بعد حسم المحكمة الاتحادية العليا جدل نتائج الانتخابات في العراق، تقبل الجميع الواقع الجديد واخذ بالتعايش معه والتخطيط وفق المعطيات الجديدة، اذ تناولت الكتل السياسية النتائج على محمل الجد وذهبت تعقد الاجتماعات والتحالفات بما يخدم مصلحتها أولا وأخيرا، وعلى ضوء ذلك تتكرر تصريحات السيد الصدر عن لون الحكومة المقبلة وملامحها العريضة تحت العنوان الآتي (لا شرقية ولا غربية)، محاولا إيجاد او تكوين حكومة اغلبية وطنية لا تنتمي لإية جهة خارجية او طرف دولي.

في تغريده للصدر رفض استخدام خلطة العطار التي استخدمت لسنوات طويلة ولم تضع حلول للمشكلات المتراكمة في مجال العمل السياسي الذي اشتركت فيه جميع الأحزاب التابعة للطوائف الموجودة في البلد، حيث أدى اخذ نفس الوصفة الى فقدان الثقة بين الشخصيات المشاركة في إدارة البلد ومؤسساته المتعددة.

وفي ذات التغريده أكد السيد الصدر على ان لا مكان للمليشيات في الحكومة القادمة، وهنا يشير الصدر الى معنى واضح وهو ان الأحزاب التي لديها أذرع مسلحة ستكون بعيدة الى حد كبير عن المساهمة في التشكيلة المزمع الإعلان عنها في الأيام المقبلة، بعد نجاح الصدر في تكوين تحالف شكل الكتلة البرلمانية الأكبر عن طريق الاقتراب من الكرد والسنة.

وقد نتج عن هذا الموقف من قبل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، تباين يغذي مخاوف البعض من انحدار المشهد السياسي نحو المزيد من التعقيدات بين أنصار تشكيل حكومة وحدة وطنية تتجاوب مع مطالب الحراك الشعبي، والمستعيضين عن المعارضة بمقاعد في حكومة ائتلافية موسعة تقوم على المحاصصة.

لو أجرينا تحليلا مبسطا لثبات موقف الصدر على موقفه الداعي الى تشكيل حكومة (لا شرقية ولا غربية)، سنجد بين طيات الخطاب ما يخبرنا، بان الصدر لديه مسارين في المرحلة القادمة، الأول يتمثل بالبرنامج التحالفي، وانتهى منه بعد فشل قوى الإطار من الالتفاف عليه وصرعه لما تحب، وبذلك اتسعت الهوة وبانت الخلافات الى السطح أكثر مما في السنوات المنصرمة.

والبرنامج الثاني يتمثل في المهمة القادمة وهي تشكيل الحكومة المقبلة بعيدا عن رفقاء الدرب من نفس الطائفة، ولم يكتف الصدر بهذا الخرق الحاصل مع قوى الإطار، حتى أعرب عن رغبته في حكومة خالية من المليشيات، وهنا بدأ الخطر يتشكل لدى الكتل الشيعية والخوف من المجهول يسري في عروقهم.

فهم يعرفون ان الصدر صاحب مشروع سياسي ولديه كما هم اتباع منخرطين في تشكيلات عسكرية، فكيف له ان يحقق هذه الرغبة وفي المقابل يقاسمهم بنفس الخصيصة؟

ودعوته لإبعاد الفصائل المسلحة ومن يملكها عن مفاصل الحكومة تعني ان الصدر يريد ان ينهي ملامح الفترات السابقة ويؤسس لفترة جديدة تحت اشرافه، والسعي الدائم لإفراغ الساحة من المنافسين في الوسط السياسي وعلى الأقل ممن يمتلكون السلاح والسلطة، فالمنافسين الشيعة لديهم فصائل مسلحة ويصعب احتواءها بالسهولة المتوقعة من قبل الصدر صاحب الأغلبية البرلمانية والحكومية المتوقعة في المستقبل القريب.

من يجعل السيد الصدر يصرح بهذه التصريحات هو تغول الأحزاب الشيعية الممتلكة لجماعات مسلحة وعدم امتثالها للقانون بحسب تعبيره في أكثر من موقف، فالصدر يريد ان يقضي على رأس الافعى منذ الوهلة الأولى، والتخلص من هذه المجموعات هو التخلص من قوة الضغط عليه في السنوات المقبلة، بعد عزمه وتأكده من تشكيل الحكومة سيكون على يده.

ويخشى السيد الصدر هذه الفصائل من تكرار التجربة التي حصلت مع رئيس حكومة تصريف الاعمال مصطفى الكاظمي، حينما حُصرت المنطقة الخضراء، احتجاجا على نتائج الانتخابات وازمت الشارع العراقي، وراح جراءها شهداء وجرحى بعد المناوشات مع القوات الأمنية المؤتمرة لقائدها القريب من السيد الصدر ولا يريد ان تتغير النتائج النهائية طمعا في المنصب.

وبعد التأكد من قبل الصدر ان الحكومة القادمة ستكون ذات اغلبية وطنية حاصلة على المقبولية الصدرية، فانه يخشى ان تقوم الفصائل المسلحة والمقربة من إيران بتقويض عمل حكومته وافشالها، عبر خلق الازمات والنزول للشارع وتحريكه لخلق الفوضى وربما يقود الى تكرار تجربة حكومة عادل عبد المهدي التي لم تدم سوى بضعة شهور وذهب بفعل ارادات داخلية وخارجية.

لغاية الآن والإطار التنسيقي الذي عجز في إيجاد عامل مشترك للتحاور مع الصدر، يأمل ان يحصل على لين جانب من قبل زعيم التيار الذي يصفه البعض بالأخ العنيد، وعلى ما يبدو ان الصدر عابر لمرحلة الشراكة في المرحلة القادمة وترك معركة الامتيازات والاغراءات المقدمة من هنا وهناك لقضاء الفترة القادمة بمزيد من المكتسبات دون الاكتراث لنوعية الأصدقاء ورفقاء الدرب.

اضف تعليق