توظيف الإله يهوه ذاته باتجاه المصلحة الدنيوية الخالصة لشعب إسرائيل، فالغاية الفعلية في كل النبوات التوراتية كما تسعى السردية اليهودية الى ترسيخها هو حصول اليهود على أرض الميعاد وامتلاك تلك الجغرافيا الدينية بعد تصفية وإزاحة الجوهر التوحيدي فيها لصالح احتكار خاص لشعب إسرائيل لها ولا يشاركهم فيها الأغيار...

القدس تلك المدينة التي اكتنفت على سر من أسرار القداسة في الديانات التوحيدية ومنها اشتق اسم القدس، وكان بدء تاريخها المقدس وفق الروايات الإسلامية وقبلها اليهودية منذ ان قدم إليها النبي إبراهيم في سياحته الدائمة في نشر التوحيد في ذلك العالم القديم الذي أطبقت الوثنية على عقائد الأديان فيه، فكان عالما وثنيا كليا وبلا صوت في التوحيد، لقد كان صوت النبي إبراهيم هو الصوت الوحيد في التوحيد وكانت دعوته تفاجأ ذلك العالم وتصيبه بالذهول أمام عقيدة الإله الواحد الأحد، كانت أجواء ذلك العالم متخمة بالوثنية وبعبادة الكواكب وتأثير الكواكب في الحياة والوجود البشري فقد كان علم الفلك الذي بدا مزدهرا في ذلك العالم موظفا بشكل أساسي في علم التنجيم ومكاشفة المكتوب من القدر كما تزعم تلك الوثنيات القديمة.

بدا النبي إبراهيم وهو في سنوات الطفولة تثيره أسئلة الوجود وقد كان يرى تسلل الوثنية الى بيته، فقد كان عمه الذي تكفل تربيته صانعا للأوثان وتماثيل الآلهة وكان ينظر بازدراء الى تلك المهنة التي تخالف في مبادئها العقل وتخالف أحكام الفطرة السليمة، وهو ما دفعه أكثر للتمسك بأسئلة الوجود فاختبر الآلهة الوثنية وجعلها جذاذا إلا كبيرا لهم، فاكتشف عجز الآلهة عن القوة وعجز قومه الوثنيين عن الإجابة على أسئلة الوجود، فعكف باحثا عن الإله في السماء والكواكب فلم يجد إلهه الذي تقود إليه فطرته فعزم أنه لا يحب ولا يؤمن بالآفلين، فانقاد الى الله العلي العظيم الذي لا يأفل ولا يتجسد، فاستجاب الاله الواحد الأحد له ومنحه الرضا والوحي والنبوة في ذريته.

 فكانت القدس مجمع أولئك الأنبياء من ذرية النبي إبراهيم وموطأ أقدامهم، فكانت المدينة الوحيدة التي يعبد الله تعالى فيها وكانت بموازاتها الأرض الى الشرق منها التي يعبد الله تعالى فيها، وكان يعبد الله تعالى فيها النبي إسماعيل وأمه هاجر بصوت وحيد في البرية في مكة المكرمة ، وكان ذلك السر في وضع تلك المدينة وتلك الأرض في موضع القبلة باتجاه الله تعالى وفي تعاقب انتقالي في الصلاة التي يؤديها المؤمنون الموحدون، وقد كان تاريخ الأنبياء في القدس واتخاذها قبلة في أول أمر الإسلام توثق العلاقة بين القدس والإسلام، ثم جاءت واقعة الإسراء والمعراج لتؤكد أن العلاقة ليس مجرد رابط تاريخي وإنما هي علاقة المسجدية، تلك المسجدية التي توزعت على القدس وعلى مكة وكانت تؤسس لفكرة وعقيدة المسجد في الإسلام، فكانت واقعة الإسراء والمعراج تعبير عن تلك العلاقة الدينية بين مدينة القدس وأرض مكة، فأول اسم للمسجد أطلق على البيت الحرام في مكة وعلى الأقصى في القدس قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الإسراء:1.

لقد كانت عبادات ومناسك ومقامات النبي إبراهيم نماذج عليا للمؤمنين وسلوكيات عبادية للموحدين تنهج ذات النهج الذي اختطه النبي إبراهيم وذات المسالك في الوصول الى الله تعالى، وكانت تلك المقامات التي تمت فيها العبادات الإبراهيمية قد حفظت في الذاكرة الدينية في تلك المنطقة التي كانت تشكل العالم القديم، وفي تلك الجغرافيا الدينية والإيمانية يحدثنا دعاء السمات المروي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام عن التجليات الإلهية الكبرى للأنبياء والرسل فقد تجلى الله تعالى للنبي إبراهيم في ساعير وعلى جبل فاران– مكة المكرمة – وفي الخيف وفي طور سيناء وجبل حوريث تجلى الله تعالى للنبي موسى وفي بيت إيل تجلى الله تعالى الى النبي يعقوب وفي بئر شيع – سبع تجلى الله تعالى الى النبي إسحاق.

وهكذا تبدو الجغرافيا الدينية التوحيدية التي نمت واتسعت لتشمل جغرافيا العالم القديم بفضل الدعاة من النبيين والمرسلين والمؤمنين وتتشارك فيها الإشارة إليها النصوص المقدسة التوحيدية.

ولكن السردية اليهودية تنفي كل مشاركة للمؤمنين في تلك المدينة المقدسة وتحاول احتكار تاريخ المدينة الديني واحتكار الوعد الإلهي بإرثها الرباني للمؤمنين الموحدين، ولذلك خاضت حروبها الدينية مع المسيحية في التاريخ القديم وتخوض تلك الحروب الدينية الحديثة مع المسلمين في التاريخ الحديث.

وكانت من أبرز سمات السردية اليهودية هو التخلي عن الغاية التوحيدية وتوظيف الديانة اليهودية بل وتوظيف الإله يهوه ذاته باتجاه المصلحة الدنيوية الخالصة لشعب إسرائيل، فالغاية الفعلية في كل النبوات التوراتية كما تسعى السردية اليهودية الى ترسيخها هو حصول اليهود على أرض الميعاد وامتلاك تلك الجغرافيا الدينية بعد تصفية وإزاحة الجوهر التوحيدي فيها لصالح احتكار خاص لشعب إسرائيل لها ولا يشاركهم فيها الأغيار من الأمم والشعوب الأخرى لا سيما الفلسطينيين سكان الأرض الأصليين.

وهو ما يشرحه سفر العدد من التوراة في تلك السردية التوظيفية يقول سفر العدد (وكلم الرب موسى قائلا: أوص بني إسرائيل وقل لهم أنكم داخلون الى أرض كنعان هذه الأرض التي تقع لكم نصيبا أرض كنعان بتخومها) سفر العدد:3:1، ويختم سفر العدد تلك الوصية المزعومة بتذكير اليهود بأن (هذه تكون لكم الأرض بتخومها حواليها) العدد:13:1، إن النص التوراتي ذاته يعترف ويقرر أن الأرض الممنوحة في الزعم اليهودي الى شعب إسرائيل هي أرض شعب كنعان وهو من شعوب العالم القديم الذي استطاع أن يؤسس دول وحضارات على امتداد منطقة شرق البحر المتوسط، وكان دخولهم بل ودخول كل مدينة استباحوها وفق تلك السردية مليئا بالدم والقتل والحروب وهكذا كانت وصية يهوه الى بني إسرائيل (حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فان أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وان لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك) - سفر التثنية 20 :15،14،13،12،11،10-

وقد نجحت تلك السردية الدموية والكثيفة الحضور في التوراة في ضخ الكراهية والقسوة والنقمة في الشخصية اليهودية وجعلت منها غير ميّالة الى السلم والى العفو، ولذلك لا نجد أثرا لمعاهدات السلام أو حتى الدعوات الى السلام أو العفو في السرديات اليهودية التوراتية العقائدية والتلمودية الشرائعية، وهي العناصر المؤسسة التي تستند إليها الرؤية الأيديولوجية والاستراتيجية السياسية للدولة اليهودية في إسرائيل في إدارة الحروب مع العرب والمسلمين، وتفسر أيضا تلك العناصر المؤسسة استلهامات نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في عدوانيته المفرطة تجاه شعب فلسطين واطلاق اسم "السيوف الحديدية" في استحضار واضح لذكرى "سيف داوود" التوراتي على عمليته الأخيرة في محاولة إبادة شعب غزة، وقد ذكر هذا الاستلهام التوراتي والعدواني نصا في مؤتمره الصحفي مع وزير خارجية أميركا في تل أبيب وهو يكشف عن الضخ التوراتي نحو الكراهية والعدوانية والحروب في الشخصية اليهودية لا سيما الصهيونية منها.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2023 
http://shrsc.com

 

 

اضف تعليق