من خلال متابعتي لمنشورات وتعليقات عدد غير قليل من الأصدقاء والزملاء على الفيسبوك، ممن يطرحون انفسهم مهتمين بالشأن العام، توقفت عند مسألة قد يبدو طرحها حساسا، لكني أرى أن المصارحة فيها ضرورية.. فالبعض وللأسف يبدو لي أنه لم يقرأ جيدا المخرجات النسبية المهمة لثورة تشرين، وأقول نسبية، لإيماني بأن الثورة مستمرة في ميدان الدولة وإنها على طريق الاصلاح الذي لمسنا بداياته في الانتخابات الاخيرة التي لولا دعوات المقاطعة، لكانت نتائجها أفضل، ومع ذلك فالذي تحقق يمثل بداية لتغيير قادم، أوسع وأشمل.

بكل صراحة ووضوح نقول: إن من بين دوافع الشباب ممن قاموا بثورة تشرين، هو التوق لتحرير القرار السياسي من هيمنة القوى الخارجية التي تحكمت به وتسببت بإعاقة الدولة وتخلفها. وهذا لا يأتي دفعة واحدة وإنما على خطوات.

اي تغيير رأس السلطة الذي تغير فعلا ومن ثم الإشتغال على بناء المؤسسات الفعّالة للدولة بما يجعل صاحب القرار، الذي سيأتي برؤية مختلفة عما كانت عليه قبل ثورة تشرين، قادرا على الانطلاق بعملية الاصلاح الذي بات ممكنا، بعد أن كان شبه مستحيل قبل الثورة، وسيتحقق الافضل مستقبلا بعد أن تصبح الحكومة المقبلة بمؤسساتها المفصلية قوية وقادرة على حصر السلاح بيد الدولة، وتنتهي من بقايا الدواعش وتضبط أمن الحدود والمنافذ الأخرى بشكل افضل، وهو ما تسير عليه الآن بخطى ملموسة، يرفدها واقع سياسي جديد مقبول ومدعوم ايضا إقليميا ودوليا وبرلمان مختلف بالتاكيد.. نعم، لا أحد يقول إن الحياة أصبحت بعد الثورة مباشرة وردية، فالمواطن ما زال يعاني، لكن الأكيد أن ثمار تشرين في الطريق.

والأهم من كل هذا إنها باتت ثقافة شعبية راحت تتسابق لتبنيها حتى القوى السياسية الرافضة لمشروعها في البداية، وصارت تلوذ اليوم بمخرجاتها لكي تكسب عطف الناس، وايضا أن امكانية عودتها للساحات ممكنة جدا، اذا ما اخفقت حكومة ما بعد الانتخابات المبكرة في المضي بالإصلاح وتلبية تطلعات الشعب!

يقول محمد حسنين هيكل: «الاهتمام بالسياسة فكرًا وعملًا، يقتضي قراءة التاريخ أولًا، لأن الذين لا يعلمون ما حدث قبل أن يولدوا، محكوم عليهم أن يظلوا أطفالًا طول عمرهم».. معروف للجميع أن سيرة البشرية عبارة عن أحداث متوالدة، وأهمها تلك التي تلقي بظلالها طويلا على حياة الناس، ايجابا أو سلبا.. الثورة الفرنسية مثلا، واستقلال أميركا أواخر القرن الثامن عشر، والثورة البلشفية في روسيا وظهور الصين القومية مطلع القرن الماضي، ومن ثم مخرجات الحربين العالميتين.

أحداث كبرى ما زال العالم يعيش تداعياتها حتى الآن، فالحدث لا ينتهي بعد أن يهدأ ضجيجه في الميدان او في قاعات المؤتمرات حين تتقرر مصائر الشعوب والأمم، وانما يبقى حيا لحين حصول لحظة اخرى تستدعيها ظروف مختلفة.

جهل الكثيرين من محللين سياسيين او متابعين يهمهم خلاص العراق من ازمته، بهذه الحقائق، يجعلهم لا يقدمون لمتلقيهم او محاوريهم سوى صورة قاتمة لمستقبل العراق، يمكن أن تقدمها أية ندّابة في المآتم الشعبية، فهم اليوم لا يعترفون بأي تغيير في الواقع السياسي العراقي بعد ثورة تشرين، بل يرونها أخفقت وانتهت!

نعم، الصورة المثالية التي نريدها للعراق لا تتحقق بسرعة، لأن مشروع التخريب جرى بهمة عالية واستمر لعقدين تقريبا وتواضعت عليه قوى محلية واقليمية ودولية، لتنتج نظاماً سياسياً فاشلاً، ليكون مقدمة لتقسيم العراق الذي لم يحصل بسبب رفضه محليا واقليميا ودوليا ايضا، أي انه كان هناك صراع بين جبهتين، حتى جاءت ثورة تشرين لتنسف ما تبقى منه في اذهان البعض، وعليه فالتحّول الذي أحدثته هذه الثورة بات على مستوى المنطقة كلها، كونها غيّرت خارطة الصراع الاقليمي والدولي في العراق وعلى العراق وفي الشرق الاوسط كله.

اي ان الثورة بمخرجاتها التي يراها البعض غير مؤثرة هي من غيّرت حكومة وأتت بأخرى كمدخل لتغيير شامل سيأتي حتما، وهي التي فتحت كوّة كبيرة في جدار العملية السياسية وغيّرت الكثير من خارطة البرلمان، وبأرضية سياسية ثقافية مختلفة الى حد كبير، آخذين بنظر الاعتبار حجم المقاطعة التي كادت تطيح بحلمنا في بالتغيير وتجعله صفرا!

ثورة تشرين وكما كتبت سابقا، هي ثورة وفكرة، أي إنها غير موجهة ضد أفراد بل ضد نهج، وخلقت ثقافة سياسية جديدة سواء من خلال القادمين الجدد للساحة او السابقين، ممن أدركوا أن الاستمرار مع الخطأ، سينتهي بهم حتما الى كارثة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق