تتقوم الكتابة بالمعرفة وجودا وعدما، وذلك من جهة أن المعرفة هي التي تقف وراء ظهور الكتابة من العدم إلى الوجود، فوجود الكتابة هو من وجود المعرفة، ومتى ما وجدت المعرفة وجدت الكتابة، ومتى ما غابت المعرفة غابت الكتابة، والكتابة التي تتقوم بالمعرفة تكتسب صفة الوجود، والكتابة التي لا تتقوم بالمعرفة تكتسب صفة العدم، بمعنى أن المعرفة إذا وجدت وجدت الحاجة إلى الكتابة، وإذا انعدمت المعرفة انعدمت الحاجة إلى الكتابة.

ويقترب من هذا المعنى، ما ورد في سورة العلق في قوله تعالى (اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم)، فالقراءة تسبق القلم، بمعنى أن المعرفة تسبق الكتابة.

وتتقوم الكتابة بالمعرفة كذلك بقاء وفناء، وذلك من جهة أن المعرفة هي التي تعطي الكتابة صفة الديمومة والتأثير، فبقاء الكتابة من بقاء المعرفة، وفناء الكتابة من فناء المعرفة، بمعنى أن الكتابة التي احتوت على معرفة، فإن بقاء هذه الكتابة وفناءها يتوقف على بقاء المعرفة وفنائها، فالمعرفة التي حافظت على صفة الثبات، ولم تغير وتبدل فيها حقائق العلم أو الحقائق العلمية، فإن هذه المعرفة تعطي الكتابة صفة البقاء، أما المعرفة التي لم تحافظ على صفة الثبات، وتغير موقف العلم والحقائق العلمية منها، فإن هذا التغير يسلب من الكتابة صفة البقاء.

وعلاقة الكتابة بالمعرفة لها صور عدة، ما بين إنتاج المعرفة وهي أعلى درجات العلاقة، أو إشاعة المعرفة وتعميمها، أو تهذيب المعرفة وتحسينها، إلى غير ذلك من صور أخرى.

والشرط الأساسي هو أن ترتبط الكتابة بالمعرفة، بأي صورة كانت، وبأي درجة كانت، وأن تظل هذه الرابطة قائمة ومستمرة، فاعلة ومؤثرة، ومن هذه الرابطة تتولد ثمرة الكتابة، وذلك باعتبار أن المعرفة بأحد صورها ووجوهها ودرجتها هي ثمرة الكتابة، وهي التي تظهر هذه الثمرة في الكتابة.

ومن النصوص البديعة التي وصلتنا من تراث أدبنا العربي، وتشرح صور علاقة الكتابة بالمعرفة، النص الذي ذكره الشيخ عبدالباسط العلموي المتوفى في دمشق سنة (981هـ/1573م) في كتابه: (المعيد في أدب المفيد والمستفيد)، بقوله: ذكر البعض أن رتب التأليف سبع: استخراج ما لم يسبق إلى استخراجه، وناقص في الوضع يتمم نقصه، وخطأ يصحح الحكم فيه، ومستغلق بإجحاف الاختصار يشرح أو يتمم بما يوضح استغلاقه، وطويل يبدد الذهن طوله يختصر من غير إغلاق ولا حذف لما يخل حذفه بغرض المصنف الأول، ومتفرق يجمع أشتات تبدده على أسلوب صحيح قريب، ومنثور غير مرتب يرتب ترتيبا يشهد صحيح النظر إنه أولى في تقريب العلم للمتعلمين من الذي تقدم في حسن وضعه وترتيبه وتبويبه.

وهناك من قال: لا ينبغي لمصنف يتصدى إلى تصنيف أن يعدل إلى غير صنفين، إما أن يخترع معنى، أو يبتدع وضعا ومبنى، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد للورق، والتحلي بحلية السرق.

هذه هي الروح العلمية والاجتهادية التي نحتاجها اليوم لتجديد وتطوير علاقتنا بالمعرفة، ولتحويل كتاباتنا إلى كتابات منتجة للمعرفة، أو متصلة بصورة من الصور مع المعرفة، ولنقد ورفض تلك الكتابات الخالية من المعرفة، أو البعيدة كل البعد عن المعرفة، أو التي لا تواكب المعرفة وتطورها، ولا تتواصل معها، فما أكثر الكتابات التي لا تحترم المعرفة، وما أكثر الكتابات التي لا تمت إلى المعرفة بصلة.

وتتأكد الحاجة لهذه الروح العلمية والاجتهادية، في ظل ما تشهده المعرفة في عالم اليوم من تطور متسارع، وتراكم مذهل، وانتشار غير مسبوق، ولأول مرة يحصل في التاريخ الإنساني هذا النمط من التطور والتراكم والتحول في حال المعرفة التي وصفت تارة بالثورة، وتارة بالانفجار، في دلالة على تغير حال المعرفة في هذا العصر.

* الأستاذ زكي الميلاد، باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة-رئيس تحرير مجلة الكلمة
http://www.almilad.org

اضف تعليق