كل فرد حركة، وكل حركة عمل، وكل عمل تقدم وتطور، فالفرد او الجماعة قادرون على احداث الفارق المادي والمعنوي في المجتمعات الساكنة او المتخلفة عن ركب الحضارة لو تخلصوا من "فلسفة التأخر" التي حذر منها المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) بقوله: "إن بعض الأفراد، كبعض الجماعات والأمم، يفلسفون للتأخر فكريا، ولا يتخذون خطوات عملية، وبذلك يتأخرون عملياً، التأخر والتقدم ــ أولا وبالذات ــ ينشأ من الفكر، ولكن يتبعه العمل أو اللاعمل، وحتى العامل قد يعمل أكثر كمية أو أحسن كيفية، فيكون تقدمه أكثر ممن ليس كذلك".

ان أسوأ ما يمكن انتاجه من أفكار تلك التي تتعلق بالتنظير لأفكار تبني الافراد والمجتمعات على أساس فلسفة التأخر والجمود واللاعمل والكسل، وهو بناء يخالف فطرة الانسان وطبيعته الميالة نحو الحركة والإنتاج والتطور والتقدم نحو الامام، وقد أوضح الامام الشيرازي في كتابه (كل فرد حركة، فلسفة التأخر) اهم الأسباب التي تقوم عليها هذه الفلسفة في الاقناع وتغيير القناعات الحركية لدى الافراد والجماعات بقناعات ساكنة تعتمد على مسلمات بانه "لا يمكن الإصلاح" و "لا أتمكن" و "لا قابلية للناس".

وينكر الامام الشيرازي على المدعين قولهم ويفند جميع وجهات النظر والأفكار التي طرحوها من اجل الترويج لفلسفة التأخر، ففي مقابل عدم قابلية الناس يرى الشيرازي ان الفطرة النقية لدى الناس "أعظم قابلية" لدى الانسان ويضيف: "وهل قام المصلحون إلا معتمدين على الفطرة؟ والعجيب في الأمر أن المفسدين أيضا يقومون ويقوم الناس معهم، مع أن الفطرة تخالفهم، وضمائر الناس ضدهم، إذا كان المفسدون هكذا، أفليس المصلحون أكثر قدرة على الحركة والنهوض والقيام؟".

لا اعتماد:

ومن فلسفة التأخر، زعم أنه لا يمكن الاعتماد على الناس، ثم سرد بعض الآيات والروايات وقصص التاريخ استدلالا على ذلك، وفي هذا السرد والاستدلال الكثير من الوهم والتضليل العقلي والنقلي، فالأساس هو الاعتماد على الفرد او الجماعة في أي حركة وتغيير لان: "الناس هم الناس، لهم فطرة صحيحة، والله أحسن الخالقين بخلقه لهم، وقد صورهم فأحسن صورهم، وزودهم بجنود العقل والجهل، وأنهم كمعادن الذهب والفضة، وأن الأنبياء والأئمة والمصلحين، عملوا على نفس هذا الإنسان، وأخذوا منهم إلى السعادة والجنة قسطا كبيرا، نعم أحيانا يغلب الصلاح، وأحيانا يغلب الفساد، ولذا فاللازم أن يعتمد المصلح عليهم، والاستثناء لا يوجب التخلي عن القاعدة العامة".

البطالة:

البطالة من اهم اركان التأخر، وهي تمثل العدمية من ناحية الإنتاج، وتصفير لكل الطاقات، خصوصاً وان: "قسماً من الناس يقضون أوقاتهم بالبطالة، في أية مهنة كانوا، ويفلسفون للبطالة بفلسفات عقيمة، والجامع بينها انحرافهم الفكري أو ترهلهم العملي مما يوجب، بالآخرة، تأخرهم عن ركب الحياة".

الكسل:

الكسل معرف بانه من اهم أسباب السكون وانعدام الحركة، فضلاً عن التراجع في مقابل تقدم الآخرين، وعليه يمكن ان يقضي الكسل على كل اشكال الحركة والطموح نحو بناء المستقبل، لذ فقد قامت فلسفة التأخر على زرع الكسل والتراخي في نفوس الافراد.

هدر الفرص:

هدر الفرص من اشد الخسارات التي يمكن ان يتعرض لها الانسان خلال حياته، فعدم تكرارها الى جانب صعوبة البحث عن الفرص يجعل ضياعها خسارة لا تعوض بسهولة، لذلك اعتمدت "فلسفة التأخر، عدم الاستفادة من كل فرصة ولو كانت قليلة، وعدم الاستفادة من كل قطرة ولو كانت مثقال ذرة"، في حين اعتمدت فلسفة التقدم والحركة على الاستفادة القصوى من أي فرصة مهما تناهت في الصغر والقيمة.

الاستبداد:

الاستبداد بالرأي والفكرة والمصالح وغيرها هو ما يدفع التأخر والتراجع، لان الاستبداد والانفراد من دون استشارة او مشاورة الاخرين يعني الاضرار بهم وسلبهم لحقوقهم واضاعة أي فرصة للإصلاح او التقدم، اذ "إن المستبد يجلب الكره لنفسه ويفوت على عمله مصالح كان يستفيدها إن استشار الناس، وأي تأخر أكبر من هذا التأخر، ولا فرق في استبداد الحكام أو استبداد الأفراد، وإن كان كلما كان الفرد أكبر يكون تأخره عن الواقع بسبب استبداده أكثر والضرر أعظم".

كما إن "المستبد يسيء بالنسبة إلى نفسه وإلى عمله قبل الإضرار بالآخرين، من حيث يزعم أنه يحسن إليهما، وهي حالة في النفس قبل أن تكون مظهراً خارجياً، ولذا فمن اللازم أن يعتاد الإنسان الاستشارية في كل صغيرة وكبيرة حتى تكون ملكة له".

العنف:

"ومن فلسفة التأخر العنف، إن العنيف في قول أو كتابة أو فعل، إنما يضر نفسه قبل أن يضر غيره، لا شك أن الإنسان فيه حالة العنف، لكن يمكن إزالته بالتلقين والإيحاء والتمرين، وعند ذاك تكون ملكة له وطبعاً من طباعه يأتي بكل يسر وعفوية، كما هو كذلك في سائر الحالات والملكات الرديئة، ولا يخفى أنه لا ينفع العنيف الاعتذار، فإنه قد يرفع شدة الأثر السيئ، لكنه لا يرفع أصل الأثر، ولماذا يفعل العاقل ما يحتاج إلى الاعتذار؟".

عدم الاستقامة:

ومن فلسفة التأخر عدم الاستقامة، فإن الناس إنما يصادقون ويلتفون حول المستقيم، أما من كان كل يوم بشكل فالناس يتنفرون منه أيما تنفر، مثلا: هذا اليوم يصادق وغدا يفارق، وهكذا، أو هذا اليوم يعمل وغدا يعمل ضده أو يتركه، ومثل: هذا الإنسان يعيش في وحشة في ذاته، وتنفر من المجتمع، وخروج من عمله.

اللاهدفية:

ومن فلسفة التأخر عدم الهدف الرفيع المطلق، أو الأرفع من حاله الذي هو فيه، أو ينوي أن يأتي به، إن بعض الناس ليس له هدف، وبعضهم له هدف وضيع، وبعضهم له هدف رفيع لكنه قادر على الأرفع، فهذا كله من سمات التأخر، فاللازم أن يهدف الإنسان أرفع الأهداف، ويهيئ أسبابه ويسير إليه، وبذلك يكون إنساناً تقدمياً.

والخلاصة ان الانسان له القدرة الفطرية على الحركة والإنتاج (المادي والمعنوي) حتى آخر أيام عمره، وهذه القدرة لا يمكن كسرها او فصلها عن الانسان، لكن ما تسعى اليه فلسفة التأخر هو تغيير القناعات الفكرية لدى الافراد والجماعات من اجل الركون الى الكسل وهدر الفرص والبطالة واللاهدفية وغيرها من الأفكار التي تزرع في عقولهم لتحويلهم من مرحلة الحركة والإنتاج الى مرحلة السكون والانجماد، وبهذا يتخلف المجتمع عن حركات التقدم والتطور الطبيعية ويتراجع الى الوراء بصورة تدريجية وصولاً الى القاع.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق