لقد عايشنا انتفاضة جماهيرية خلال الأسابيع المنصرمة لم نواجه مثيلا لها عبر نصف القرن الماضي وقد اكتسبت أهميتها ليس بسبب الحشود الجماهيرية التي ساهمت فيها مختلف فئات شعبنا، بل في عمق الشعارات المرفوعة وجرأتها وشموليتها لكثير من جوانب الحياة العراقية. وتميز المزاج الجماهيري بوعي وشعور عال بالمسئولية فلم تكن الشعارات المرفوعة عدائية تجاه السلطة وقادتها وإن عبرت عن نقد صريح للسياسات الاقتصادية والفساد الاداري وسوء استخدام الموارد المالية والتهاون في محاسبة المسئولين السابقين والحالين عن الهدر الواضح في المال العام وغير ذلك.

وقد تحلت الجماهير بانضباط مسئول بنفس الوقت الذي اتخذ رجال الأمن موقفا محايدا تجاه التظاهرة بناء على تعليمات صدرت لهم على ما يبدو من السلطات العليا وهو موقف يؤمل أن تتحلى به مستقبلا مع أي تحرك جماهيري مطلبي مماثل. وما يبعث على التفاؤل الاستجابة الفورية من جانب رئيس الحكومة للنظر في المطالب الجماهيرية واصداره وثيقة بالاصلاحات التي سيقوم بها وفق الامكانات المتاحة له كما قيل. التعامل الإيجابي من جانب الحكومة مع المطالب الشعبية يسجل تجربة أولى على الطريق الصحيح في العلاقة بين السلطة والشعب.

لقد قالت الجماهير كلمتها فكان الرد الحكومي ايجابيا، لكن ما هو أهم أن تفي الحكومة بوعودها وتلتزم بوثيقة الاصلاحات وأن يبقى استعداد الجماهير حيا للخروج الى الشارع مرة أخرى في حالة تخلت الحكومة عن التزاماتها. ومن أجل ضمان ذلك سيكون ضروريا تشكيل هيئة من ممثلي التظاهرات تأخذ على عاتقها الاتصال بالقيادة الحكومية أو من يمثلها لمتابعة والاطلاع على ما يتحقق من بنود وثيقة الاصلاح من جانب، ومن جانب آخر البقاء على صلة بالجماهير لتكون على بينة بأن جهدها الجمعي لم يذهب سدا وان السلطة الحكومية ملتزمة بوعودها. يقظة هيئة ممثلي الجماهير سيضمن تحقيق الأهم والمهم من الأهداف مقابل الهامشي لا العكس. وبالتأكيد ستعمل الخلايا الفاسدة داخل المؤسسات الحكومية على تهميش الجهد الجماهيري والعمل بكل السبل لإضاعة الوقت لتعطيل عملية التغيير لحماية مصالحها المتمثلة في بقاء الفساد وتفشيه وحماية رجالها داخل الأجهزة وبث اليأس في نفوس الناس مع مرور الوقت سيرا على مقولة " اللي فات مات ".

لكن من يضمن صمود رئيس الحكومة العبادي أمام ضغوط معارضي وثيقة الاصلاح وتراجعه عن بعض بنودها؟ بالطبع لا أحد يضمن ذلك، بل هناك احتمال ان يتراجع نتيجة لضغوط أقطاب الفساد المحيطين به وحتى لا يحصل ذلك يطلب من هيئة ممثلي الجماهير البقاء يقظة وعلى صلة وثيقة بالجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام المختلفة والدعوة لتظاهرة شعبية أخرى لدعم مشروع الاصلاح والاصرار على السير به رغم المصاعب حتى النهاية.

وسيكون من المفيد هنا التذكير بأهم المطالب الشعبية وضرورة احراز التقدم في مجال تنفيذها :

1- تعديل الدستور وهو مطلب أساسي لا يقبل التأجيل، وقد سبق وطرح على مجلس النواب والحكومات المتعاقبة السابقة وخاصة أثناء وزارة المالكي الأولى وهناك لجنة مكلفة بهذه المهمة لكنها شبه عاطلة وربما جرى تعطيلها بتعمد. ويفضل تشكيل لجنة جديدة بديلة مستقلة تماما عن الحكومة وعن الكتل السياسية تتألف من القانونيين العراقيين والعرب من مصر وتونس وخبراء من الأمم المتحدة من ذوي الاختصاص والخبرة لوضع مشروع دستور عراقي جديد يساير العصر. فدستورنا الحالي مليء بالثغرات التي عززت الانقسام داخل المجتمع العراقي.

2- مكافحة الفساد في مختلف مؤسسات الدولة وبالأخص في العليا منها. ويتطلب أولا معالجة العيوب في النظام المالي والاداري التي استغلها الفاسدون في سرقة المال العام والخاص دون أن يراقبهم أو يحاسبهم أحد. وثانيا ملاحقة الموظفين الحكوميين السابقين الهاربين الى الخارج بالسبل القانونية المتعارف عليها دوليا لإعادتهم الى البلاد ومحاكمتهم واسترجاع الأموال المسروقة. ويتطلب ثالثا ملاحقة ظاهرة شراء وبيع والاستيلاء على ممتلكات الدولة والمواطنين المتغيبين عنها بعد سقوط النظام السابق أو بسبب عمليات التهجير القسرية التي جرت ابان الصراع الطائفي التي بدأت منذ عام 2006 وما تزال مستمرة في بعض المناطق أو بسبب الارهاب الداعشي ضد أبناء الطائفة المسيحية والايزيدية وغيرهم من الأقليات الدينية والقومية.

3- اعادة تشغيل المشاريع الصناعية المتوقفة والتعرف على المشاكل التي مازالت تواجهها وسبل علاجها كجزء من جهود تسريع عملية تنمية الاقتصاد الوطني وتشغيل الايدي العاملة العاطلة والنهوض بقطاع الصناعة الوطنية.

4- اعمار وتطوير البنية التحتية بما فيها صيانة الطرق والجسور وخدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء والخدمات البلدية.

5- تطوير الخدمات التعليمية في البلاد على أسس علمية جديدة وازالة محتويات برامج التعليم المتخلفة لتتناسب والتطور العلمي والثقافي العالمي. ودون أن ننسى تجديد أبنية المدارس والجامعات والتأكد من صلاحيتها وسلامتها على شاغليها من الكادر التعليمي والطلبة والتعامل بجدية مع المؤسسات العلمية والجامعات كروافد للكادر العلمي الذي سيقود عملية اعادة بناء العراق بعد فترة التخريب التي مر بها وما زالت تعيق تقدمه.

6- اعادة النظر جذريا بنظام مخصصات وامتيازات ورواتب الرئاسات الثلاث والايفادات والبعثات الدبلوماسية في الخارج حيث تشكل حالتها الراهنة أعباء مالية حقيقية تستنزف موارد هائلة في بلد تشح موارده المالية بسبب تعقد العملية الأمنية التي تحيط ببلدنا في ظل هبوط أسعار النفط وتخلف الانتاج في قطاعي الزراعة والصناعة. ويجب أن يكون واضحا بأن نظام الرواتب الحالي قد وضع أصلا من قبل حاكم العراق زمن الاحتلال الامريكي لشراء ضمائر موظفي الدولة وافسادهم.

7- الاستعانة بخبرة الدول المتقدمة في مكافحة الارهاب ومعالجة الاختراقات الأمنية. ويفضل أن تشكل فرقا تطوعية شعبية تساعد في اجراء تمشيط واسع للأبنية النائية وانقاض المباني بحثا عن أوكار يستخدمها الارهابيون لتفخيخ السيارات وتصنيع المتفجرات داخل وخارج بغداد وضواحيها.

8- مساعدة النازحين من مناطق التوتر وملاحقة العناصر الفاسدة التي تتلاعب بمستحقاتهم المالية وتقديمهم للمحاكم لانزال العقاب بحقهم. وان يتم التعامل بجد مع معاناتهم فملايين منهم تعيش حالة من الفقر والاذلال غير المسبوق يستدعي تضامن جميع العراقيين معهم لإعادتهم الى بيوتهم ومناطق سكناهم معززين مكرمين.

9- اعادة النظر بالاعلام العراقي الخاص والعام لإشاعة الفكر البناء والتسامح والتعايش الأخوي والتعاون وادانة التطرف وملاحقة بؤره ومعاقبة الداعين اليه. وبنفس الوقت مكافحة قنوات تمويل الاعلام الخاص الأجنبية حفاظا على سلامة الرأي العام فالحرية الواعية تتحلى بقيم الأمانة والوطنية والحرص بينما تستغل الحرية المطلقة لإلغاء كل الحدود الأخلاقية التي تتعامل مع الاعلام كمشروع تجاري هدفه الربح والربح فحسب. لقد نقلت سلطة الاحتلال الأمريكي لنا عينات غير مقبولة من أنماط الاعلام الغربي المأجور.

الجماهير العراقية قالت كلمتها وتنتظر إجابات وهي على استعداد للخروج الى الشوارع ثانية وثالثة فجدار الخوف قد تهشم وسيكون صوتها أكثر ضجيجا.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0