لا نعتقد أن المرء البصير الخبير، بحاجة لكثير من العناء والمشقة، عند القيام بعمليات البحث والتحليل والتركيب، ليكتشف أن هذا المجتمع أو ذاك، متخلفاً من الناحية السياسية، بمعنى أن الشرائح والأحزاب التي تسعى للوصول إلى السلطة أو التي هي في الحكم، تكون درجة مستواها الفكري العام، وأدوات عملها واتجاهات نشاطاتها في ميدان الحياة السياسية، متأخراً، قاصراً، مضطرباً، منحرفاً عن الوجهة الصحيحة السليمة، التي تظهر عادة في جوانب عديدة. لكننا هنا سنبين جانبين منها، نظراً لأهميتهما، أحدهما فني تقني تنظيمي، عند مقارنته مع قواعد الحياة السياسية الديمقراطية في البلدان المتحضرة العريقة.

أما الجانب الآخر، فيرتبط بمدى الالتزام بمبادئ الدين والأخلاق وقيم الخير والفضيلة أثناء العمل السياسي. لكن القضية المحزنة المؤسفة، هي أن تلك الشرائح والأحزاب لا تعترف بتخلفها وتصرّ في السير على نهجها اعتقاداً منها، أنه الاتجاه الصحيح.

نظرة سريعة لمضامين الجانب الأول، وهو ضعف القوانين والتشريعات وتطبيقاتها، إذ نجد أن أحد أهم أركان الحياة السياسية، إضافة إلى قانون الانتخابات، هو قانون التنظيم الحزبي. هذا القانون أما يكون غائباً، أو ضعيفاً، أو تطبيقاته ناقصة. فالحياة السياسية إذا لم تؤسس على تنظيم حزبي صحيح، وإذا لم تقم على قانون انتخابي مستمد من استعداد المجتمع للمبدأ الديمقراطي، فإن هذه الحياة ستكون فاشلة خاسرة، مدعاة للخراب بدلاً من الإصلاح والتطوير.

ويتجلى غياب قانون الأحزاب أو ضعف تطبيقه، في تلك الفوضى والضبابية في تمويل الأحزاب والاثراء الواضح في ممتلكاتهم من مبان وقنوات فضائية. كما تتجلى في الطابع العائلي الوراثي أو العشائري أو الزعيم الفرد في قيادة هذه الأحزاب مدى الحياة. ومن مضامين الجانب الأول في المجتمع المتخلف سياسياً، هو ذلك التداخل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

نذكر على سبيل المثال حين تقوم السلطة التشريعية بالتحقيق وتوجيه التهم في مختلف القضايا، فإنها تبتعد عن وظيفتها الأصلية وتتداخل مع وظيفة السلطة القضائية. ومن مضامين الجانب الأول أيضاً هي الصعوبات والتعقيدات المتكررة في أسس تشكيل الحكومات، إذ ليس هناك قواعد ثابتة متفق عليها. لذلك نجد أن مبدأ الحكومة الائتلافية هو الطاغي في هذا المجال، وهو أمر لا عيب فيه، بشرط أن يقوم الاتفاق على برنامج واحد وخطط عمليه قابلة للتنفيذ، لا أن تكون لكل كتلة في الحكومة برنامجها الخاص بها، الذي يختلف عن برامج الكتل الأخرى.

أما الجانب الآخر من التخلف السياسي فهو ضعف العلاقة بين السياسة والأخلاق. إذ نجد هذه العلاقة في أغلب الأحوال غير متوازنة، ضعيفة، أو غائبة. والأخلاق التي نقصدها هي التي تقوم على مبادئ الدين الحنيف، وعلى قيم الفضيلة والخير. وتعد قضية العلاقة بين الأخلاق والسياسة وما تتضمنها من وسائل وغايات، من أشهر القضايا التي شغلت المفكرين والباحثين، بسبب طول الفترة الزمنية التي استغرقها النقاش والجدل في طبيعتها، وبسبب أن التجربة التاريخية العملية أظهرت أن الكثير من السياسيين يتصرفون بطريقة تنحرف عن السلوك الأخلاقي العام. لذلك نجد أن الفعل المحظور أو المكروه أخلاقياً، يكون مباحاً في السياسة.

من أسباب ذلك أن الأخلاق تقوم بتنظيم سلوك الناس في كافة ميادين الحياة العامة، بينما السياسة هي ميدان المنفعة والمال والمفاوضات والمساومات والصراعات والتنافس والتناحر، غايتها الوصول للسلطة والحصول على المناصب والنفوذ والإثراء والبحث عن المكاسب الذاتية على حساب الآخرين. كذلك السعي المحموم وراء الشهرة والزعامة.

وعلى هذا الأساس فالسياسي يبذل قصارى جهده في سبيل أن يتغلب على الآخر ويطغى عليه بأي وسيلة كانت. وفلسفته في حل الخلافات مع خصمه هي بفرض وجهة نظره عليه بالقسر والإكراه. لذلك فإن قسماً كبيراً من السياسيين يحقق هذه الأهداف بوسائل غير نبيلة، غير أخلاقية، كل شيء جائز عندهم، إذا كان يؤدي إلى نتائج مرغوبة، فهم ليسوا بحاجة إلى احترام المبادئ الأخلاقية إلا في أقل القليل. الأمثلة عديدة جداً عن هذه الوسائل الخبيثة، نذكر منها: النفاق، الرياء، المداهنة، المصانعة، التملق، الخداع، الغش، الكذب، الحيلة، الغدر، الخيانة،

استغلال الآخرين. ومما يساعد في نجاح هؤء السياسيين في استخدامهم لهذه الوسائل الفاسدة، هي امتلاكهم (أو هناك من يساعدهم في ذلك) قدرات عقلية وفطنة ودهاء، لذلك تتحول القيم إلى أضدادها أو تحريفها وتتبدل المقاييس والأحكام، فيصبح الحق، مثلاً، باطلاً، والباطل حقاً، والغدر حسن تدبير.

من الأمثلة الشائعة على هذا السلوك غير الأخلاقي، والإنحطاط الروحي هو ازدواجية السلوك والمعايير. بمعنى تناقض السلوك الأخلاقي، أي عندما يضطر أو حتى لايضطر، الإنسان إلى القيام بفعل في الحياة العملية، يناقض ما يريد أن يفعله ويرغب فيه داخل نفسه. هذا هو الإزدواج الداخلي والانفصال بين النوايا الطيبة والأفعال السيئة، الذي يمثل النفاق والرياء والزيف على الصعيد السياسي والإجتماعي. يتضح هذا السلوك في صور عديدة منها، الإنفصال والقطيعة بين القول والفعل، المواقف الحيادية بين الحق والباطل، الأنانية والمصالح الذاتية، تبدل السلوك حسب المواقف والظروف.

يتجلى الإنفصال بين القول والفعل بمظاهر غير واحدة، منها اللفظية والخطابية، وتعني الإفراط في الكلام والمبالغة وزيادة التأكيد وكثرة التكرار والضجيج الإعلامي، إذا قوبلت بالعمل والحقائق الواقعية، كما تعني ترديد شعارات نظرية أو ما يسمى "المتاجرة بالمجردات" مثل العدالة والحقيقة، حسب قول توماس مور في كتاب نهاية اليوتيبيا.

وكأمثلة على ما أوردناه، نذكر كيف تتبدل عقلية المرشح وأخلاقه أثناء الانتخابات. فإذا كان مترفعاً متكبراً نزل من برجه ليجالس أبسط ناخب ويداري أصغر إنسان، وإذا كان مقتـّراً بخيلاً انقلب إلى كريم يقيم والولائم والحفلات، وإذا كان أنانياً محباً لذاته انقلب إلى فاعل خير يلبي خدمات الناس ويساعدهم على قضاء حاجاتهم ويحل مشاكلهم المعقدة، وإذا مشى راح يوزع ابتساماته على الناس. فضلاً عن ذلك تراه يتكلم عن المسؤولية والواجب الوطني، والتضحية في سبيل المجموع، والاحتكام للعدل والإنصاف. وكل ما يبتغيه من ذلك هو أن يكسب أصوات الناخبين فحسب. لكن بعد أن يفوز أو حتى لا يفوز في الانتخابات تتغير أخلاقه وسلوكه، حتى نجده، على سبيل المثال، يغيب ويتقاعس عن حضور جلسات المجالس الرسمية، أضف إلى ذلك يبتعد عن هموم الناس ومشاكلهم.

بمقابل ذلك نلاحظ كيف يتصرف قسم من السياسيين حين يرى مثلاً أن الرأي العام والمظاهرات تطالب بالقضاء على الفساد والمفسدين، عندئذ ٍ يتسابق في مماشاتهم ومسايرتهم واسترضائهم، كأنه لم يحس بوجود الفساد إلا بعد أن قامت المظاهرات. ومن المظاهر المؤلمة التي نلاحظها في السلوك غير الأخلاقي، هو ذلك التجاهل والإهمال وعدم الإكتراث باهالي ضحايا الإنفجارات، فلا أحد يتابع حاجاتهم ومعاملاتهم المترتبة على نيل حقوقهم، ومن المؤسف حتى تلك القنوات الفضائية الملتزمة تسلك السلوك ذاته، لا بل تراها منشغلة بأخبار الرياضة والمسابقات وغيرها.

ومن الأمثلة الأخرى، هي المواقف الحيادية، بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، التي يتخذها قسم من السياسيين. إنهم في الواقع يستطيعون التعرف على الموقف الصحيح، لكنهم لا يرغبوا أن يلتزموا بأي من هذين المسارين لذلك يلجأون إلى ما يسمى بالموقف الحيادي أو سياسة الترضية. السبب في ذلك يكمن في رغبتهم المحافظة على مصالحهم ووجودهم، لكن موقفهم هذا سيكون عملياً ضد الحق والصواب، تعود فائدته في النهاية لصالح الباطل. على سبيل المثال حين لا تتجرأ إحدى القنوات الفضائية بالقيام بوصف حقيقي للحرب على اليمن، فإنها تقول " التدخل الخارجي في اليمن"، إذ تتحاشى ذكر لما تقوم به السعودية وحلفاءها من حرب على اليمن. مثال آخر تظهر به ازدواجية المعايير والسلوك غير الأخلاقي، هو عندما تذكر قنوات عديدة أخبار الحرب في سوريا واليمن. عن سوريا تقول: "أن طائرات النظام السوري تقتل الأطفال والمدنيين"، بينما تقول عن اليمن:" أن طائرات التحالف العربي تقتل الحوثيين". كأن طائرات التحالف العربي لا تقتل الأطفال والمدنيين، لأنها تميز بين من هو حوثي أو غير حوثي.

* باحث وأكاديمي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1