من الضروري جدا أن نفهم المعاني بعمق، حتى نستطيع أن نصحح مسيرتنا وسيرتنا، فمصائرنا وقراراتنا في الحياة تعتمد ما نفهمه من هذه المعاني، وكثيرا ما نختار طريقا معينا في حياتنا، أو نفهم شيئا معينا، فيكون فهمنا لهذا الشيء خاطئا، وغير صحيح.

لأن مفهومه يتلبَّس علينا، وكثيرا ما نعيش نحن حالة التلبّس في المفاهيم والمعاني والأفكار، وهذا التلبّس وهو معنى التضليل، سواء كان تضليلا ذاتيا أو خارجيا.

من المهم جدا أن نفهم المعاني لأنها هي التي، أما تعبّد لنا الطريق أو تجعله وعِرا، غير مستقيم ومنحرف، ومن هذه المعاني التي لابد أن نفهمها في حياتنا، النفع أو النفعية أو الانتفاع، كيف يستطيع الإنسان أن ينفع نفسه في الحياة؟، وما هو معنى النفع، هل كل شيء موجود لدينا نافع؟

نحن الآن حين ندخل إلى بيوتنا سوف نشاهد أشياء كثيرة فيها، لاسيما أننا نعيش في عالم الأشياء، وليس في عالم المعاني، وسوف نشاهد أشياء في بيوتنا غير نافعة، وإذا كانت غير نافعة، لماذا نمتلك هذه الأشياء، ولماذا هي موجودة في بيوتنا؟

من الضرورة بمكان أن نفهم مفهوم النفع، حتى نستطيع أن نغيّر حياتنا وسيرتنا، هناك مبدأ في الفلسفة الغربية يسمى مبدأ النفعية، وهو مذهب قديم ولكن تطور في القرون الأخيرة، ويسمى مبدأ النفعية وضعه فيلسوف اسمه (جيرمي بنثام)، يرى هذا المبدأ الفلسفي:

ان النفع هو ما يحققه من نتائج أو ما يحققه من سعادة أو ما يحققه من متعة، وبهذا هناك أخلاقيات وسلوكيات تتشكل في هذه الفلسفة التي تتحكم بالعالم الذي نعيشه اليوم، قد لا يكون فيها التفات للمبادئ التي تقوم عليها حياة الإنسان، أو الوسائل التي يسلكها الإنسان، والعواقب التي تنتج عن هذه الأفكار.

استخدام الكذب من أجل الربح

الحقيقة في هذه الفلسفة بشكل عام هي نسبية وليست مطلقة، بمعنى يمكنه في أحد الأيام أن يستخدم الكذب من أجل الربح، ومن أجل تحصيل السعادة واللذة، فالغاية تبرر الوسيلة، وهذا هو محور العالم الرأسمالي في عالم اليوم، والفكر والمذهب والاقتصاد الرأسمالي يقوم في عالم اليوم على مبدأ المنفعة والربح واللذة.

لذلك فإننا نعيش اليوم موجة استهلاك عارمة جعلت منّا مجتمعات مستهلِكة، نستهلك ولا ننتج، وكل هذا قائم على محور المنفعة، بالنتيجة فإن كل ما نراه اليوم من مشكلات وأزمات وقضايا وسلوكيات هي مرتبطة في كيفية فهمنا لهذا المبدأ.

ماذا يعني النفع؟

هل يعني ما ينتفع به الإنسان من منافع، وهل هذا النفع هو اللذة التي يحصل عليها الإنسان من امتلاكه لشيء ما؟، مثلا حين يمتلك (الموبايل) باعتباره أنه ينتفع منه، فيحصل على الانتفاع، أو السعادة. أو الربح الذي يحصل عليه بسبب اكتناز الأموال، فيكون لديه أموال في بيته أو في رصيده البنكي؟، أو امتلاك الأشياء، فالناس يحبون دائما أن تكون في بيوتهم تحف، او يقومون بتجديد أثاثهم.

وهل معنى النفع مادي، أي أن الأشياء التي ألمسها بيدي يكون فيها نفع، أما الأشياء التي لا أدركها ولا تتلامس مع حواسي الخمسة، فهل فيها نفع أم لا، هل النفع مادي أو معنوي، وهل النفع في الخير والشر، أم في الخير فقط؟

نحاول أن نستكشف مفهوم النفع من خلال القرآن والعِترة، وكيف يستطيع الإنسان من خلال النفع أن يحقق السعادة واللذة والخير.

من خلال قراءتنا للقرآن الكريم والأحاديث الشريفة نحاول أن نفهم ماذا يعني النفع حتى نصل إلى عملية بناء المفهوم بالنسبة لنا، وكيف تتشكل النفعية في أذهاننا حتى نستطيع من خلال هذا الفهم أن نتحكم بحياتنا، ولا نكون مجبورين أو مقهورين على حياة لا نفهم معناها، والحياة التي بأيدينا، هي الحياة التي لابد ان نفهم معناها، لأن فهم المعنى هو مقدمة للإرادة وللاختيار والحرية عند الإنسان.

خطوات الانتفاع المثمر

أولا: النفع هو ما يُستعان به في الوصول إلى الخيرات، وما يتوصل به إلى الخير فهو خير، النفع خير وضده الضر، النفع مثل الصدق، فالصدق مطلق، ليس له معنى آخر غير أن يكون صادقا، وإذا لم يصدق فهو كاذب، كذلك النفع هو نفع وغيره هو ضر.

قال الله تعالى: (ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا) الفرقان 3. بمعنى أما ضر أو نفع ولا يوجد خيار ثالث، والنفع والضر هنا ليس نسبيا، فالنفع في الخير نفع، والانتفاع في الشر ضر، المقصد الأساسي في قضية النفع والمنفعة هو الخير.

النفع بلا إيمان

ثانيا: الإيمان بالله تعالى هو أول خطوة في طريق الانتفاع المثمر، لأن الله هو مصدر الخيرات والنِعَم وأصل النفع، النفع بلا إيمان ليس فيه بركة وخير، لأن أصل عمل كل إنسان سواء كان ماديا أو معنويا هو غاية في إطار، وهذا الإطار هو الإطار الكوني الإلهي، وهو قائم على مجموعة قواعد وقوانين.

الإنسان الذي يسير في إطار هذه القواعد وهذه القوانين، يكون إنسانا سائرا في طريق الخير، وسعيدا، (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) طه 124. فلا بد أن يتم النفع والانتفاع من خلال الله سبحانه وتعالى لأنه يقود الإنسان إلى طريق معبّد بالخير والنعِم، ونحو الاستمتاع بالنِعم، وسوف نتطرق لمفهوم اللذة في مقالات ودراسات لاحقة، لأن كثيرا من الناس يحدث لديهم خلط في مفهوم اللذة.

مفهوم اللذة مفهوم معنوي وليس مفهوما ماديا، واللذة عبر الحواس تكون قصيرة المدى جدا، أي تنتهي في ثوان، لكن اللذة المعنوية لذة هائلة، وتستمر على مدى الزمن عند الإنسان، كما لو أن أحدهم ذهب إلى الحج وعندما رأى الكعبة المشرَّفة ونظر إليها نظرة، تبقى هذه النظرة لذة للإنسان باقية في داخله ولا تزول، لذا من المهم جدا أن نعرف معنى اللذة وكيف تصب في الإيمان (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد 28.

الاستقرار النفسي الذي يحصل عند الإنسان يجعله بالنتيجة يتعايش وينسجم مع القانون الكوني، لذلك تكون هناك بركة في حياته، والنفع الحقيقي النابع من الإيمان يؤدي إلى وجود البركة في حياة الإنسان، وهذه البركة فيها نمو وتطور وتقدم مادي ومعنوي عند الإنسان.

تقول الآية القرآنية: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) يونس 98. فالإيمان هو الذي ينفع الإنسان في حياته، وهو الذي يستقطب الخيرات والبركات للإنسان، وليس الركض الأعمى وراء المتع والسلطة والمال، والطمع بالدنيا.

هذا كله لا ينفع الإنسان، فقد يحصل على هذا المال ولكن ما هي النتيجة؟، ولابد أنكم لاحظتم بعض الأمثلة والتجارب في هذا الباب، وكيف أن العالم يسير إلى الطمع الشديد بحيث ولَّد عالما مظلما، لأنّ كل خطوة سيئة تؤدي إلى خطوات أكثر سوءًا بصورة مستمرة ومتراكمة، حتى يصل الأمر إلى طريق مسدود.

أما طريق الخير والنفع والبركات عن طريق الإيمان، فهو طريق معبد ومفتوح أمام الإنسان ويملأ قلبه بالبياض والنور، بحيث يستطيع أن يعيش هانئا في حياته.

النفع في الصدق

ثالثا: الصدق هو النفع الأساسي، لأنه يوصل إلى الواقع وإلى اللذات الحقيقية، وكل نفع يتم عن طريق الكذب والاحتيال والغش، يقود إلى غير الواقع دائما، وغير اللذة الحقيقية، ففي الصدق انسجام مع الواقع، فكلما كان الإنسان صادقا في حياته سوف يرتقي ويتطور وينمو ويصبح لديه انكشاف ورؤية وبصيرة، في الارتباط مع الواقع.

وقد تطرقنا لهذا الموضوع في مقال سابق حول قضية الاغتراب وهو انفصال الإنسان عن الواقع، وغير طريق الإيمان والصدق يؤدي بالإنسان إلى الانفصام عن الواقع، فيعيش حالة من الاغتراب والبؤس والاكتئاب.

فالنفع الذي يأتي عن طريق الكذب والانتهازية سوف يكون فيه كآبة، وليس فيه شعور حقيقي بالحياة ولا بمتعة الحياة، أما الصدق فهو يعطي الإنسان زخما إيمانيا كبيرا ويصبح لديه انسجام مع الواقع، ويكتسب راحة نفسية تامة، واطمئنانا وارتباطا مع الواقع الكوني كله ومع قوانين الكون الإلهي.

تقول الآية القرآنية: (يوم ينفع الصادقين صدقهم)، والمقصود بهذا اليوم، هو يوم القيامة، في ذلك اليوم، الإنسان الصادق سوف ينفعه صدقه في الحياة، والصدق هنا ليس المقصود به الصدق في الكلام فقط، بل الصدق في الفكر والعقيدة والأخلاق والسلوك والقلب وكل معاني الصدق الأخرى، لكننا قد نتصور أن الصدق يعني (صدق الكلام) فقط، لكن الصدق هو بنية نفسية وثقافية أساسية للإنسان، وتؤدي إلى صناعة المجتمع الصادق، فالصدق منهج كامل ومتكامل لأنه مرتبط مع صدق الله سبحانه وتعالى والإيمان به.

الخرائط العقلية والذهنية

فهذا هو معنى (يوم ينفع الصادقين) في الآخرة، فكيف بالدنيا، وهل الدنيا أعظم من الآخرة؟، إن الآخرة أعظم وأكبر ولا يمكن أن تقاس الدنيا بالآخرة، فالإنسان الذي ينفعه صدقه في الآخرة، لا شك أن صدقه ينفعه في الدنيا، وهذا الأمر لابد أن يكون مستمرا في أذهاننا عبر برمجة لخرائطنا العقلية والذهنية.

لابد أن نضع هذا الجزء الأساسي في عقولنا وأن يكون صادقا في كل حياته من خلال البرمجة الذاتية.

النفع الفردي او النفع الجماعي

رابعا: النفع في النفع العام لأن كل نفع خاص فهو زائل وغير مستدام، لأن النفع بمعناه الحقيقي يتحقق بالمشاركة العامة، والانتفاع الفردي يجب أن يتحقق من المشاركة العامة، فالنفع عام والانتفاع خاص، فما هو الفرق بين النفع والانتفاع.

لا يمكن لنا أن نفهم في حياتنا أن ينتفع الإنسان الفرد ولا ينتفع الآخرون، أمر غير معقول، -فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره جائع)-، ليس بمسلم لأن النفع يجب أن لا يكون فرديا، وهؤلاء الذين ينتفعون بمفردهم فإنهم أناس بائسون، وغير سعداء في حياتهم، لأن المنفعة لابد أن تكون عامة، وهذا هو أساس صلاح العالم.

يُقال أن عالم اليوم منقسم الى طبقات كثيرة، إلى عالم غني وعالم فقير، وعالم يعيش تحت خط الفقر وعالم فقير، أو أعلى من مستوى الفقر بقليل، بعض ليس لديه أية موارد، وآخر متخم حائر كيف يتصرف مع موارده وأمواله وممتلكاته، فالعالم اليوم يعيش هذه المشكلة بسبب هذا التفاوت الكبير بين الناس.

وتبقى هذه الأزمة موجودة على طول التاريخ، إلى أن يأتي إن شاء الله صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه)، وينشر العدل بعد أن مُلِئت الأرض جورا، فينشر العدل والمساواة وتكافؤ الفرص لمختلف الناس، لذلك نحن لابد أن نركز هذه الفكرة في أنفسنا، أن لا نفع خاص للإنسان.

الطموح الشخصي الأعمى

إن كل شخص ينشأ ويكبر والسؤال أنا ماذا أريد؟، أريد أن أدرس وأتعلّم وأصبح طبيبا (دكتور)، لماذا أريد أن أكون دكتورا، حتى أحصل على المال الوفير، أو أصبح مهندسا، أو سوى ذلك من مهن هدفها الأموال، فكل فرد يسير في حياته لكي يتحصّل على مختلف الأشياء، ومختلف الانتفاعات في حياته.

لكن هذه البرمجة التي نبرمج بها حياة أطفالنا هي برمجة خاطئة، لا تعطيهم السعادة، فنفكر أنه لابد أن يكون دكتورا أو مهندسا أو غير ذلك، فالمهم أن يمتلك الأموال الكثيرة والسمعة الكبيرة والشهرة العالية، لكن لابد أن تكون البرمجة من أساسها وفي بدايتها ليست مبنية على الطموح الشخصي الأعمى.

الطموح الحقيقي هو الذي يكون في خدمة قضايا الناس ومعهم، وقضاء حوائجهم، وانتفاع الناس كلهم، فلابد للناس أن يأكلوا مثلما آكل، ويشبعوا مثلما أشبع، وحتى لو اصبحت في أي وظيفة أمتهنها، لابد أن تكون عندي رسالة في الحياة، وهي خدمة الناس أولا، وهؤلاء الذين يفكرون بهذا المنطق، يعيشون في سعادة كبيرة، وهو منطق الخدمة ومنطق الرسالة.

أنا شخصيا التقيت مع أناس من هذا النوع، إنهم سعداء فعلا في حياتهم، وكل شخص منهم ملتذ ويعيش النفع الحقيقي في حياته بسبب طريقة تفكيره ومشاركته للناس، يشاركهم في آلامهم، وفي محنهم، إنكم تشاهدون الآن في الشوارع، هناك بنايات فارهة تُبنى، وهناك أطفال صغار أعمارهم أربع أو خمس سنوات يقفون جنب هذه البنايات يتسولون في الشارع، وقد ضربت أشعة الشمس وجوههم.

هذه ليست حياة منطقية، حياة يكون فيها هكذا طفل صغير يبدأ حياته بالتعاسة والتيه واللامستقبل، وهناك أناس ينعمون بكل شيء، لذلك فإن النفع الحقيقي يتحقق من خلال النفع العام.

البرمجة على النفع العام

قال الله سبحانه وتعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ)، الرعد، 17. فكل شيء يكون فيه منفعة للناس سوف يبقى، وينمو، ويتطور، ويصعد، ويرتقي، أما إذا لم يكن فيه نفع للناس فهو لا شيء ولا قيمة له، مثل الزبد وهو (ما يعلو الماء من الرغوة)، وهو ليس بماء وسرعان ما يزول، بينما ما ينفع الناس يمكث في الأرض، هذا هو القرآن الكريم، آياته كلها تعطينا رؤية في الحياة. لذلك فإن النفع العام يمكث ويبقى وينمو ويعم ويشمل، وهو الذي يعطي التنمية الحقيقية للحياة.

وهناك نقاط في البرمجة على النفع العام:

الأولى: كيف ينتفع الإنسان بنفسه؟

يقول الإمام علي (عليه السلام) (فلينتفع أمرئ بنفسه، فإنما البصير من سمع فتفكر ونظر فأبصر وانتفع بالعبر)، لماذا قال الإمام فلينتفع ولم يقل فلينفع الإنسان نفسه؟، لأنه ليس هناك شيء اسمه (نفع نفسه) بل نفع الناس.

فكل نفع يأتي للناس وليس للإنسان نفسه، لكنه حين يقول (فلينتفع) بمعنى يطلب لنفسه، فلماذا قال بنفسه ولم يقل لنفسه؟، حين يقول (لنفسه) فهذا يعني أن يأخذ لنفسه فقط، لنفسه الخارجية والمادية، أما حين يقول (بنفسه) فهذا يعني جوهر الإنسان وغايته ولنفسه الداخلية، يستعين بهذا النفع لنفسه وتسمى الباء باء الاستعانة.

فهناك فرق بين الكلمتين، لنفسه بمعنى أناني، أما بنفسه فتعني لغيره، أي ينتفع هو وينفع الآخرين، هذا هو الفرق بين الباء واللام في هذا المعنى بين الكلمتين، فأهم نقطة يذكرها الإمام علي (عليه السلام) أن على الإنسان أن ينتفع وينفع، ولابد أن يبدأ بنفسه، أي أنه ينفع نفسه الداخلية ثم ينفع الباقين، ينفع روحه ومن خلال معرفة نفسه يعرف طريقه الصحيح، فهناك ناس يضلون في أغلب الأحيان عن الطريق.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (من عرف نفسه عرف ربه)، فالإنسان عندما يعرف نفسه فإنه يعرف معنى وجوده في الحياة، ويعرف غايته في الحياة وحين يقول (أهْدِنا الصراط المستقيم) فهو يستطيع أن يسير في الطريق المعبد بالحياة والوصول إلى الغايات، لذلك عندما يعرف الإنسان نفسه فإنه يسلك الطريق المعبّد المستقيم الى معرفة الله سبحانه وتعالى.

يقول الإمام علي (عليه السلام): (المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين)، ما هو معنى أنفع المعرفتين؟، أي هناك معرفتان، معرفة بالعالم الخارجي وهذا ما نقوم به نحن كلّنا عبر المطالعة وقراءة الكتب، والدراسة في المدرسة والجامعة، هذه هي المعرفة الخارجية، وبعضنا يحصل على هذه المعرفة بشكل كامل، لكن معرفة النفس هي الأهم فكم منّا يقوم بهذه المعرفة؟

المعرفة الخارجية والداخلية

كم إنسان يعرف نفسه، كم إنسان يدخل ويتغلغل في أعماقه، ويكون شفافا وواضحا مع نفسه؟، نحن نتصور أننا إذا عرفنا العالم الخارجي فقد عرفنا كل شيء، لكن هذه المعرفة ضالة، ليست بمعنى منحرفة وإنما هي وهم، لأن الإنسان إذا لم يعرف نفسه لا يستطيع أن يفهم العالم الخارجي، فهم العالم الخارجي يبدأ من خلال فهم الإنسان لنفسه، ويعرف إمكاناته وطاقاته وقدراته، ويعرف ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، ومقدار تقواه وإيمانه.

لذا فإن المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين، لأنها هي التي تستطيع أن تعطي الإنسان المعرفة الخارجية، فحين يعرف الإنسان نفسه تصبح المعرفة الخارجية سهلة جدا، هناك قواعد، ولابد أنكم درستم الفيزياء والكيمياء والرياضيات وباقي العلوم، فالإنسان الذي يعرف ويفهم قواعد العلم، سوف يصبح كل شيء لديه سهلا.

لذلك فإن الإنسان إذا عرف نفسه يعرف قواعد الحياة، ويعرف ما هو النافع وما هو الضار، وما هو الجائز وغير الجائز، وما الذي يقوده إلى عاقبة جيدة وما هو نقيض ذلك؟

يقول الإمام علي (عليه السلام): (من لم يهذّب نفسه لم ينتفع بالعقل)، فالعقل يختلف عن النفس، العقل هو المرجع بالنسبة للإنسان، حيث يرجع له في كل شيء لكي يحصل منه على توجيه معين، وعلى ضوء ذلك يضع النقاط على الحروف وبالنتيجة يفسر الأشياء، فالعقل هو المرجع وفيه قوانين وأسس الفطرة الموجودة لدى كل إنسان.

السؤال الذي يمكن أن نوجهه لأنفسنا هو، أو أسأله لنفسي، كم أنا منتفع من عقلي؟، الجواب نسبة قليلة ربما 5 أو 3 أو 2 بالمئة من قدرات عقولنا، لأن العقل جبار وكبير جدا، ولو أننا أردنا الآن أن نحسب مسيرة التطور فما هي نتائج ذلك؟

هل بلغ العالَم نهاية التاريخ؟

يقول الغربيون إننا وصلنا نهاية التاريخ، لأننا تقدمنا تقدما هائلا وحققنا كل شيء، فلدينا الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي، ولدينا الذكاء الاصطناعي وصعدنا إلى القمر ونصبنا المسبارات والتلسكوبات الهائلة لكشف الفضاء، لدرجة يستطيع فيها الإنسان أن يرى أعمق أعماق الكون.

ولكن كل هذا لا يعدو كونه كلام، فالإنسان لم يصل حتى الآن واحد بالمئة من حقيقة التقدم والتطور، إن حقيقة التقدم والتطور سوف نراها عندما يظهر الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف)، وعندما يضع يده على رؤوس الناس فتكتمل عقولهم.

فمع أن مرحلة التطور طويلة جدا، لكن على الإنسان أن لا يُصاب بالغرور لهذا التقدم الموجود لدينا، نحن الآن مصابون بالغرور بسبب هذا التقدم والتطور وهو مضرّ جدا، نعم شيء جيد أن يتقدم الإنسان في العلم لكن التقدم الحقيقي يكمن في الجانب المعنوي والفكري والأخلاقي.

التقدم الذي لا يوجد فيه تقدم معنوي ونفسي وأخلاقي، هذا ليس تقدما حقيقيا، بسبب عدم وجود التكامل بين المادي والروحي في هذا الجانب. لذا من أهم النقاط التي تفيد الإنسان في عملية الانتفاع بنفسه، هي محاسبة النفس.

(وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) سورة العصر. إن الإنسان في حالة خسران، لأنه عمره في تناقص مستمر، الدقائق واللحظات تمر، فكيف يمكن للإنسان أن يستفيد من كل ثانية في عمره؟؟، يتم ذلك من خلال محاسبة النفس، وإذا تمكن من ذلك فإنه سوف يستكشف أخطاءه، وهفواته، ولا تأخذه العزة بالإثم ولا يتمسك بأخطائه.

بعض الناس توجد في أذهانهم أفكار مقدسة جدا بالنسبة لهم، فيجلسون ويتناقشون ولا يقبل أن يتنازل لحظة واحدة، لكن هذا الأمر ليس صحيحا، لأن الإنسان يجب أن يحاسب نفسه ويدقق في أفكاره، ويراجع طريقته في الحياة، وأفضل أسلوب لتحقيق ذلك هو محاسبة النفس.

من هو النفّاع؟

الثانية: الانتفاع بانتفاع الآخرين، وقد تطرقنا لهذه النقطة، ولكن نود أن نؤكد عليها ففي تفسير قوله تعالى حكاية عن عيسى: (وجعلني مباركا) أي نفاعا، كما قاله الصادق (عليه السلام)، بمعنى كثير النفع، وهذا هو معنى البركة.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حينما سئل عن أحب الناس إلى الله، فقال: (أنفع الناس للناس)، وعنه (صلى الله عليه وآله): (الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله، وأدخل على أهل بيت سرورا)، فكلما نفعت الناس أكثر، أصبحت أنفعهم، أو أكثرهم نفعا للناس، وأقرب الناس إلى الله تعالى.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (خير الناس من نفع الناس).

بناء ثقافة التعاون

القضية المهمة في خير الناس من نفع الناس والانتفاع، أن النفع والانتفاع حركة اجتماعية، وليست حركة فردية، بل حركة اجتماعية قائمة على التواصل والتعاون، كيف يمكن أن ننفع الناس؟، وذلك من خلال تواصلنا معهم، وبناء ثقافة التعاون، وأن لا نكون في غرف منفصلة، أو في عالم مجزّأ، ومتشيّئ، عالم منعزل وغائص في الشيئية وفي الأجزاء وكل شخص يعيش لوحده.

لذا فإن أفضل طريقة للنفع والانتفاع هو التواصل والتعاون (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) المائدة، 2.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (خيار المسلمين من وصل، وأعان، ونفع).

الانتفاع بالعمل الجاد

الثالثة: الانتفاع بالعمل الجاد، إن العمل مهم وثقافة نفتقدها في المجتمع العراقي، وهنا نحن نريد أن نحاسب أنفسنا من خلال النقاش الصريح، فمجتمعنا مجتمع غير عامل، ولا يحب العمل، لماذا لا يحب العمل وهو أساس التقدم والحياة والبركة، والصلاح والسعادة، واللذة في الحياة قائمة على العمل.

لابد أن يكون العمل مقدسا لدينا، حتى يكون مباركا في حياتنا، ولابد أن نبرمج أبناءنا منذ صغرهم على العمل، لكن نلاحظ أن أبناءنا يكبرون كسالى، هناك تعليم على الكسل رغم أنه لا ينفع الإنسان، فالإنسان الذي لا يحب العمل لا ينفع نفسه ولا ينفع غيره، لذلك لابد أن نعلم أبناءنا وأنفسنا أن كل لحظة من حياتنا يجب أن يكون فيها عمل مثمر ومبارك.

يقول الإمام علي (عليه السلام): (فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ.. مَنْ لَا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ)، لذا يجب أن لا نعيش في عالم الأماني وإنما في عالم العمل، فالشعوب والحضارات تتقدم بالأعمال، وليس بالأمنيات، فكل شخص يريد أن يكبر كي يحصل على وظيفة في الدولة، ثم ماذا؟

يفكر الشباب الآن بالهجرة، لماذا؟، لكي يعيش حياة راحة بلا عمل، لأنه لا يريد أن يعمل، ولا يكافح ولا يناضل، أيعقل أن الإنسان لا يحب أن يعيش لذة الكفاح والنضال، فهذه اللذة عظيمة، بل من أطيب اللذات، لذا على الإنسان أن يكافح ويناضل من أجل تطوير طاقاته وقدراته، وأن يكون عاملا مجدّا في حياته.

فمن لا ينفعه الحق يضره الباطل ولا ينتفع بالخير والحق والعمل، وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، من كسل لم يؤد حقا، ومن ضجر لم يصبر على حق) فيدخل في طريق الانحراف، ومن فجرَ فقد يكفر ايضا، فالإنسان الذي لا يعمل، سوف يكون مصيره الانحراف. لذلك لابد أن نستثمر حياتنا في عملية بناء الخير والنفع في أنفسنا.

ازمة تكرار الأخطاء

الرابعة: الانتفاع بالتوبة، وهو أهم شيء في الإنسان، ونحن نعيش أيام شهر رمضان الآن، فالإنسان الذي لا يفكر بالتوبة، سوف يضره الباطل كما ورد في الحديث سابقا، فالنقطة الأهم في عملية النفع والانتفاع هي عملية أن يتوب الإنسان دائما إلى الله تعالى، لأنها عملية ترميم وإصلاح لنفسه.

وعن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ)، فالإنسان الذي يعمل بشكل مستمر لابد أن يقع في الأخطاء، ولذلك يجب عليه أن يتوب دائما، يعمل ثم يتوب وهكذا، حتى يتكامل ويتطور ويرتقي. وعنه (عليه السلام): (استدراك فساد النفس من أنفع التحقيق).

الانتفاع بالتجارب

الخامسة: الانتفاع بالتجارب، وهي من النقاط التي لا نلاحظها، فلا نستفيد من تجاربنا، ولا من تجارب غيرنا، فنكرر نفس الأخطاء دائما، وندور حول أنفسنا، ولابد أنكم لاحظتم ذلك.

نلاحظ الآن أن أمورنا المادية جيدة ومتطورة، لكن هل أن أمورنا المعنوية والنفسية والفكرية متطورة ومتقدمة؟، هذا يعني أننا لا نتابع ولا نلاحظ تجاربنا، والإصرار على نفس الأخطاء التي تُرتكَب لسنوات طويلة، نفس الأخطاء، ولا يوجد أحد مستعد للتنازل عن عرشه ونفسه قليلا، ويقول بأننا أخطأنا ونحن آسفين، لذلك علينا أن نستفيد من تجاربنا وأخطائنا حتى نصلح حياتنا، ولكي نسير إلى الأمام في حياتنا.

الإنسان الذي لا ينتفع من التجارب يبقى يعيش في عالم مظلم من الأوهام، وحين يكتشف الإنسان بأنه كان يعيش في عالم الأوهام، فسوف يكون هذا من أسوأ النتائج، (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) الكهف، 104. وهؤلاء من النوع الذي لم يعش تجاربه جيدا ولم يستفد منها.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّجْرِبَةِ)، فمن لا ينتفع من العقل والتجربة، هو شقيّ، والعالَم المظلم هو عالم الشقاء، يقول الله سبحانه وتعالى: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) الأعلى 11.

الاتّعاظ بالتجارب الذاتية

من الواضح أن الإنسان لكي يتجنب عالم الشقاء، عليه أن يتعظ بتجاربه، ولا يكون مستبدا، ولا معاندا، فالعناد والتكبر والاستبداد من صفات الشيطان، فالإنسان يجب أن يتعلم من صفات الله سبحانه وتعالى، ويتعلم من أخلاق الله ولا يأخذ من صفات الشيطان، لأن الشيطان شقيّ متكبّر مغرور معاند ومستبدّ برأيه، لذلك فهو الآن شقيّ، وهو ومن يتبعه يكون من الأشقياء، والعياذ بالله، حين يقع الإنسان في حبائل الشيطان، اللهمّ أجرْنا من ذلك.

يقول الإمام علي (عليه السلام): (مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْعِظَةِ وَأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ)، هذا هو الإنسان الذي يقع في عالم الأوهام، لأنه أولا لا يتّعظ، وأتاه التقصير أي تجده يقع في عالم التقصير دائما، وهذا هو العناد والغرور والتكبر الذي قد يعيشه الإنسان والعياذ بالله.

الانتفاع بالعواقب

السادسة: الانتفاع بالعواقب، قال الإمام علي (عليه السلام): (فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي وَالضَّلَالَ فِي الْمَغَاوِي وَلَا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ).

وهو كلام واضح، ولكن ما معنى البصير من سمع، فهل يسمع البصير بعينه، البصير هو الإنسان الذكي، وهو الذي تكون عنده حاسة استماع وليس حاسة سمع، وليس المقصود بالاستماع أن يستمع إلى اللغو من الكلام، فهناك أناس كثيرون يحبون سماع اللغو، ويشغلون أنفسهم بإظهار عيوب الناس.

لابد أن يكون الاستماع لما هو جيد حصرا، والإنسان الذي يستمع جيدا، سوف يستفيد، لذلك نلاحظ أن (الشريف الرضيّ) عندما ينقل كلام الإمام علي في نهج البلاغة، فيصف كلام الإمام (بأنه من الكلام الغريب الذي لم يقله أحد سابقا، ولن يقوله أحد لاحقا).

يقول الامام علي (عليه السلام): (فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا وَأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا).

هل مرت بكم سابقا مثل هذه الجملة وهذا المعنى، وهل يوجد للقلب آذان؟، إنه تعبير مذهل وقوي وهو دليل على قوة المعنى الذي يريد أن يوصله إلينا الإمام علي (عليه السلام). لذا لابد أن نكون مستمعين جيدين، وقد قال الإمام علي (عليه السلام): (إذا لم تكن عالما ناطقا فكن مستمعا واعيا).

مزايا الاستماع الواعي

حين كنا ندرس في صفوف الدراسة، نرى أن أحد الطلاب لا يحتاج إلى قراءة الدرس، لأنه مستمع جيد، وكل شيء يقوله المدرس يستمع إليه بوعي وذكاء ولن ينساه فلا يحتاج في كثير من الاحيان للدراسة أو المراجعة مرة أخرى.

(ثم سلك جددا واضحا، يتجنب فيه الصرعة في المهاوي والضلالة في المغاوي) بحيث لا يقع في طريق الانحراف والهاوية، فبعض الناس اليوم مستعد أن يقف على حافة الهاوية إلى أبعد حد، وهذا أيضا مصطلح سياسي، فيُقال إن العالم يقف على حافة الهاوية بسبب التهديد بالحرب النووية حاليا.

(ولا يعين على نفسه الغواة) لماذا يذهب الإنسان مع الغاوين والمنحرفين، هو الذي يقدم نفسه ليكون مع هؤلاء، (لتعسفٍ في حق)، وسبب وقوعه في المهاوي والضلالة في المغاوي هو معاندة نفسه على أن يقع مع الغاوين لتعسفه في حقوق الآخرين، يستخدم العنف والقوة (أو تحريف في نطق أو تخوف من صدق).

كل هذا يعني بالنتيجة سوء العاقبة، فمن لا ينتفع بنفسه ويتبصّر وينتفع بالتجارب والعبر ويبتعد عن الضلال والمغاوي، بالنتيجة سوف يقع في الضر ولا ينتفع، والذي ينتفع يتجنب الصرعة في الضلال والمغاوي بالابتعاد عن الغاوين.

(أو تخوف من صدق)، بعض الناس لا يكذب لكنه يخاف من الصدق، وحينما يتخوف الإنسان من الصدق، فهذا يعني أنه يفتح الطريق أمام الكاذبين، لذلك لابد أن نتأمل بهذه الكلمة أكثر، ونقرأها ونتأمل معانيها، ومن المهم جدا أن نضع النقاط على الحروف، ونضع برمجة لأنفسنا وكيف ننفع أنفسنا في حياتنا.

كيف تكون حياتنا مجدية مفيدة، مثمرة، بحيث حين أصل إلى مرحلة معينة من عمري أشعر أن حياتي فيها إنجاز، وفيها نفع، وأنا حين عشت سبعين أو ثمانين أو تسعين سنة، فأنا عملت جيدا وكنت نافعا في حياتي، لنفسي ولغيري، وإن شاء الله نكون من المنتفعين بأنفسنا، ومن النافعين للناس في الخير والصدق والإيمان والتقوى...

* محاضرة ألقيت في أمسية رمضانية عقدتها جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية في كربلاء المقدسة

اضف تعليق


التعليقات

Hamed Al-amlah
العراق
حقيقة مقال راق لي ومفيد جداً
أود التعليق على نقطة ذكرت في المقال تحت عنوان الخرائط الذهنية والعقلية " الإنسان الذي ينفعه صدقه في الآخرة، لاشك ينفعه صدقه في الدنيا"
بما اننا لم نعيش في الآخرة فأعتقد أن الذي ينفعه صدقه في الدنيا ينفعه في الآخرة انطلاقاً من الآية القرآنية " من كان في هذه اعمى فهو في الآخرة اعمى"2022-04-28