يعتبر مبدأ الفصل المرن بين السلطات الثلاث تشريعية وتنفيذية وقضائية ركنا أساسيا ومهما من أسس النظم البرلمانية، ومتى ما كانت كل سلطة تعمل بمعزل عن تأثير الاخرى كلما كان النظام الديمقراطي قويا ضاربا بجذوره في نفوس الساسة والناخبين على حد سواء كل يعلم دوره ويسير عليه بإتقان. لكن اي اختلال او تأثير سلبي في عمل احدى السلطات او ممارسة الضغوط والتأثير على الاخرى ستظهر الهزات والازمات وتعصف بروح النظام الديمقراطي ومصداقيته واستمراريته.

وفي العراق لا فصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لان الحكومة بنت البرلمان ومبدأ التحاصص هو السائد فلا تعاون مرن بين السلطتين بل انسجام وتوافق على طول الخط قادته الكتل السياسية لاكثر من عقد ونصف مما تسبب بظهور مشاكل عديدة من قبيل استشراء الفساد والمحسوبية والمنسوبية والتحابي على حساب المصلحة العامة وغيرها الكثير من المشاكل التي عطلت المشاريع والبناء والإعمار وأكلت الاخضر واليابس، ورغم وجود هذا التعاون بين السلطتين في الكثير من النظم الديمقراطية التي سبقتنا الى انها حافظت على أمرين:

الاول– وجود حكومة ومعارضة في البرلمان، فالكل لا يشارك بالحكومة مثل العراق بل تتقاسم القوى الفائزة الأدوار فيما بينها ويمارس البرلمان رقابة صارمة على الأداء الحكومي حتى وصل في بريطانيا مثلا الى تشكيل حكومة ظل من المعارضة.

الثاني– الحفاظ على استقلالية القضاء من تأثير السلطتين التشريعية والتنفيذية، باعتباره صمام الأمان وقت الازمات وحتى تضمن استقلاليته من التأثيرات.

فإذا كان العراق قد فشل في تحقيق الامر الاول لان كل القوى الممثلة في البرلمان تسعى لتقاسم المناصب وتشارك بالحكومة، فهل نجح في تحقيق الامر الثاني المتمثل باستقلالية السلطة القضائية عن السلطات الاخرى؟.

في الحقيقة عانت السلطة القضائية كثيرا في العراق خلال المرحلة الماضية بسبب عدم وجود الأسباب الموضوعية التي تضمن استقلاليتها، فلا تعيين للقضاة مدى الحياة ولا مؤسسة المعهد القضائي التي تخرج القضاة بمعزل عن المحاصصة ولا القضاة انفسهم يمتلكون اسباب الحماية من الدولة على حياتهم او ممتلكاتهم… وفقدت المؤسسة القضائية الكثير من خيرة رجالها بسبب تمسكها بالقانون وعدم انصياعها للتأثيرات الخارجية.

ورغم هذا الامر وفرت الدولة الحماية لأعضاء المحكمة الاتحادية العليا لكن الدستور اوكل امر تعيين اعضاءها بيد البرلمان مما جعل الكثير من قرارتها عرضة للتفسير والتأويل خصوصا مع تضارب بعضها او تأخرها في اصدار القرارات، ومنها على سبيل المثال:

1. اصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارين متناقضين في نفس الموضوع وهو الكتلة الفائزة الاكبر في الانتخابات، حيث اعتبرتها عام 2010 بانها الكتلة التي تتشكل داخل البرلمان في جلسته الاولى، ثم عادت عام 2018 فاعتبرتها الكتلة التي حصلت على اعلى الأصوات في الانتخابات… مما تسبب بالكثير من الإرباك على المستوى السياسي.

2- تتأخر المحكمة كثيرا في اصدار قرارتها حتى انها تعيد محافظا مقالا الى منصبه بعد سبعة اشهر من إقالته او تؤيد طعنا بقانون بعد صدوره واقراره بعام، مما يسبب الكثير من الإرباك على المستوى الاداري.

3- تنظر المحكمة الاتحادية العليا دعوى طعنا في نتائج الانتخابات فتقبله شكلا وتؤجل الدعوى لغرض الدراسة وتخاطب مفوضية الانتخابات حول قضايا جوهر الدعوة ثم تعود بعد مضي اسابيع لترد الدعوى لانه ليس من اختصاصها.

لا يخفى على من قرأ النقاط الثلاث بان المحكمة الاتحادية العليا كانت عام 2010 تحت تأثير سياسي في اصدار قرارها الذي ثبت السيد المالكي لولاية اخرى وابعد السيد علاوي الفائز الاول عن تشكيل الحكومة، وفي النقطة الثانية فان فترة الأشهر التي تكررت في إقالة المحافظين وتعديل بعض التشريعات هي فترة الضغوط الشخصية والحزبية وحتى تحت الضغوط الشعبية لأنها خالفت الدستور برد ابطال تجميد مجالس المحافظات تحت تأثير الرأي العام، وفي النقطة الثالثة وهي الأهم فإننا كنا نحتاج من المحكمة الاتحادية العليا الحسم السريع لمثل هذه القضايا لأنها تمس جوهر النظام الديمقراطي وصميم عمل المؤسسة القضائية وهو البت في الخلافات بين القوى السياسية، لذا لم يكن من داع للمحكمة التهرب من واجبها المؤسسي بدعوى عدم وجود الاختصاص.

ان اي محكمة عليا هي السند الحقيقي للنظام الديمقراطي وصمام الأمان وقت الازمات، لكنها ان لم تتمتع بالسرعة في الإنجاز اولا؛ والحسم دون محاباة ثانيا؛ والانفصال عن كل التأثيرات ثالثا؛ فلنقرأ على مستقبل النظام السياسي السلام.

اضف تعليق