هل تعلم أن نصف سكان الكرة الأرضية محرومون من نعمة (المراحيض) أو دورات المياه النظيفة؟!.. الأمم المتحدة خصصت يوم 19 تشرين الثاني من كل عام لطرح هذه القضية التي تتعلق بحياة كل إنسان! هذه المناسبة الدولية ذكرتني بمقالة سبق أن نشرتها حول الموضوع نفسه قبل عدة اعوام أعترف ان هذا قد يكون أسوأ موضوع، كتبته في حياتي!!

سوف أثير ظاهرة قد تبدو للكثيرين مخجلة، لأنها جزء من المسكوت عنه، وقد تعودنا في حياتنا- مع الأسف- أن يكون المُخبّأ أهم من المُعلَن، ولكن المصارحة من أجل الحقيقة تحتاج إلى نوع من الجرأة وعدم المجاملة، فمن المعروف أن نظافة البيت تقاس من خلال مكانين، أولهما المطبخ، وثانيهما المرافق الصحية، وهناك اهتمام واضح من قبل الأسرة العراقية بمراعاة شروط النظافة والصحة في المرافق الصحية، التي تسمى (بيت الراحة) أو (التواليت) أو(الحمّام) وكلها تسميات تشير إلى أن هذا الجزء من البيت يمثل بداية النظافة ونهاية المرض!

ولكن يبدو أن سلوك أكثر الناس في داخل بيوتهم يختلف عن خارجها، وبخاصة فيما يتعلق بالنظافة والصحة، ومن المؤسف أن أقول أن قوانين النظافة الصارمة في داخل البيت تصبح ملغاة في الشارع وفي الدائرة وفي المستشفى وفي المدرسة وفي الجامعة، وهذه الحقيقة الصادمة نعيشها يومياً، عندما يضطر أحدنا إلى استعمال مرافق صحية عامة، فقد كنت قبل أيام في زيارة إلى إحدى الجامعات القريبة من بغداد، وعند وصولي إلى رئاسة الجامعة، بعد رحلة استغرقت نحو ساعتين، استأذنت بعض الموظفين هناك لاستعمال المرافق الصحية، التي لا تبعد سوى أمتار قليلة عن مكتب رئيس الجامعة، فصدمني منظر مقرف لا يمكن وصفه، وعدت مشمئزاً، دون أن استطيع قضاء حاجتي، في تلك المغارة المظلمة الطافحة بالمياه الآسنة والروائح الكريهة وأعقاب السكائر والمناديل الورقية.

فقلت لأحد الزملاء: إذا كانت النظافة معدومة تماماً هنا، أمام مرأى ومسمع المسؤولين، فما هو مستواها في الكليات والأقسام البعيدة، وما هو حال الأساتذة والطلبة الذين يضطرون لاستخدام تلك الأماكن؟!

وفي مثال آخر شكى أحد الأصدقاء من عزوف ابنته الصغيرة عن الذهاب إلى المدرسة، وغيابها المتكرر، وبعد إلحاح والدتها لمعرفة الأسباب، انخرطت الطفلة الصغيرة في نوبة من البكاء الهستيري، لتعلن أنها لا تريد الذهاب إلى المدرسة لأن المرافق الصحية في تلك المدرسة لا يتوفر فيها ماء نظيف ودافيء مثل الماء الموجود في بيت الأسرة! وفي مطاعم المسافرين على الطرق الخارجية، وفي محطات وقوف السيارات (الكراجات) تواجه المرء مناظر مفزعة من القذارة، وغياب الرقابة على النظافة، وهو ما جعل تلك الأماكن مصدراً لانتقال الأمراض المعدية الخطرة.

في أغلب المستشفيات العامة والخاصة تتكرر هذه الظاهرة، فهناك إهمال واضح للمرافق الصحية، حيث تتضاعف مخاطر انتقال الأمراض، بسبب تلوث تلك الأماكن وعدم معالجتها بالمواد المطهرة، وقد زرت، قبل أسابيع، أحد أقربائي الذي كان راقداً في أحد المستشفيات الكبيرة، وسط بغداد، فوجدت حشوداً من الصراصير والديدان تزحف ليلاً من فتحات أنابيب المجاري، وتجتاح الممرات والردهات وغرف العمليات، فشعرت بالرعب، ووليت هاربا!

أقترح على كل مسؤول يزور إحدى المؤسسات العامة أن يلقي نظرة على المرافق الصحية، قبل أن يتوجه إلى مكتب مدير الدائرة، لكي يعرف مواهب ذلك المدير وقدراته الإدارية واضحة للعيان، تملأ السمع والبصر والأنف.. والكثيرون من حوله يمسكون بطونهم المنفوخة بصعوبة، ويصفقون ويرقصون ويغنون.. آآآه منك يا ظالمني، وفي بيت الرا.. هههه حابسني!!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق