الصراع السياسي الصفري في العراق ساحة حرب ملتهبة، تخندقت الأحزاب ضد بعضها البعض، كل طرف يجمع الحطب لحرق الآخر، وكل شيء قابل للاشتعال، والرأي الذي يقوله أي مواطن يمثل الخشب الذي يلقى في النار لإدام اللهب، رأيك المضاد للطرف (أ) يستخدمه الطرف (ب) لحرق خصمه، والعكس صحيح أيضاً.

هناك مجموعات من العاملين مهمتها اليومية تجميع الحطب (الذي هو مجموع الآراء المضادة للخصم)، لتلقى في نار الصراع السياسي، وإذا كانت الآراء محايدة وتنتقد الطرفين المتخاصمين معاً، سوف تضع صاحبها في مأزق.

قد يُلقى صاحب الرأي المحايد في النار من قبل الطرفين، بتهمة معاداة الإصلاح، أو معاداة محور المقاومة، فأنت كمواطن يجب أن تدعمني بكل قواك العقلية ضد خصمي، وإذا خالفت هذه القاعدة السياسية سوف اتهمك بالعمالة وبيع الوطن وكل ما ينتقص من قدرك. وقد تُقْتَل بكل بساطة.

وفي حالات أخرى يأتي العاملون في مجال جمع الحطب السياسي لتشذيب رأيك واقتطاع ما لا يناسبهم عبر أدوات التقطيع والدمج المناسبة، ثم يستخدم الرأي المعدل كأخشاب قابلة للاشتعال السياسي.

المنطق السائد الآن أما أن تكون معنا أو ضدنا، المعسكرات متقاربة، الحرب مشتعلة على شكل عمليات كر وفر، الجميع يقف على الحافة، والثقة معدومة، والصراع وجودي، المغلوب فيه سوف يتعرض للفناء، وعدم الغلبة لأي طرف تعني استمرار الوضع الراهن.

في وضع كهذا يكون الرأي المحايد ضرباً من ضروب الترف، هل نُغْلِقُ الأبواب على أنفسنا نحن أنصار الحياد؟

يدعونا المنطق الواقعي إلى ما قاله الامام علي بن أبي طالب "كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ"، أما المتصارعون فهم لا يقبلون هذا المسار، يريدون منك تسديد سهام رأيك باستمرار، سيحرقونك إن أغلقت بيتك، لقد قالوا لك مسبقاً، أما معنا أو ضدنا، ولم يسمحوا لك بخيار ثالث، فالحرب بحاجة إلى أكبر عدد من المقاتلين، ورأيك المنحاز مفيد في هذا الوقت، فلا تكن بخيلاً به.

يتساءل المواطن المحايد، ألم تكن الاحزاب المتصارعة حالياً في خندق واحد ضد مشروع بناء دولة عراقية حديثة؟ أليست هذه الأحزاب هي من التهمت قوت الشعب؟

بسبب تحالف الأحزاب لم تعد الدولة قادرة على الوقوف، باتت هزيلة مثل بقرة حلوب فقدت كل طاقتها في توزيع حليبها على أناس بلا رحمة.

استسهلوا السيطرة على مقدرات الدولة ومفاصلها الإدارية عبر تحالفاتهم التي كانوا ينسجونها في الغرف المظلمة، وشعاراتهم "الوحدة الوطنية"، و"التوافق"، و"المصالحة الوطنية"، أما الحقيقة فهي تصرخ بأعلى صوتها، لا تكذبوا، شعاراتكم هي يافطات طويلة للتستر على صفقات البيع والشراء لما تبقى من هيكل الدولة.

منهم من كان محترفاً في هدم أسوار الحدود مع الدول المجاورة، باعوا الوهم على الشعب بأنهم يقومون ببناء علاقات ود وصداقة مع الجيران، وأي صداقة تلك التي تبنى على أوامر من الخارج، المعروف أن الصداقة علاقة قائمة بين طرفين متساويين في الرأي والمشورة، لا علاقة بين طرف يرى نفسه الأعلى وآخر يرى نفسه بمرتبة أدنى.

كانوا مستعدين لتجنيس العراق بجنسية الغير، والذريعة مقاومة محتلٍ يريد قضم الدولة بما فيها من أرض وسماء وشعب، وحيث لا يمكن التصدي للمحتل إلا من خلال الدعم الخارجي بالمال والسلاح، تخرج التبريرات لأي فعل يذوب العراق في الجسد الخارجي.

في مقابل مشروع مقاومة المحتل كانت هناك مقاومة أخرى للمحتل، لكنها محترف في إلغاء الدعامات القانونية التي تمثل الأعمدة الرافعة لسقف الدولة، الوجود الأجنبي كفيل بتبرير إنشاء جماعات مسلحة تمثل جيشاً موازياً للجيش العراقي الوطني أولاً، وجيشاً معادياً لجيش الفريق الأول، لا بأس بتأسيس قوة جديدة على ركام الدولة، فالحرب القائمة ليست من أجل بناء دولة يحلم بها المواطن، بل لتدعيم الجماعة التي انشئت على افتراض المقاومة.

وما بين الفريقين المنبثقين من المكون الأكبر في العراق، هناك فرق للجماعات المذهبية والقومية الأخرى، هؤلاء يستفيدون من عملية الهدم المتواصلة لأسوار الدولة الداخلية وحدودها الخارجية، فبعض المصالح لا يمكن تحقيقها إلا عبر استمرار الفوضى التي تسمح بتبرير الاستعانة بالخارجي بذريعة حماية المكون أو القومية، كما تسهل تبرير القيام بعمليات خارج نطاق القانون بالحجة ذاتها، الفوضى تعني أخذ ما تريد بالقوة، وهم يملكونها وهذه تسهل عليهم مرادهم.

نحن في ساحة حرب يستخدم فيها المال والحجر والسلاح والرأي العام وكل ما يسهم في التقليل من قدرة الآخر، أما الحديث المحايد عن بناء الدولة وحمايتها من الصراع فهي غير مقبول من وجهة نظر المتصارعين.

المطلوب منك أن تكون منحازاً، وليس من حقك الاعتكاف في بيتك، وإلا اعتبرت من عدواً مهدور الدم.

اضف تعليق