في ظل الأزمات المتشعبة والمتواصلة التي تعصف بالبلاد، وحالات الإنغلاق، والانسداد، والاختناق السياسي، التي تجثم بآثارها اليوم على أنفاس العملية السياسية برمتها، تطرح بين الفينة والأخرى، ومن جهات سياسية وقوى مؤثرة، العديد من المبادرات التي يطلق عليها أصحابها بالوطنية، لمعالجة تلك الأزمات، وهذا أمر إيجابي إن صدقت النوايا وحسنت المقاصد، خصوصاً إذا كانت جذور هذه المبادرات وطنية صرفة، وبعيداً عن الخلفيات الجهوية، والطائفية، والعرقية على اعتبار أن الهدف من أية مبادرة هو بالنتيجة التغيير والإصلاح، وهو هدف يسعى إليه كل من يريد لهذا البلد الخير، والوصول به الى بر الأمان.

ولا شكَّ أن وراء كل مبادرة، ومهما كانت طبيعتها، تقف جملة من الأسباب والمبررات المراد تحقيقها، كما يرافق ذلك بعض الشروط والضوابط لتحديد المسارات، ومنها أن تكون الوسيلة المتبعة صحيحة، وأن تخدم المنهج العام الذي تحمله، بما يصب في خدمة المجتمع والأمة، مع استمرار تطوير وتفعيل الآليات من خلال التخطيط الجيد، واستغلال الطاقات ذات التخصص العلمي والمهني، ومن ثم توزيع العمل بشكل مبرمج، مع التأكيد على الاستغلال الأمثل للوقــت لتحقيــق الأهــداف المرجــوة من تلك المبادرة.

إن المراد من توضيح مفهوم المبادرة بهذه الكيفية، هو لمعرفة ما اذا كان لتلك المفاهيم العلمية والعملية أثر ملموس على الواقع العراقي، وهل تمَّ التعامل مع الأحداث وفق هذه المعطيات؟ إن أهم ما يجب التأكيد عليه في أية مبادرة، ومهما كانت الجهة التي تنطلق منها، هو العمل بشفافية ووضوح على فرز وتحديد مواقع الخلل، التي كانت ولا تزال تقف حائلاً دون اتمام المشروع الوطني، حتى تتضح الصورة للجميع، وبالتالي نبتعد عن سياسة خلط الأوراق التي يحاول البعض تبنيها، من خلال التعامل مع الأزمات والأحداث التي تجري في عموم البلاد.

وإذا حاولنا تفحص المبادرات التي تصدر من هذا الطرف أو ذاك، فإنه يمكن القول بأن بعض هذه المبادرات، التي يتم طرحها هي أقرب الى ردود أفعال أكثر من كونها مبادرات تحمل بُعداً ستراتيجيا لمواجهة التحديات، كما أنها لم ترتقِ الى مستوى روح المبادرة بكل أبعادها المعروفة، ولهذا سرعان ما تنتهي هذه المبادرات بانتهاء تلك الأفعال.

ومن الملاحظ أن المشكلات والأزمات التي تحيط بالبلاد معروفة ومشخّصة، ولا تحتاج الى عناء كبير للبحث عنها، وبالتالي يجب أن يكون هذا الأمر دافعاً قوياً في تقديم وطرح المبادرات الوطنية، بعيداً عن الدوافع الذاتية والفئوية. لذا فإننا بأمس الحاجة اليوم الى مبادرة وطنية عليا، تنصهر في بوتقتها جميع المبادرات الخيرة، التي تنطلق من هذا الطرف أو ذاك، وتهدف الى وضع حد لجميع النزاعات والممارسات التي تعمق الكراهية والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد، والى إشاعة روح التسامح والتعايش بين أفراد المجتمع العراقي، من خلال تعزيز روح المواطنة التي يجب ان تسمو فوق كل شيء. ولا شكَّ أن هذه المفاهيم هي من أبرز الركائز الأساسية لبناء دولة القانون والمؤسسات في العصر الحديث.

إن معالجة الظواهر السلبية في الدولة العراقية الجديدة، تتطلب البحث عن الأسباب الحقيقية والجوهرية التي تعرقل بناء هذه الدولة، بدلاً من الاكتفاء بالتركيز على المظاهر الشكلية

والثانوية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق