حين يهبط الليل الأدهم.. يسارع الخطى الى سطح الدار.. يدثر كتفيه بوشاح أخضر!! رغم حرارة الجو.. إلا انه يمنحه برودة في الصيف ودفئا في الشتاء.. تحت قبة السماء ينزوي وحيدا.. يعتكف في صومعة الألم.. يراقب النجوم التي تومض من بعيد وتضيء عتمته السرمدية.. صارت عيناه لامعتين من كثرة النظر الى النجوم!! كان الليل أنيس وحشته وصديقه الكتوم وصندوق أسراره.. يبوح اليه بذكرياته واشواقه واحلامه ويشكو له حزنه الكبير الذي ضاق به جسمه الصغير.. اغرورقت عيناه بالدموع عندما لاحت له اكبر النجوم واشدها بريقا.. دائما ما كان مؤمنا بقول أبيه.. أن لكل انسان نجمة في السماء.. كبيرة بحجم منزلته.. مضيئة بقدر مكانته.. لكنها تهوي نيزكا عندما يموت صاحبها..

(ها هي نجمتك.. عزيزي أبي.. أجملهن واسطعهن على الاطلاق.. وهل هناك من هو أعظم منزلة من الشهيد !!لن تسقط نجمتك ابدا.. فالشهداء احياء عند ربهم يرزقون..).

مرت ذكريات الامس البعيد امامه كقطار سريع رجاه ان يتوقف قليلا عند أجمل محطات حياته.. عند بيتهم الدافئ القابع بين سعفات النخيل.. تعبق في ارجائه رائحة خبز امه الطيبة.. واحاديث اخته المرحة وضحكاتها التي تملأ المنزل.. وابيه الصلب الحنون الذي يجالسه ويحادثه كرجل منذ صغره وكأنه كان يعلم انه سيقع تحت مخالب الاسى.. مضى شريط ذكرياته ليقف هنيهة عند بداية رحلة احزانه..

عندما نظر له أبوه يوما بعينين خائفتين.. عزيزي ولدي.. وطننا ليس بخير.. جاء الغرباء ليسرقوه منا.. لكن هيهات ان يمروا من هنا الا على اجسادنا.. ادعو له فالله يستجيب لدعاء الصغار.. اعطته امي وشاحه الاخضر (المزور) في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء.. اشبع انفه برائحة الاطهار كأنه يودعهم في هذه الدنيا وعند الجنة امل اللقاء.. استشهد ابوه متوشحا بدمه.. وما اعجل ايادي الموت في خطف امه بعد ان انهكها المرض.. واخته رضيت بأول الطارقين ببابها خوفا من قسوة الدنيا على فتاة فقدت معيلها وحاميها..

وها هو ذا يقبع في دار لأيتام يشاطرونه الوحدة والغربة تتشابه حكاياتهم الأليمة ويجمعها اليتم القاسي..

رمق نجمة ابيه بنظرة وارتسمت ابتسامة في وجهه..

(ابي الغالي.. نلت اليوم درجة الامتياز في الرياضيات.. سأبقى على وعدي لك بأن اصبح في المستقبل مهندسا كبيرا.. سأعيد بناء وطني المهدم حجرا حجرا.. ووفاءا لأمي حفظت ثلاثة اجزاء من القرآن الكريم.. لطالما كانت تمني نفسها ان اكون حافظا للقرآن.. لا تعتبوا على اختي.. لا مكان لي في بيتهم الصغير فضلا عن صعوبة تحملهم تكاليف معيشتي).

كانت اخته قد وضعت اخاها الصغير في ملجأ لذوي الشهداء.. قبلت رأسه وأحاطت عنقه بـ (كل ما تبقى من رفات ابيه) وهو وشاح اخضر غسلته من الدم المتخثر.. اشاحت بوجهها خجلا من عيني اخيها الحائرتين وانصرفت تخفي دمعاتها المنسكبة.. كان قد تناهى الى سمعه ذات مرة ان جثة ابيه لم تعد كحال الكثير من جثث الشهداء.. انهمرت الدموع من عينيه.. شكا لله ظلم هؤلاء المجرمين عديمي الرحمة..

(لا بأس ان لم يكن لديك قبر.. فجدتي الزهراء ايضا لا قبر لديها.. في قلبي.. في اعمق زوايا قلبي.. بنيت لك قبرا بقرب ضريح سيدتي المذهب.. ازورك كلما ذكرت مصابها). تسلل النعاس الى روحه الحزينة.. رأى اباه في عالم الرؤيا.. كان اشد جمالا من اي وقت مضى.. همس في اذنه.. سيأتي غدا من يشعل شمعة في ظلماتك القاتمة!!

مع خيوط الفجر الاول استيقظ للصلاة.. على الرغم من صغر سنه.. لم يتركها يوما عملا بوصية ابيه الذي طالما صلى خلفه.. لم يفتأ طوال اليوم يفكر في حلم الغريب.. استدعاه مدير الملجأ.. لحظ عنده امرأة ورجل رآهم من قبل تكرارا.. يرنون اليه من بعيد.. كان ذكيا بما يكفي ليعلم انهم يريدون تبنيه.. مسح الرجل بيديه على رأسه وحضنته المرأة بحنان.. احس بالامان يتسرب الى روحه الخائفة.. سوف يصبح لديه بيت وعائلة لن تنسيه اباه وامه لكنهم سيخففون عنه الكثير الكثير من ألم الماضي وخوف المستقبل..

ألقى رفقائه نظرة الوداع على صديقهم وفي عيونهم بصيص أمل لشمعة تضيء حياتهم من جديد.. لبيت يحويهم بحنان.. يعوضهم حرمانهم عن آبائهم الذين قدموا ارواحهم رخيصة لأجل الوطن وتركوا اولادهم امانة بيد اهل الخير!.

انقر لاضافة تعليق
طالب داوري فريد
حقا انها قصة العراق الحزين ولن تنتهي حتى ظهور صاحب العصر والزمان
لكن الذي يثلج قلبي ان هناك تغيرا كبيرا
فالخذلان صفة قديمة
وبالوفاء والشهادة سوف نبني عراقنا الحبيب2015-10-30
hanan
احسنت كلام جميل وحزين2015-10-30

مواضيع ذات صلة

0