الانقسامات الثقافية الداخلية في كل مجتمع عربي، تستفحل حينما يغيب المشروع الوطني القادر على بناء شخصية وطنية واحدة لجميع المواطنين وبصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية

تنتاب أغلب دول العالم العربي أزمة عميقة في داخلها ومحيطها.. حيث إن أغلب هذه الدول تعيش ما يمكن تسميته حالة من الفتنة العامة والتي تؤثر في أغلب جوانب الحياة.. وتتغذى هذه الحالة باستمرار من وجود حالة من الانقسام الثقافي بين مكونات وتعبيرات المجتمعات العربية..

وتأخذ هذه الانقسامات صورا وأشكال عديدة بعضها يتعلق بالانقسام الديني أو الطائفي أو الهوياتي الذي تعاني منه بعض المجتمعات العربية.. بمعنى أن الدولة العربية الحديثة لم تتمكن خلال عقود عديدة من صياغة مشروع وطني متكامل قادر على ضبط الانتماءات العميقة لدى المجتمعات العربية لصالح الانتماء الوطني الذي لا يفرق بين مواطن ينتمي إلى دين أو مذهب ومواطن آخر ينتمي إلى دين ومذهب مغاير..

وبفعل هذا الاخفاق برزت في العديد من المجتمعات العربية حالة من الانقسام الثقافي الذي يتغذى من مرجعيات معرفية وتاريخية معارضة لبعضها، وتؤثر هذه المرجعيات في مستوى الانسجام الاجتماعي والوطني..

ويضاف إلى هذا الانقسام، الانقسامات الثقافية التي تتعلق بمرجعيات فكرية وأيدلوجية معاصرة.. حيث يشهد العديد من المجتمعات العربية حالة من الانقسام الثقافي والذي يأخذ صورة الانقسام الأيدلوجي والمعرفي والفكري، ويتغذى هذا الانقسام من غياب أو انعدام الحياة السياسية والثقافية الطبيعية والسوية.. وينعكس هذا الانعدام على مستوى الاستقرار السياسي والاجتماعي..

وهذه الانقسامات الثقافية الداخلية في كل مجتمع عربي، تستفحل حينما يغيب المشروع الوطني القادر على بناء شخصية وطنية واحدة لجميع المواطنين وبصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية..

لهذا فإننا نعتقد وبعمق أن الانقسامات الطائفية التي تعاني منها بعض المجتمعات العربية، تتغذى من عوامل وأسباب سياسية واقتصادية وثقافية أخرى، ولكنها تأخذ شكل الصراع الطائفي بين مكونات المجتمع العربي الواحد..

والناظر إلى الواقع العربي بسطحية، يعتقد وكأن الصراع الجوهري الذي تعيشه هذه المجتمعات العربية هو صراع طائفي ممتد وقادر على السيطرة على عموم الحياة الوطنية..

ويبدو لي أن الصراع الطائفي الذي تعيشه بعض المجتمعات، هو عرض لمشكلة سياسية وثقافية واجتماعية أعمق من التناقض الطائفي.. ولكن لسهولة التعبئة الطائفية، الكل يلجأ إلى هذا الخيار ويوظف صراعه مع الآخرين بيافطات طائفية ومقولات مذهبية وتاريخية..

وهذا بطبيعة الحال، يغيّب الأسباب السياسية والاقتصادية الأخرى، التي يتغذى منها الصراع والصدام.. ولكننا نعود إلى جوهر المقال، ونقول إن الانقسام الثقافي العميق، هو الذي ينتج صراعات وصدامات، فيما كل طرف اجتماعي أو سياسي، قادر على تعبئة جمهوره بالطريقة التي يريدها..

فصراع المنطقة ليس صراعاً طائفياً، وإن اتخذ هذه الصيغة، وإن ارتفعت من كل الأطراف كل المقولات الطائفية، والتي تعطي الانطباع وكأن الصراع القائم طائفي محموم..

ولو تأملنا في أغلب الصراعات الاجتماعية العميقة، سنجد أن أسبابه الطائفية محدودة، ولكن الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هي الأسباب الجوهرية التي تنتج هذه الصراعات المفتوحة على كل الاحتمالات الكارثية..

وعليه فإن الانقسام الثقافي العميق الذي تشهده المجتمعات العربية، هو الذي يغذي كل الاحتمالات السلبية التي أنتجت هذه الصراعات وأمدتها بأسباب الاستمرار..

من هنا فإننا بحاجة لأن نلتفت إلى هذه المسألة.. لأنها على علاقة مباشرة بأمن واستقرار كل المجتمعات العربية..

والذي يزيد خطر الانقسام الثقافي العميق في العالم العربي، هو الانشقاقات الطائفية والجهوية والدينية التي تشهدها بعض البلدان العربية.. إضافة إلى تحول الإسلام بفعل ممارسات جماعات الإسلام السياسي من طاقة توحيدية لجميع المسلمين بمختلف مدارسهم الفقهية وانتماءاتهم الاجتماعية، إلى عامل للانشقاق والتمزق..

فأصبحت المنطقة العربية مليئة بالصراعات التي تتعلق بمن هي الجهة التي تمثل الإسلام الحق، ويحق لها التحدث باسمه..

فكل جماعات الإسلام السياسي مع اختلافاتها العميقة تتحدث باسم الإسلام وتختلف وتتصارع مع غيرها على قاعدة القرب والبعد من الإسلام..

فأضحى الإسلام من طاقة وحدوية توحيدية لجميع المسلمين، إلى موضوع للاختلاف والفرقة بين المسلمين.. وتزداد هذه المسألة صعوبة وحدية، حينما يتوسل أحد الفرقاء أو الأطراف بالقوة النارية والمسلحة لإلغاء وإقصاء الطرف أو المكون الآخر الذي يدعي قربه من الإسلام..

وعليه تحولت الكثير من مناطق العالم العربي، إلى ساحة مفتوحة للصراعات الكارثية، والتي تتم بدون أفق الحل والقدرة على حسم الأمور أو معالجتها بشكل جذري..

فالانقسام الثقافي الذي يشهده العالم العربي أضحى هو المعادل الواقعي لمقولة الفتنة الشاملة التي حولت كل المقولات إلى مادة للاختلاف والصراع بين الجميع.. وأضحى الجميع يحارب الجميع، وأصبح الجميع قادرا على نهش العالم العربي وتمزيقه من الداخل..

وأمام هذه الحالة، تعطلت كل إمكانية النهوض في العالم العربي، وأصبح العرب بفعل سوء خياراتهم إلى هادمين لعناصر قوتهم ومدمرين لمكاسبهم الداخلية والتاريخية.. ولا ريب أن استمرار هذه الحالة سيزيد العالم العربي ضعفاً وتدهوراً وطرداً لكل الكفاءات والقدرات.. ولا خروج للعرب من ظلمة الفتنة العمياء، إلا بإرادة عربية صلبة قادرة على تنظيم الأولويات وتبريد بعض الصراعات العبثية، وتلاقي كل القوى والتعبيرات الفكرية والسياسية على بدهيات مشروع للنهوض العربي والانعتاق التام من كل الأسباب التي أدت إلى هذه الفتنة السوداء، التي حولت العديد من الدول العربية إلى دول فاشلة ومدمرة لشعبها وإمكاناتها..

والخطوة الأولى لكل هذا وقف حالة الانحدار التي تشهدها العديد من الدول العربية، وإدارة نقاط الخلاف والتباين بطريقة سلمية وبعيدة عن خيار الاقتتال الداخلي..

اضف تعليق