير شرعية لتمرير متبنياتها وقراراتها وسياساتها تجاه الدول الاخرى المتقاطعة معها في المواقف.. والمشكلة الاعظم في انها تعتمد سياسة الحلول –او التعقيدات-مفتوحة النهايات انفتاح الصحراء القفر على الافق البعيد.. فهي تستمر في التحشيد وتكوين المحاور ونسج التحالفات بدون وجود استراتيجية واضحة وقابلة للاستيعاب والتطبيق ومن الممكن ان تحدد اهدافا مستقبلية لهذه السياسات..

على تركيا ان لا تراهن كثيرا على التغاضي الدولي على دورها المشبوه الذي لم يكن مقدرا له ان ينشط الا في ظل اختناقات سياسية قد تفقد محركاتها عند اي انعطافة سياسية تكاد تبدو معطياتها في الافق، كما ان الاتكاء على القراءة الاعلامية المضللة لوجود بعض التباين في رؤية العراقيين للدور التركي قد لا تكون مفيدة في ظل الاجماع الوطني في رفض التدخل الذي لم يشذ عنه الا الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يبدو انه اصبح وضع جميع بيضه -الطازج منه والفاسد- في السلة التركية، اضافة الى (الفوهرر) اثيل النجيفي، وميليشياته ونقشبندياته وتصريحاته التي لا تعدو اطار الصدى اللحظوي الاجوف.

ندعو -دون كثير من الامل- الى ان تكتب الحكمة خواتيم هذه الازمة، وان لا تترك تركيا خياراتها على غارب الاغراءات التي يوفرها منطق القوة وفرض الامر الواقع، فكلمة الايام قد سبقت بان الشعوب قد تمرض، وتضعف، ولكنها لا تموت.. وهي عادة من يكتب السطر الاخير.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2