لم يكن من السهل على الولايات المتحدة الأمريكية إدارة الحرب على تنظيم داعش في العراق وسوريا من دون الأخذ بعين الإعتبار مكانة سوريا في نظام توازنات القوى الإقليمية، إذ أن وجود نظام بشار الأسد يعني إستمرار مكانة إيران المحورية في صياغة المعادلات الإقليمية خصوصاً تجاه التهديد الإسرائيلي.

ورغم تشابه الهدف بين الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين والدوليين بضرورة إزاحة نظام بشار الأسد عن الحكم في سوريا، إلا إن تباين شكل هذه الإزاحة ظل مسيطراً على ذهنية الحلفاء لاسيما بعد تمدد تنظيم داعش في العراق ومحاولته في صياغة فرص جديدة في المملكة العربية السعودية وليبيا، مما يعني أن تنظيم داعش سوف يحتل مكانة القاعدة في جميع المناطق التي يتواجد فيها، أو يدخل في صراعات جديدة مع الحركات والتنظيمات السلفية الجهادية بسبب رغبته في إنضمامها إليه كالحالة في سوريا مع جبهة النصرة والتي تمثل أحد فرع القاعدة في سوريا.

ومع إبرام مجموعة (5+1) وإيران الإتفاق النووي، أصبحت إتجاهات التوازن الإقليمي تفترض مقدمات جديدة تستهدف التغيير في الأدوار الإقليمية خصوصاً فيما يتعلق بوضع المملكة العربية السعودية التي ركزت على إبراز البعد الطائفي والمذهبي في سلوكها حيال خيارات الإقليمية، علاوةً على أنها كانت تسعى إلى عدم الوصول إلى إتفاق نووي بين الغرب وإيران لتتمكن من الإستمرار في فرض مكانتها الإقليمية في الشرق الأوسط.

ومن هذه الزاوية حاولت السعودية إستفزاز إيران عبر قرار الحرب على الحوثيين في اليمن، غير إن إدارة إيران هذا المعطى بنوع من الصبر والتكتيك، جعل السعودية تفقد العديد من ميزات الصراع لتتحول الدائرة إلى طرف إقليمي جديد، حيث ساعد الإتفاق النووي الإيراني إلى عودة الدور التركي من جديد إلى المنطقة وإن كان بنحو مختلف من حيث الصياغات الإستراتيجية عن شكله السابق.

ويبدو إن التنسيق التركي – الأمريكي الذي تم الترتيب له قبل أقل من عام والهادف إلى تدريب مايعرف بالمعارضة المعتدلة هو الذي أخذ يحتل مكانة الصدارة في خيارات حسم الملف السوري بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان للإتفاق النووي الإيراني دور في إستبعاد خيارات التطرف والبحث عن منافذ جديدة لإدارة الفوضى في المنطقة تساهم في بلوغ التوافق بدلاً من فرض السيطرة.

وبعد الإتفاق النووي بين الغرب وإيران بأيام سارعت الولايات المتحدة الأمريكية بالإعلان رسمياً عن توفير غطاء جوي لأفراد قوة سوريا الجديدة، وهي مجموعة من المقاتلين الذين حصلوا على التدريب والتجهيز من قبل الولايات المتحدة في تركيا، حيث تكفلت الولايات المتحدة بتوفير الغطاء الجوي لهؤلاء الأفراد من تهديد داعش أو نظام بشار الأسد، مما سوف يعطيهم مكانة متميزة في الصراع القادم بسوريا بشكل كبير، خصوصاً إذا ما تم الربط بين هذه المجموعة كمتغير في الصراع مع المنطقة الآمنة التي تستهدفها تركيا، مما يعني إن إتجاهات التوازن الجديد في سوريا سوف لن تكون بصالح المجاميع العشوائية غير المنضبطة كالحال مع داعش إنما سوف تكون أكثر ميلاً بإتجاه الفصائل الأكثر سيطرة في هذا الصراع.

إن إدارة التوازنات الإقليمية في المنطقة تتجه نحو الإحلال والمبادلة في الوقت ذاته، فالولايات المتحدة مازالت لم تركز على حليف مناسب يمكنه الإدارة بالوكالة بصفة إستراتيجية، ولعل السبب في ذلك يرتبط بطبيعة التعقيد المذهبي التي تعيشه المنطقة، فضلاً عن حركة الجماعات الإجتماعية داخل الأقاليم الوطنية، التي لم تستقر هي الأخرى بسبب إنتقالات التهديد وعدم إستقراره، وبالتالي فإن الميل في حسابات التوازن سوف لن تستقر إلا بإستقرار مصادر التهديد أو السيطرة عليها.

ومن هذا المعطى فإن تركيا سوف تتحول بموجب مستلزمات التفكير الإستراتيجي إلى مركز الإدارة، من خلال ضبط دور الجماعات المقاتلة الجديدة في سوريا، فضلاً عن تغيير مسارها الإستراتيجي تجاه حزب العمال الكردستاني بالميل نحو القوة العسكرية بدلاً من الحوار الذي كان في السابق يمثل أحد مستلزمات تصفير المشكلات بحسب العمق الإستراتيجي التركي، فالوضع الجديد سوف يجبر تركيا على تقديم تنازلات حيوية للمشاركة في الترتيبات الجديدة، وإلا فأنها سوف تكون بمعزل عن أي دور فيها.

ووفقاً لذلك، سوف يعزز التبدل التركي في الدور والصيغة من منحى التفاعلات في المنطقة، لاسيما مايخص سوريا، التي مازالت تشكل الحجر الأساسي في ترتيبات المنطقة، فسوريا لغاية اللحظة تشكل منطقة عازلة بمنطق توازنات القوى وحسم إتجاهها المستقبلي هو الذي سوف يحدد كفة الرابح في الصراع، وهذا ماقد يطول بسبب طبيعة الأطراف المتصارعة في هذا الشأن لاسيما الأطراف الدولية التي تعتقد بأن ورقة سوريا هي التي سوف تتكفل بتحديد مكانتها في الشرق الأوسط.

إن وصول الخيارات مع إيران في البرنامج النووي إلى طريق جديد سوف يساعد في ترجيح خيارات التوافق على حسابات اللعبة الصفرية، فعلى الرغم من أن إيران لن تقبل بخيارات الخسارة في سوريا ولن تتعامل مع الواقع في سوريا كما تعاملت بنوع من الصبر في موضوع اليمن، إلا أن خيارات التوافق لاتزال قابلة للنقاش، لاسيما وأن إيران تشعر بأن بعض ملامح التغيير في المشهد الإقليمي بدأت تظهر في أجواء المنطقة، إذ أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" إلى مصر والمشاورات التي جرت بين الولايات المتحدة وقطر تساهم في تلطيف أجواء الصراع من خلال تقديم ضمانات أمنية أكبر، وهذا من شأنه أن يدير شكل الصراع من التطرف المذهبي إلى التوافق المشروط.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0